من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
طول الليل
وقال ابن الرومى فى طول الليل:
ربّ ليل كأنه الدهر طولاقد تناهى فليس فيه مزيد
ذى نجوم كأنهنّ نجومالشّيب ليست تغيب لكن تزيد
وهذا من أجود ما جاء فى هذا المعنى، وقد قال بشار:
لخدّيك من كفيّك فى كلّ ليلةإلى أن ترى وجه الصباح وساد
تبيت تراعى الليل ترجو نفادهوليس لليل العاشقين نفاد
وقال:
خليلىّ ما بال الدّجى لا تزحزحوما بال ضوء الصبح لا يتوضّح
أضلّ النهار المستنير سبيلهأم الدهر ليل كلّه ليس يبرح
كأنّ الدجى زادت وما زادت الدجىولكن أطال الليل همّ مبرّح
وقال [أيضا]:
طال هذا الليل، بل طال السهرولقد أعرف ليلى بالقصر
لم يطل حتى جفانى شادنناعم الأطراف فتّان النظر
لى فى ليلى منه لوعةملكت قلبى وسمعى والبصر
فكأن الهمّ شخص ماثلكلما أبصره النوم نفر
وقال أيضا:
كأنّ فؤاده كرة تنزّىحذار البين إن نفع الحذار
يروّعه السرار بكل شىءمخافة أن يكون به السّرار
[كأن جفونه سملت بشوكفليس لنومه فيها قرار]
أقول وليلتى تزداد طولا:أما للّيل بعدهم نهار
جفت عينى عن التغميض حتىكأنّ جفونها فيها قصار
قيل لبشار: من أين سرقت قولك:يروّعه السرار بكلّ شىء
فقال: من قول أشعب الطمع، وقد قيل له: ما بلغ من طمعك؟ قال: ما رأيت اثنين يتسارّان إلا ظننتهما يريدان أن يأمرا لى بشىء. وأخذه أبو نواس فقال:
لا تبيحنّ حرمة الكتمانراحة المستهام فى الإعلان
قد تستّرت بالسكوت وبالإطراقجهدى فنمّت العينان
تركتنى الوشاة نصب المشيرينوأحدوثة بكل مكان
ما نرى خاليين فى الناس إلاقلت ما يخلوان إلا لشانى
ومثل قول بشار:
جفت عينى عن التغميض
البيت، قول الآخر:
كأنّ المحبّ بطول السّهادقصير الجفون ولم تقصر
وقد تناول هذا المعنى العتابى [فأفسده وقال]:
وفى المآقى انقباض عن جفونهماوفى الجفون عن الآماق تقصير
وقال المتنبى:
أعيدوا صباحى فهو عند الكواكبوردّوا رقادى فهو لحظ الحبائب
كأنّ نهارى ليلة مدلهمّةعلى مقلة من فقدكم فى غياهب
بعيدة ما بين الجفون كأنماعقدتم أعالى كلّ هدب بحاجب
وقال الشعبى: تشاجر الوليد بن عبد الملك ومسلمة أخوه فى شعر امرئ القيس والنابغة فى طول الليل، أيهما أشعر؟ فقال الوليد: النابغة أشعر، وقال مسلمة:
بل امرؤ القيس، فرضيا بالشعبى، فأحضراه، فأنشده الوليد:
كلينى لهمّ يا أميمة ناصبوليل أقاسيه بطىء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقضوليس الذى يرعى النجوم بآيب
وصدر أراح الليل عازب همّهتضاعف فيه الحزن من كل جانب
وأنشده مسلمة قول امرئ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدولهعلىّ بأنواع الهموم ليبتلى
فقلت له لما تمطّى بجوزهوأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلىبصبح، وما الإصباح منك بأمثل
فيالك من ليل كأن نجومهبكل مغار الفتل شدّت بيذبل
فطرب الوليد طربا، فقال الشعبى: بانت القضية.
معنى قول النابغة:
وصدر أراح الليل عازب همّه
أنه جعل صدره مأوى للهموم، وجعل الهموم كالنّعم السارحة الغادية، تسرح نهارا ثم تأتى إلى مكانها ليلا. وهو أول من استثار هذا المعنى، ووصف أن الهموم مترادفة بالليل لتقييد الألحاظ عما هى مطلقة فيه بالنهار، واشتغالها بتصرّف اللحظ عن استعمال الفكر، وامرؤ القيس كره أن يقول: إن الهمّ يخفّ عليه فى وقت من الأوقات فقال: وما الإصباح منك بأمثل.
وقال الطرماح بن حكيم الطائى:
ألا أيها الليل الذى طال أصبحبيوم، وما الإصباح فيك بأروح
على أن للعينين فى الصّبح راحةلطرحهما طرفيهما كلّ مطرح
فنقل لفظ امرئ القيس ومعناه، وزاد فيه زيادة اغتفر له معها فحش السرقة وإنما تنبّه عليه من قول النابغة، إلا أنّ النابغة لوّح، وهذا صرّح.
وقال ابن بسّام:
لا أظلم الليل ولا أدّعىأن نجوم الليل ليست تغور
ليلى كما شاءت، فإن لم تزرطال، وإن زارت فليلى قصير
وإنما أغار ابن بسام على قول على بن الخليل فلم يغير إلا القافية:
لا أظلم الليل ولا أدعىأنّ نجوم الليل ليست تزول
ليلى كما شاءت، قصير إذاجادت، وإن ضنّت فليلى طويل
وهذه السرقة كما قال البديع فى التنبيه على أبى بكر الخوارزمى فى بيت أخذ رويّه وبعض لفظه: «وإن كانت قضية القطع تجب فى الربع، فما أشد شفقتى على جوارحه [أجمع]؛ ولعمرى إن هذه ليست سرقة، وإنما هى مكابرة محضة، وأحسب أن قائله لو سمع هذا لقال: هذه بضاعتنا ردّت إلينا، فحسبت أن ربيعة ابن مكدم وعتيبة بن الحارث بن شهاب كانا لا يستحلّان من البيت ما استحله، فإنهما كانا يأخذان جلّه، وهذا الفاضل قد أخذ كله، وقد أخذ على بن الخليل من قول الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان:
لا أسأل الله تغييرا لما صنعتنامت وإن أسهرت عينىّ عيناها
فالليل أطول شىء حين أفقدهاوالليل أقصر شىء حين ألقاها
وابن بسام فى هذا [الشعر] كما قال الشاعر:
وفتى يقول الشعر إلا أنهفى كل حال يسرق المسروقا
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع