تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

رأى فِي مَنَامه أَنه قد صرع خَصمه فَكَانَ تَعْبِير رُؤْيَاهُ أَن الْخصم هُوَ الْمُنْتَصر

حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم الْحسن بن بشر الْآمِدِيّ، الْكَاتِب، الْمُقِيم كَانَ بِالْبَصْرَةِ، إِلَى أَن مَاتَ، قَالَ: لما سعى أَبُو أَحْمد طَلْحَة بن الْحسن بن الْمثنى، مَعَ جَيش أبي الْقَاسِم بن أبي عبد الله البريدي، فِي أَن يقبضوا عَلَيْهِ، ويحبسوه عِنْد أبي أَحْمد، إِلَى

أَن يرد الْمُطِيع لله، أَو جَيش لَهُ إِلَى الْبَصْرَة، فيملكوها، ويتسلمون مِنْهُ أَبَا الْقَاسِم البريدي، وَكَانَت الْقِصَّة الْمَشْهُورَة فِي ذَلِك.

فبلغني ذَلِك، فخلوت بِأبي أَحْمد، وَكنت أكتب لَهُ حِينَئِذٍ، وَكَانَ لَا يحتشمني فِي أُمُوره، وثنيته عَن هَذَا الرَّأْي، وعرفته وُجُوه الْغَلَط فِيهِ، والمخاطرة بدمه وَنعمته، وَهُوَ غير قَابل لمشورتي، إِلَى أَن أكثرت عَلَيْهِ.

فَقَالَ لي: اعْلَم أنني قد رَأَيْت رُؤْيا أَنا بهَا واثق فِي تَمام مَا قد شرعت فِيهِ من الْقَبْض على هَذَا الرجل.

فعجبت فِي نَفسِي من رجل يُخَالف الحزم الظَّاهِر، والرأي الْوَاضِح، من أجل مَنَام، ثمَّ قلت لَهُ: مَا الرُّؤْيَا؟ فَقَالَ: رَأَيْت كَأَن حَيَّة عَظِيمَة، قد خرجت عَليّ من حَائِط هَذَا العرضي، قَالَ: وَكَانَ جَالِسا فِي عرضي دَاره، قَالَ: فَكَأَنِّي قد رميتها، فأثبتها فِي الْحَائِط.

فحين قَالَ أَبُو أَحْمد: أثبتها فِي الْحَائِط، ذكرت تَأْوِيل مَنَام ابْن الزبير، وقص الْمَنَام الَّذِي ذكرته، فَسبق إِلَى قلبِي، أَن تَأَول مَنَام أبي أَحْمد، أَنه قد أثبت عدوه فِي حَائِطه، وَأَن عدوه سيغلبه على الْبَلَد.

قَالَ: فَأَمْسَكت، وَقطعت الْكَلَام، فَمَا مَضَت إِلَّا مُدَّة يسيرَة، حَتَّى شاع التَّدْبِير، وَصَحَّ الْخَبَر بِهِ عِنْد أبي الْقَاسِم البريدي، فبادر إِلَى الْقَبْض على

فائق الأعسر، وَكَانَ هُوَ الَّذِي نَدبه أَبُو أَحْمد للقبض على البريدي، وَأَن يكون أَمِير الْبَلَد، إِلَى أَن يرد جَيش الْخَلِيفَة، فقرره، فَأقر بالْخبر على شَرحه، فَقبض أَبُو الْقَاسِم على أبي أَحْمد بعد قَبضه على فائق بيومين أَو ثَلَاثَة، فاستصفاه، وَأَهله، وَولده، ثمَّ قَتله بعد ذَلِك بأيام.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّادِس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.