من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
وصف الدمن والأطلال
وأول هذا الشعر:
لمن دمن تزداد طيب نسيمعلى طول ما أقوت وحسن رسوم
تجافى البلى عنهنّ حتى كأنمالبسن على الإقواء ثوب نعيم
وهذا معنى مليح وإن أخذه من قول أعرابى:
شطّت بهم عنك نية قذفغادرت الشعب غير ملتئم
واستودعت سرّها الديار فماتزداد طيبا إلّا على القدم
وهذا ضدّ قول محمد بن وهيب:
طللان طال عليهما الأمددرسا فلا علم ولا قصد
لبسا البلى فكأنما وجدابعد الأحبّة مثل ما وجدوا
وقال الأخطل:
لأسماء محتلّ بناظرة البشرقديم ولمّا يعفه سالف الدّهر
يكاد من العرفان يضحك رسمهوكم من ليال للديار ومن شهر
هذا أيضا كقول أبى صخر الهذلى:
لليلى بذات الجيش دار عرفتهاوأخرى بذات البين آياتها سطر
كأنهما م الآن لم يتغيّراوقد مرّ للدارين من بعدنا عصر
وقد قال مزاحم القيلى:
تراها على طول القواء جديدةوعهد المغانى بالحلول قديم
وقرأ الزبير بن بكار أخبار أبى السائب [المخزومى] فلما بلغ إلى قول مالك بن أسماء الفزارى:
بكت الديار لفقد ساكنهاأفعند قلبى أبتغى الصّبرا؟
هذا البيت نظير قول ابن وهيب:
بيناهم سكن بجيرتهمذكروا الفراق فأصبحوا سفرا
فظللت ذا وله يعاتبنىمن لا يرى أمرى له أمرا
وإن أبا السائب قال عند سماع البيت الاوسط: ما أسرع هذا! أما اهتدوا! أما قدّموا ركابا! أما ودّعوا صديقا! فقال الزبير: رحم الله أبا السائب! فكيف لو سمع قول العباس بن الأحنف:
سألونا عن حالنا كيف أنتمفقرنّا وداعنا بالسؤال
ما أنخنا حتى ارتحلنا فما فرّقن بين النزول والإرتحال
هكذا رواه الزبير بن بكار لمالك بن أسماء، ورواها غيره لأيوب بن شبيب الباهلى.
ومن ألفاظ أهل العصر، فى صفة الديار الخالية دار لبست البلى، وتعطّلت من الحلى. دار قد صارت من أهلها خالية، بعد ما كانت بهم حالية. دار قد أنفد البين سكانها، وأقعد حيطانها، شاهد اليأس منها ينطق، وحبل الرجاء فيها يقصر. كأنّ عمرانها يطوى وخرابها ينشر، أركانها قيام وقعود، وحيطانها ركّع وهجود.
يشبه الأول من قول مالك بن أسماء قول مزاحم العقيلى.
بكت دار هم من فقدهم فتهلّلتدموعى، فأىّ الجاز عين ألوم؟
أمستعبر يبكى على الهون والبلىأم آخر يبكى شجوه فيهيم
أبو الطيب المتنبى:
لك يا منازل فى القلوب منازلأقفرت أنت وهنّ منك أو اهل
يعلمن ذاك، وما علمت، وإنماأولا كما يبكى عليه العاقل
وقال على بن جبلة، فى معنى قول العباس بن الأحنف:
زائر نمّ عليه حسنهكيف يخفى الليل بدرا طلعا
بأبى من زارنى مكتتماخائفا من كلّ أمر جزعا
رصد الغفلة حتى أمكنتورعى الحارس حتى هجعا
ركب الأهوال فى زورتهثمّ ما سلّم حتى ودّعا
وقال الحسين بن الضحاك:
[بأبى زور تلفت لهفتنفّست عليه الصّعدا
بينما أضحك مسرورا بهإذ تقطّعت عليه كمدا
أبو الطيب المتنبى]:
بأبى من وددته فافترقناوقضى الله بعد ذاك اجتماعا
فافترقنا حولا، فلما اجتمعناكان تسليمه علىّ الوداعا
وقال أبو الحسن جحظة: قال لى خالد الكاتب: دخلت يوما بعض الدّيارات فإذا أنا بشابّ موثق فى صفاد حسن الوجه؛ فسلّمت عليه، فردّ علىّ، وقال:
من أنت؟ قلت: خالد بن يزيد، فقال: صاحب المقطعات الرقيقة؟ قلت: نعم! فقال:
إن رأيت أن تفرّج عنى ببعض ما تنشدنى من شعرك فافعل، فأنشدته:
ترشّفت من شفتيها عقاراوقبّلت من خدها جلنّارا
وعانقت منها كثيبا مهيلاوغصنا رطيبا وبدرا أنارا
وأبصرت من نورها فى الظلاملكلّ مكان بليل نهارا
فقال: أحسنت! لا يفضض الله فاك، ثم قال: أجز لى هذين البيتين:
ربّ ليل أمدّ من نفس العاشق طولا قطعته بانتحاب
وحديث ألذّ من نظر الوامق بدّلته بسوء العتاب
فوالله لقد أعملت فكرى فما قدرت أن أجيزهما. [ويمكن أن يجازا بهذا البيت:
ووصال أقلّ من لمحة البارق عوّضت عنه طول اجتناب]
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع