تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

قضى الله للهبيري رزقا على يَد الْوَزير ابْن الزيات فاستوفاه على رغم أَنفه

وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي، بِإِسْنَاد، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد الْكَاتِب، عَن أَحْمد بن إِسْرَائِيل، قَالَ: كنت كَاتبا لمُحَمد بن عبد الْملك الزيات، فَقدم عَلَيْهِ رجل من ولد عمر بن هُبَيْرَة، يُقَال لَهُ: إِبْرَاهِيم بن عبد الله الهبيري، فلازمه يطْلب تَصرفا.

وَكَانَ ابْن الزيات قَلِيل الْخَيْر، لَا يرْعَى ذماما، وَلَا يُوجب حُرْمَة، وَلَا يحب أَن يصطنع أحدا، فأضجره الهبيري من طول تردده عَلَيْهِ.

فدعاني ابْن الزيات يَوْمًا، وَهُوَ رَاكب، وَقَالَ: قد تبرمت بملازمة هَذَا الرجل، فَقل لَهُ: إِنِّي لست أوليه شَيْئا، وَلَا لَهُ عِنْدِي تصرف، ومره بالانصراف عني.

قَالَ: فَقلت: أَنا، وَالله، أستحي أَن ألْقى مؤملا عَنْك، بِمثل هَذَا.

قَالَ: لَا بُد أَن تفعل.

قلت: نعم.

فَلَمَّا صرت إِلَى منزلي؛ وجهت إِلَى الهبيري، فَجَاءَنِي، فَقلت لَهُ: مَا كنت تؤمل أَن تنَال بِصُحْبَة أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات، خُذْهُ من مَالِي، وَلَا تقربه، وَهَذِه ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم.

فَقَالَ مُتَعَجِّبا: من مَالك؟ قلت: نعم.

قَالَ: أَنا أُؤَمِّل أَن أكسب مَعَه أَكثر من ذَلِك.

فَقلت: إِنَّه قد حَملَنِي إِلَيْك رِسَالَة، استحيت من أَدَائِهَا، فعدلت عَنْهَا إِلَى هَذَا.

قَالَ: فهات مَا حملك.

قَالَ: فَأَعَدْت عَلَيْهِ مَا قَالَ ابْن الزيات.

فَقَالَ: قد سَمِعت مِنْك، فَهَل أَنْت مؤد عني مَا أَقُول؟ قلت: نعم.

قَالَ: قل لَهُ: قد كنت آتِيك فِي صَبِيحَة كل يَوْم مرّة، وَوَاللَّه، لآتينك مُنْذُ الْآن فِي كل غدْوَة وَعَشِيَّة، فَإِن قضى الله، ﷿، على يدك رزقا، أَخَذته على رغمك.

فَرَجَعت إِلَى ابْن الزيات، فأعلمته قَوْله.

فَقَالَ: دَعه، فوَاللَّه، لَا يرى مني خيرا أبدا.

قَالَ: ولازمه الرجل، غدْوَة وَعَشِيَّة، فَكَانَ إِذا رَآهُ؛ الْتفت إِلَيّ، وَقَالَ: قد جَاءَ البغيض، فَمَكثَ كَذَلِك مُدَّة.

وَركب ابْن الزيات يَوْمًا إِلَى الواثق، وَهُوَ بالهاروني، بسر من رأى، وَكنت مَعَه.

فَدخل إِلَى الْخَلِيفَة، وَجَلَست فِي بعض الدّور، أنْتَظر خُرُوجه، فَخرج، وَهُوَ يكثر التَّعَجُّب.

فَسَأَلته، فَقَالَ: أَنْت تعرف مذهبي، قَالَ: وَكَانَ يرى رَأْي الْمُعْتَزلَة، وَيَقُول: إِن الأرزاق تَأتي بالاكتساب.

فَقلت لَهُ: وماذا تهَيَّأ عَلَيْك؟ فَقَالَ: دخلت إِلَى الْخَلِيفَة، فَقَالَ: على الْبَاب أحد نصطنعه؟ فَلم يخْطر ببالي غير الهبيري، فَأَمْسَكت.

فَقَالَ: وَيلك، أُكَلِّمك فَلَا تُجِيبنِي، وأعجلني عَن الْفِكر.

فَقلت: على بَاب أَمِير الْمُؤمنِينَ، رجل من أَعدَاء دولته، وأعداء سلفه، وَمن صنائع بني أُميَّة، من ولد عمر بن هُبَيْرَة.

قَالَ: فنصطنعه فيشكرنا، كَمَا اصْطنع أَبَاهُ بَنو أُميَّة فشكرهم.

قلت: إِنَّه معدم.

قَالَ: نغنيه، فراودته.

فَقَالَ: كم تدفعني عَنهُ؟ أعْطه السَّاعَة ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم.

ثمَّ قَالَ: من أهل الدراريع هُوَ، أم من أهل الأقبية؟ قلت: صَاحب قبَاء.

قَالَ: قلدوه السَّاعَة عملا يصلح لَهُ، وَأثبت لَهُ من وَلَده وغلمانه وَأَهله، مائَة رجل.

فَلَمَّا فرغ من كَلَامه؛ قَالَ: قل للهبيري مَا عرفتك، وادفع إِلَيْهِ مَا أَمر لَهُ الْخَلِيفَة بِهِ، وسله أَلا يشكرني، فقد جهدت فِي دفع الواثق عَنهُ، فَمَا انْدفع.

قَالَ أَحْمد بن إِسْرَائِيل: فَلَمَّا خرجت إِلَى الشَّارِع، إِذا بالهبيري ينْتَظر خُرُوج ابْن الزيات، فعرفته مَا جرى، فَقَالَ: لَا بُد من شكره على كل حَال، وَجَاء ابْن الزيات فترجل لَهُ الهبيري، فشكره.

فَقَالَ لَهُ: أم أقل لِأَحْمَد يَقُول لَك: لَا تشكرني.

فَقَالَ: لَا بُد من ذَلِك؛ لِأَن الله، تَعَالَى، قد أجْرى رِزْقِي على يَديك.

قَالَ أَحْمد بن إِسْرَائِيل: فوَاللَّه، مَا مضى الْيَوْم، حَتَّى قبض المَال، وَولي بعض كور فَارس.

وَذكر هَذَا الْخَبَر مُحَمَّد بن عَبدُوس الجهشياري، فِي كِتَابه: كتاب (الوزراء)، عَمَّن حَدثهُ بِهِ، عَن أَحْمد بن إِسْرَائِيل، فَذكر أَن الرجل، يُقَال لَهُ: أَحْمد بن عبد الله الهبيري، وَذكر قَرِيبا من هَذَا، وَذكر أَن الَّذِي خُوطِبَ فِي أمره من الْخُلَفَاء، كَانَ المتَوَكل، وَأَن الَّذِي أَمر لَهُ بِهِ، كَانَ خَمْسَة آلَاف دِرْهَم، وَأَن يضم إِلَيْهِ ثَلَاث مائَة رجل، وَأَن حَاله بعد ذَلِك علت عِنْد المتَوَكل، وَلم يقل أَنه قَلّدهُ بعض كور فَارس.

وحَدثني أبي، رَحمَه الله تَعَالَى، هَذَا الحَدِيث، وَذكر أَن تردد الهيبري، وَلم يسمه، إِلَى ابْن أبي خَالِد الْأَحول، وَأَن الَّذِي حمل الرسَالَة إِلَى الهبيري، قَصده إِلَى منزله، وَحمل مَعَه ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم، وَقَالَ: إِن الْوَزير يَقُول لَك: لَيْسَ لَك عِنْدِي تصرف، فَخذ هَذِه النَّفَقَة، وَانْصَرف عني إِلَى حَيْثُ شِئْت.

فَغَضب الهبيري، وَقَالَ: جعلني شحاذا، وَالله لَا أَخَذتهَا.

قَالَ الرَّسُول: فغاظني ذَلِك، فَقلت لَهُ: وَالله، مَا المَال إِلَّا من عِنْدِي؛ لِأَنِّي استحيت أَن أُعِيد عَلَيْك رسَالَته، فآثرت أَن أغرم مَالا فِي الْوسط، أجمل بِهِ صَاحِبي، وأؤجر فِيك، وَأَرْفَع نَفسِي عَن قَبِيح التَّوَسُّط الَّذِي ارتكبته.

فَقَالَ: أما أَنْت؛ فَأحْسن الله جزاءك، وَأما مَالك؛ فَأَنا لَا أقبله، وَلَو مصصت الثماد، وَلَكِن تُؤدِّي إِلَيّ الرسَالَة بِعَينهَا، فأديتها.

فَقَالَ: تتفضل، وَتحمل عني حرفين.

فَقلت: هَات.

قَالَ: تَقول لَهُ، وَالله، مَا لزومي لَك فِي نَفسك، وَلَو تعطلت، مَا مَرَرْت بك، وَلَكِن الله، تَعَالَى، يَقُول: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾، وَأَنت بَاب رزق مثلي؛ لِأَنِّي لَا أحسن إِلَّا هَذِه الصِّنَاعَة، وَلَا بُد من أَن آتِيك طَالبا رِزْقِي من بَابه، وَلَيْسَ يَمْنعنِي ذَلِك استقبالك إيَّايَ بِالرَّدِّ، فَإِن قسم الله، تَعَالَى، لي على يَديك شَيْئا؛ أَخَذته مِنْك، وَإِلَّا فَلَا أقل من أَن أؤذيك برؤيتي، كَمَا تؤذيني بتعطيلي.

وَقَالَ فِيهِ عَن ابْن أبي خَالِد: فصرت فِي الْوَقْت إِلَى الْمَأْمُون، فَقَالَ: هاتم شخصا أَوله مصرا.

قَالَ: فَأَرَادَ أَن يذكر لَهُ رجلا يعتني بِهِ، يعرف بـ: الزبيرِي؛ لتولي ذَلِك الْعَمَل، فلغيظه من الهبيري، وَقرب عَهده بِهِ وَحَدِيثه، غلط، فَقَالَ: الهبيري.

فَقَالَ الْخَلِيفَة: أويعيش؟ وعرفه، وَذكر لَهُ خدمَة قديمَة.

وَأَرَادَ ابْن أبي خَالِد أَن يزهده فِيهِ، قَالَ: فطعنت عَلَيْهِ بِكُل شَيْء، وَهُوَ يَقُول: لَا أُرِيد غَيره، أَنا أعرفهُ بالجلادة.

إِلَى أَن قلت لَهُ: أَنا غَلطت، وَإِنَّمَا أردْت أَن أَقُول فلَان الزبيرِي.

قَالَ: وَإِن غَلطت، فالهبيري أقوم بِهَذَا من الزبيرِي، وَأَنا أَعْرفهُمَا، فَلَمَّا رَآنِي قد أَقمت على الدّفع عَنهُ؛ قَالَ: لَهُ مَعَك قصَّة، فاصدقني عَنْهَا، فصدقته.

فَقَالَ: قد، وَالله، أجْرى رزقه على يَديك، وَأَنت راغم، أخرج فوله مصر.

فَقلت: إِنَّه ضَعِيف، وَلَا حَالَة لَهُ، وَلَا مُرُوءَة، فَكيف يخرج فِي مثل هَذِه الْحَال إِلَى عمله؟

قَالَ: وَهَذَا من رزقه الَّذِي يجْرِي على يَديك وَأَنت راغم، أطلق لَهُ مائَة ألف دِرْهَم فَأخْرجهُ.

فَخرجت، وامتثلت أمره راغما.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.