من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الرشيد يولي أَخَاهُ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي دمشق
بَلغنِي عَن إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، قَالَ: كنت فِي جفوة شَدِيدَة من أخي الرشيد، أثرت فِي جاهي، ونقصت حَالي، وأفضيت مَعهَا إِلَى الْإِضَافَة بِتَأْخِير أرزاقي، وَظُهُور اطراحه إيَّايَ، فاختلت لذَلِك أحوالي، وركبني دين فادح، فَبلغ بِي القلق والفكر فِيهِ لَيْلَة من اللَّيَالِي، مبلغا شَدِيدا، ونمت فَرَأَيْت فِي النّوم كَأَنِّي وَاقِف بَين يَدي أبي الْمهْدي، وَهُوَ يسألني عَن حَالي، وَأَنا أَشْكُو إِلَيْهِ مَا نكبني بِهِ الرشيد، وأنهيت إِلَيْهِ حَالي، وَأَنا أَقُول: ادْع الله عَلَيْهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَكَأَنَّهُ يَقُول: اللَّهُمَّ أصلح ابْني هَارُون، يكررها ثَلَاثًا.
فَكَأَنِّي أَقُول: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَشْكُو إِلَيْك ظلم هَارُون لي، وَأَسْأَلك أَن تَدْعُو عَلَيْهِ، فتدعو لَهُ.
فَقَالَ: وَمَا عَلَيْك، إِن أصلحه الله لَك وللكافة، أَن يبْقى على حَاله، هُوَ ذَا أمضي إِلَيْهِ السَّاعَة، وآمره أَن يرجع لَك، وَيَقْضِي دينك، ويوليك جند دمشق.
فكأنني أومي إِلَيْهِ بسبابتي، وَأَقُول لَهُ: دمشق، دمشق، اسْتِقْلَالا لَهَا.
فَيَقُول لي: حركت مسبحتك اسْتِقْلَالا لدمشق، فَكلما خف مِنْهَا حظك، كَانَ فِي الْعَاقِبَة أَجود لَك.
فانتبهت، وأحضرت رجلا كَانَ مؤدبي فِي أَيَّام الْمهْدي، فَسَأَلته عَن المسبحة، فَقَالَ: كَانَ عبد الله بن الْعَبَّاس، يُسَمِّي السبابَة: المسبحة، فَمَا
سُؤال الْأَمِير لي عَنْهَا؟ فقصصت عَلَيْهِ الرُّؤْيَا، وَامْتنع النّوم عني، فَأخذ يحدثني وَأَنا جَالس فِي فِرَاشِي، إِذْ جَاءَنِي رَسُول الرشيد، فارتعت لَهُ ارتياعا شَدِيدا، وَلم أعبأ بالمنام، وَخفت أَن يُرِيدنِي لسوء يوقعه بِي.
فَقلت: أدافعه إِلَى أَن تطلع الشَّمْس، ثمَّ يكون دخولي الدَّار نَهَارا، فَإِن كَانَ أرادني لغيلة لم تتمّ.
فتقاطرت رسله حَتَّى أعجلوني عَن الرَّأْي، واضطروني إِلَى الرّكُوب فِي الْحَال، فَدخلت إِلَيْهِ وَأَنا شَدِيد الْجزع، وَهُوَ جَالس فِي فرَاشه ينتحب.
فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: سَأَلتك بِاللَّه يَا أخي هَل رَأَيْت اللَّيْلَة فِي مَنَامك شَيْئا؟ فَقلت: نعم، السَّاعَة رَأَيْت أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي.
فَلَمَّا قلت لَهُ ذَلِك ازْدَادَ بكاؤه، ثمَّ قَالَ لي: وَيحك، بِاللَّه، شكوتني إِلَيْهِ وَسَأَلته أَن يَدْعُو عَليّ؟ فَقلت: قد كَانَ ذَلِك، وَلكنه قَالَ كَذَا وَكَذَا، وشرحت لَهُ مَا قَالَ.
فَقَالَ: السَّاعَة وَالله، جَاءَنِي فِي مَنَامِي، فَقص عَليّ جَمِيع مَا ذكرت، وَقد وفى بوعده، وَالله لأمتثلن أمره، ولأصلن رَحِمك، كم دينك؟ قلت: كَذَا وَكَذَا، فَأمر بِقَضَائِهِ.
وَقَالَ: لَا تَبْرَح، حَتَّى أُصَلِّي وَأخرج، فأعقد لَك على دمشق، فانتظرت حَتَّى وَجَبت الصَّلَاة، فصلى، وَجَاء وَقت جُلُوسه، فَجَلَسَ، واستدعاني فأظهر تكرمتي، وَعقد لي لِوَاء على دمشق، وَأمر النَّاس، فَسَارُوا معي إِلَى منزلي، فَعَاد جاهي، وصلحت حَالي.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع