من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار علي بن الجهم السامي
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
حدثني الشيرازي قال: حدثني ابن أبي طاهر قال: سمعت أبا عبد الله ابن محمد يسأل الجهم بن بدر - معلم علي - أن يحبسه في المكتب لشيء وجد عليه، فحبسه إلى الظهر، وضاق صدره، فأخذ شق لوح وكتب فيه إلى أمه، وبعث به مع بعض الصبيان إليها من حيث لا يعلم أبوه:
يا أمنا أفديك من أمأشكو إليك فظاظة الجهم
قد سرح الصبيان كلهموبقيت محصوراً بلا جرم
فلما قرأت الأم البيتين وثبت إلى لحية الجهم فنتفت أكثرها، فذهب الجهم بنفسه حتى أطلقه.
وحدثني أبو العباس الشاعر قال: حدثني ابن أبي عروبة قال: كان علي بن الجهم شاعراً مفلقاً مطبوعاً، يضع لسانه حيث يشاء، وكان هجاء، فأولع بآل طاهر يهجوهم وينسبهم إلى الرفض. فمما عرض به قوله وهو محبوس:
تضافرت الروافض والنصارىوأهل الإعتزال على هجائي
وعابوني وما نبي إليهمسوى بصري بأولاد الزناءِ
وإنما عني بالروافض الطاهريين. وبأهل الاعتزال بني داود، وبالنصارى بختيشوع بن جبريل، فإنه كان يعاديه. ووجد عليه طاهر من ذلك، فما زالوا يكاتبون المتوكل في أمره ويحتالون، حتى أخرج إلى خراسان، فلما وقع في أيديهم صلبوه بباب الشاذياخ، فاجتمع الناس ينظرون إليه وقد صلب عرياناً، فقال وهو على خشبته:
لم ينصبوا بالشاذياخ صبيحة الإثنين مغموزاً ولا مجهولا
نصبوا بحمد الله ملءَ عيونهمْحُسناً وملءَ قلوبهم تبجيلا
ما ضره أن بز عنه لباسهفالسيف أهول ما يرى مسلولا
فاتصلت الأبيات بالقوم فأنزلوه وأكرموه.
ومن خبيث هجائه:
بني متيم هل تدرون ما الخبروكيف يستر أمر ليس يستتر
حاجيتكم: من أبوكم يا بني عصبٍشتى ولكنما للعاهر الحجرُ
قد كان شيخكم شيخاً له خطرٌلكن أمكم في أمرها نظر
فلم تكن أمكم والله يكلؤهامحجوبة دونا الأبواب والستر
كانت مغنية الفتيان إن شرواوغير محجوبة عنهم إذا سكروا
وكان إخوانه غراً جحاجحةلا يمكن الشيخ أن يعصى إذا أمروا
قوم أعَفّاء إلا في بيوتكمفإن في مثلها قد تخلع العذر
قوم إذا نسبوا فالأم واحدةوالله أعلم بالآباء إذ كثروا
حدثني ابن أبي فنن قال: حدثني أبو عبد الله اليحصبي قال: لما قال علي بن الجهم وهو محبوس كلمته التي يخاطب فيها المتوكل: قالت:
حُبست فقلت ليس بضائريحبسي، وأي مهند لا يغمدُ
ثم قال حين صلب:
ما ضره أن بز عنه لباسهفالسيف أهول ما يرى مسلولا
حكموا له بأنه أشعر الناس، فأذعنت له الشعراء وهابته الأمراء.
ومما يختار له قوله:
هي النفس ما حملتها تتحملُوللدهر أيام تجور وتعدلُ
ولا عار أن زالت عن الحر نعمةولكن عاراً أن يزول التجمل
وعاقبة الصبر الجميل جميلةوأفضل أخلاق الرجال التفضلُ
وله:
أقلني أقالك من لم يزليقيك ويصرف عنك الردى
وأعلاك حتى لو أن السماتنال لجاوزتها مصعدا
فما بين ربك جل اسمهوبينك إلا نبي الهدى
وأنت بسنته مقتدوفيها نجاؤك منه غدا
ويستحسن له أيضاً قوله من رائيته في المتوكل:
إذا نحن شبهناك بالبدر طالعاًوبالشمس قالوا حق للشمس والبدر
ولو قُرنت بالبحر سبعة أبحرلما بلغت جدوى أناملك العشر
وله:
إذا نحن شبهناك بالبدر طالعاًبخسناك حظاً أنت أبهى وأكمل
ونظلم إن قسناك بالليث في الوغىفإنك أحمى للذمار وأبسلُ
فلا عرف إلا قد تجاوزت حدهولا بحر إلا سيب كفك أفضل
وهو ممن شهر بشعره، ووجد عند الخاصة والعامة، وليس قصدنا الاستقصاء، وفيما ذكرناه كفاية.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع