من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
وفى انتصاف الليل وتناهيه، وانتشار النور، وأفول النجوم
قد اكتمل الظلام. قد انتصفنا عمر الليل، واستغرقنا شبابه. قد شاب رأس الليل، كاد ينمّ النسيم بالسّحر. قد انكشف غطاء الليل. انهتك ستر الدّجى، وشمطت ذوائبه، وتقوّس ظهره، وتهدّم عمره. قوّضت خيام الليل، وخلع الأفق ثوب الدّجى. أعرض الظلام وتولى، [وتدلّى] عنقود الثريا طرز قميص الليل بغرّة الصبح، وباح الصبح بسرّه. خلع الليل ثيابه، وحدر الصبح نقابه. لاحت تباشير الصبح، وافترّ الفجر عن نواجذه، وضرب النور فى الدّجى بعموده. بثّ الصبح طلائعه. تبرقع الليل بغرّة الصبح. أطار بازى الصبح غراب الليل، وعزلت نوافج الليل بجامات الكافور، وانهزم جند الظلام عن عسكر النور. خلعنا خلعة الظّلام، ولبسنا رداء الصباح، وملأ الآذان برق الصباح، وسطع الضوء، وطلع النور، وأشرقت الدنيا، وأضاءت الآفاق. مالت الجوزاء للغروب، وولت مواكب الكواكب، وتناثرت عقود النجوم، وفرّت أسراب النجوم من حدق الأنام، وهى نطاق الجوزاء، وانطفأ قنديل الثريا. قال بعض الأعراب: خرجنا فى ليلة حندس قد ألقت على الأرض أكارعها، فمحت صورة الأبدان، فما كنّا نتعارف إلا بالآذان.
قال ابن محكان السعدى:
وليل يقول الناس فى ظلماتهسواء صحيحات العيون وعورها
كأن لنا منه بيوتا حصينةمسوحا أعاليها وساجا ستورها
وهدا بارع جدّا. أراد أنّ أعلاه أشدّ ظلاما من جوانبه.
وقال أعرابى فى صفته: خرجت حين انحدرت النجوم، وشالت أرجلها،
فما زلت أصدع الليل حتى انصدع الفجر.
ومن بديع الشعر فى صفة الليل قول الأعرابى:
والليل يطرده النهار ولا ترىكالليل يطرده النهار طريدا
فتراه مثل البيت مال رواقههتك المقوّض ستره الممدودا
ومن اليديع:
على حين أثنى القوم خيرا على السّرىوطارت بأخرى الليل أجنحة الفجر
آخر:
وليل ذى غياطل مدلهمّرميت بنجمه عرض الأفول
يردّ الطرف منقبصا كليلاويملأ هوله صدر الذّليل
ابن المعتز:
هامت ركائبنا إليك بنابظليل أهل النار والمنح
فكأنّ أيديهن دائبةيفحصن ليلتهنّ عن صبح
وقال كشاجم:
سيا لليل قصرت مدّتهبدير مرّان مرّ مشكورا
وبات بدر الدجى يشعشعهانوريّة تملأ الدّجى نورا
غارت على نفسها وقد سفرتفعاد جيب الحباب مزرورا
حتى رأيت الظلام يدرجه الغربودرج الصباح منشورا
فاختلط الليل والنهار كماتخلط كفّ مسكا وكافورا
وقال على بن محمد الكوفى:
متى أرتجى يوما شفاء من الضّناإذا كان جانيه علىّ طبيبى
ولى عائدات ضفتهن فجئن فىلباس سواد فى الظلام قشيب
نجوم أراعى طول ليلى بروجهاوهنّ لبعد السير ذات لغوب
خوافق فى جنح الظلام كأنهاقلوب معنّاة بطول وجيب
ترى حوتها فى الشرق ذات سباحةوعقربها فى الغرب ذات دبيب
إذا ما هوى الإكليل منها حسبتهتهدّل غصن فى الرياض رطيب
كأنّ التى حول المجرّة أوردتلتكرع فى ماء هناك صبيب
كأنّ رسول الصّبح يخلط فى الدّجىشجاعة مقدام بجبن هيوب
كأنّ اخضرار البحر صرح ممرّدوفيه لآل لم تشن بثقوب
كأنّ سواد الليل فى ضوء صبحهسواد شباب فى بياض مشيب
كأنّ نذير الشمس يحكى ببشرهعلىّ بن داود أخى ونسيبى
ولولا اتّقائى عتبه قلت سيدىولكن يراها من أجلّ ذنوبى
جواد بما تحوى يداه مهذبأديب غدا خلّا لكلّ أديب
نسيب إخاء وهو غير مناسبقريب صفاء وهو غير قريب
ونسبة ما بين الأقارب وحشةإذا لم يؤنّسها انتساب قلوب
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع