من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
مثاله من المنظوم (٢)
ومثاله من المنظوم قول حسان:
إن كنت كاذبة الّذى حدّثتنىفنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل عنهمونجا برأس طمّرة ولجام
وذلك أن الحارث بن هشام فرّ يوم بدر عن أخيه أبى جهل، وقال يعتذر:
الله يعلم ما تركت قتالهمحتى علوا فرسى بأشقر مزبد
وعلمت أنّى إن أقاتل واحداأقتل ولا يضرر عدوّى مشهدى
وشممت ريح الموت من تلقائهمفى مأزق والخيل لم تتبدّد
فصددت عنهم والأحبّة فيهمطمعا لهم بعقاب يوم مرصد
وهذا أول من اعتذر من هزيمة رويت عن العرب.
ومن الاستطراد قول السموءل:
وإنا أناس لا نرى القتل سبةإذا ما رأته عامر وسلول
فقوله: «إذا ما رأته عامر وسلول» استطراد.
وقال الآخر:
إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعهفليس به بأس وإن كان من عكل
وقول زهير:
إن البخيل ملوم حيث كان ولكنّ الجواد على علّاته هرم
ومن ظريف الاستطراد قول مسلم:
أجدك ما تدرين أن ربّ ليلةكأنّ دجاها من قرونك ينشر
لهوت بها حتى تجلّت بغرّةكغرّة يحيى حين يذكر جعفر
وقال أبو تمام:
وسابح هطل التّعداء هتّانعلى الجراء أمين غير خوّان
أظمى الفصوص ولم تظمأ عرائكهفخلّ عينيك فى ظمآن ريّان
فلو تراه مشيحا والحصى زيمتحت السّنابك من مثنى ووحدان
أيقنت- إن لم تثبّت- أن حافرهمن صخر تدمر أو من وجه عثمان
فبينا يصف قوائم الفرس خرج إلى هجاء عثمان؛ وهو من قول الأعرابى:
لو صكّ بوجهه الحجارة لرضّها، ولو خلا بالكعبة لسرقها.
ومثله قول ابن المعتز:
لو كنت من شىء خلافك لم تكنلتكون إلا مشجبا فى مشجب
يا ليت لى من جلد وجهك رقعةفأقدّ منها حافرا للأشهب
وقول البحترى فى الفرس:
ما إن يعاف قذى ولو أوردتهيوما خلائق حمدويه الأحول
وقال مسلم:
وأحببت من حبها الباخلىن حتى ومقت ابن سلم سعيدا
إذا سيل عرفا كسا وجههثيابا من البخل زرقا وسودا
يغار على المال فعل الجوادوتأبى خلائقه أن يجودا
وقال بشار:
خلبلىّ من كعب أعينا أخاكماعلى دهره إن الكريم معين
فلا تبخلا بخل ابن قزعة إنهمخافة أن يرجى نداه حزين
إذا جئته فى الخلق أغلق بابهفلم تلقه إلّا وأنت كمين
وقوله:
فما ذرّ قرن الشمس حتى كأننامن الغىّ نحكى أحمد بن هشام
وقريب منه قول البحترى:
إذا عطفته الريح قلت التفاتةلعلوة فى جاديّها المتعصفر
وهذا الباب يقرب من باب حسن الخروج، وقد استقصيناه فى آخر الكتاب.
ومن الاستطراد ما قلته:
انظر إلى قطر السماء ووبلهاودنوّ نائلها وبعد محلّها
وشمول ما نشرته من معروفهافانبثّ فى حزن البلاد وسهلها
بل ما يروعك من وفور عطائهاوعلوّ موضعها ولذّة ظلها
انظر بنى زيد فإن محلّهممن فوقها وعطاؤهم من قبلها
ومن الاستطراد ضرب آخر، وهو أن يجىء بكلام يظن أنه يبدأ فيه بزهد وهو يريد غير ذلك؛ كقول الشاعر:
يا من تشاغل بالطّللأقصر فقد قرب الأجل
واصل غبوقك بالصّبوح وعدّ عن وصف الملل
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع