تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

من مَكَارِم سعيد بن الْعَاصِ أَمِير الْكُوفَة

وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه: حُكيَ أَن سعيد بن الْعَاصِ، قدم الْكُوفَة عَاملا لعُثْمَان بن عَفَّان، ﵁، وَكَانَ مِمَّن يتعشى عِنْده، رجل من الْفُقَرَاء، قد ساءت حَاله.

فَقَالَت امْرَأَته: وَيحك، إِنَّه قد بلغنَا عَن أميرنا كرم، فاذكر لَهُ حالك وحاجتك، لَعَلَّه أَن ينيلنا شَيْئا، فَلم يبْق للصبر فِينَا بَقِيَّة.

فَقَالَ: وَيحك، لَا تخلقي وَجْهي.

قَالَت: فاذكر لَهُ مَا نَحن فِيهِ على كل حَال.

فَلَمَّا كَانَ بالْعَشي؛ أكل عِنْده، فَلَمَّا انْصَرف النَّاس؛ ثَبت الرجل.

فَقَالَ سعيد: حَاجَتك؟ فَسكت.

فَقَالَ سعيد لِغِلْمَانِهِ: تنحوا، ثمَّ قَالَ: إِنَّمَا نَحن أَنا وَأَنت، فاذكر حَاجَتك، فتعقد وتعصر، فَنفخ سعيد الْمِصْبَاح فأطفأه.

ثمَّ قَالَ لَهُ: يَرْحَمك الله، لست ترى وَجْهي، فاذكر حَاجَتك.

فَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير، أصابتنا حَاجَة، فَأَحْبَبْت أَن أذكرها لَك.

فَقَالَ: إِذا أَصبَحت فَالْقَ فلَانا وَكيلِي.

فَلَمَّا أصبح الرجل؛ لَقِي الْوَكِيل، فَقَالَ: إِن الْأَمِير قد أَمر لَك بِشَيْء، فهات من يحملهُ مَعَك، قَالَ: مَا عِنْدِي من يحمل، فَانْصَرف إِلَى امْرَأَته، فَجعل يلومها، وَيَقُول: قَالَ لي وَكيله: هَات من يحمل مَعَك، وَمَا أَظُنهُ أَمر لي إِلَّا بقوصرة تمر، أَو قفيز بر، وَذهب مَاء وَجْهي، وَلَو كَانَت دَرَاهِم، أَو دَنَانِير، لأعطانيها فِي يَدي.

فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام؛ قَالَت لَهُ امْرَأَته: يَا هَذَا، قد بلغ بِنَا الْأَمر إِلَى مَا ترى، وَمهما أَعْطَاك الْأَمِير، يقوتنا أَيَّامًا، فالق وَكيله، فَلَقِيَهُ.

فَقَالَ: أَيْن تكون؟ إِنِّي قد أخْبرت الْأَمِير أَنه لَيْسَ لَك من يحمل مَا أَمر بِهِ لَك مَعَك، فَأمرنِي أَن أوجه من يحمل مَعَك مَا أَمر بِهِ لَك.

ثمَّ أخرج إِلَيْهِ ثَلَاثَة من السودَان، على راس كل وَاحِد مِنْهُم بدرة دَرَاهِم، ثمَّ قَالَ: امضوا مَعَه.

فَلَمَّا بلغ الرجل بَاب منزله؛ فتح بدرة، فَأخْرج مِنْهَا دَرَاهِم، فَدَفعهَا إِلَى السودَان، وَقَالَ: امضوا.

فَقَالُوا: أَيْن نمضي، نَحن عبيدك، مَا حمل مَمْلُوك للأمير هَدِيَّة قطّ، فَرجع إِلَى ملكه.

قَالَ: فصلحت حَاله، وَاسْتظْهر على دُنْيَاهُ.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.