تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

ألجأته الْحَاجة إِلَى بيع مقنعة أمه ثمَّ ملك مصر

وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي، فِي كِتَابه، بِإِسْنَاد ذكره، قَالَ: حَدثنِي عمي أَبُو الطّيب مُحَمَّد بن يُوسُف بن يَعْقُوب، قَالَ: حَدثنِي بعض إخْوَانِي، قَالَ: كنت أحضر طَعَام عبيد الله بن السّري بِمصْر، فَكَانَ إِذا وضع الخوان؛ وضع رغيفا، وعزل بِيَدِهِ من كل شَيْء، فَإِذا فرغ تصدق بِهِ.

فَقدمت إِلَيْهِ ذَات يَوْم عنَاق سَمِينَة، فِي أول الطَّعَام، فَضرب بإصبعه فِي جنبها، فشخبت حَتَّى مَلَأت الخوان دسما، فَأمْسك يَده، وَقَالَ: الْحَمد لله، ذكرت بِهَذَا شَيْئا أحدثكُم بِهِ.

كنت بِبَغْدَاد، نازلا بسوق الْهَيْثَم، فأصابتني حَاجَة شَدِيدَة، وَبقيت بِلَا

حَبَّة فَمَا فَوْقهَا، وَلَا فِي منزلي مَا أبيعه.

فَإِنِّي لكذلك، وَمَا عِنْدِي طَعَام، وَلَا مَا أَشْتَرِي بِهِ قوت يومي، إِلَّا أَن عِنْدِي نبيذا قد أدْرك، وَأَنا جَالس على بَاب دَاري ضيق الصَّدْر، أفكر فِيمَا أعمله.

إِذْ اجتاز بِي صديق لي، فَجَلَسَ إِلَيّ، فتحدثنا، فعرضت عَلَيْهِ الْمقَام عِنْدِي، عرض معذر، كَمَا جرى على لساني، فَأَجَابَنِي، وَقعد.

فَانْقَطع بِي، وتمنيت أَنِّي خرست، فَلم أجد بدا من إِدْخَاله منزلي، فأدخلته.

وَقمت إِلَى أُمِّي فعرفتها الْخَبَر، فأعطيتني مقنعتها، وَقَالَت: بعها، وقم بِأَمْرك الْيَوْم، فبعتها بِثَلَاثَة دَرَاهِم، واشتريت بهَا خبْزًا وسمكا وبقلا، وريحانا، وَجئْت بِهِ.

فَبينا نَحن كَذَلِك؛ إِذْ مرت بِي سنور لبَعض الْجِيرَان، فمددت يَدي إِلَيْهَا، فَإِذا هِيَ ذَلُول، فقبضت عَلَيْهَا، وذبحتها، وسلختها، ودفعتها إِلَى أُمِّي، فَقلت: اشويها، فَفعلت، وقدمتها إِلَى صديقي، مَعَ مَا اشْتَرَيْته، فأكلنا.

فَذكرت لما وَقعت يَدي على هَذِه العناق، حَالي تِلْكَ، وحالنا الْيَوْم من السعَة وَالنعْمَة، ونفاذ الْأَمر، فَالْحَمْد لله على مَا أنعم.

ودعا بِمَال عَظِيم، وَأمر أَن يتَصَدَّق بِنصفِهِ بِمصْر، وَبعث نصفه إِلَى مَكَّة وَالْمَدينَة، يتَصَدَّق بِهِ هُنَاكَ.

وَأمر بالخوان وَمَا عَلَيْهِ أَن يطعم للْمَسَاكِين، ودعا بخوان آخر.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.