تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

سَافر إِلَى الْموصل ثمَّ إِلَى نَصِيبين فِي طلب التَّصَرُّف حَتَّى إِذا أيس جَاءَهُ الْفرج

وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن، فِي كِتَابه، قَالَ: قَالَ بَعضهم: لحقتني نكبة فِي بعض الْأَوْقَات، تطاولت عَليّ الْأَيَّام فِي العطلة، وركبني دين فادح، وبعت آخر مَا كَانَ فِي ملكي.

فَصَارَ إِلَى صديق لي، حَاله مثل حَالي فِي العطلة، فَقَالَ: هَل لَك أَن نخرج إِلَى الْموصل، فَإِن عاملها فلَان، ولي بِهِ حُرْمَة، فنتطلب مِنْهُ تَصرفا؟ فَقلت: أفعل.

فاحتلت نَفَقَة، وَخَرجْنَا حَتَّى دَخَلنَا الْموصل، فَوَجَدنَا الْعَامِل يُرِيد الرحيل إِلَى ديار ربيعَة.

قَالَ: فَلَقِيَهُ الرجل، وَلم يتهيأ لي لقاءه، وَخَرجْنَا إِلَى نَاحيَة، فَلَقِيته أَنا هُنَاكَ، فوعد جميلا، وسرت إِلَى نَصِيبين، وَقد نفدت نفقتي.

وكشف لنا الْعَامِل هُنَاكَ، أَنه قد قلد مصر، مُضَافا إِلَى أَعماله، وَأَنه يُرِيد الْخُرُوج إِلَيْهَا.

فَقلت لصديقي: إِنَّه لم تبْق معي نَفَقَة، وَلَا فيّ فضل لِلْخُرُوجِ إِلَى مصر، فَأَعْطَانِي من نَفَقَته.

وَقد كَانَ صديقي تقلد من قبل الْعَامِل عملا جَلِيلًا، وَخرج إِلَيْهِ، وأقمت أَنا بنصيبين، وَأقَام الْعَامِل بهَا؛ ليصلح أمره وَيخرج إِلَى مصر، وعملت أَنا على أَن أتحمل بِمَا أعطانيه صديقي، وأرجع إِلَى بَغْدَاد.

فغلب عَليّ ضيق الصَّدْر والهم، واستدعيت المزين ليصلح شعري، فَهُوَ بَين يَدي، إِذْ دخل عَليّ غُلَام الْعَامِل، فَقَالَ: صَاحِبي يطلبك، وَقد قلبنا عَلَيْك الدُّنْيَا مُنْذُ أمس، فَلم نَعْرِف مَنْزِلك إِلَى السَّاعَة.

ففرغت من شغلي مَعَ المزين، وتوضأت، وَركبت، وَكَانَ يَوْم الْجُمُعَة، فَلَمَّا صرت فِي دَار الْعَامِل؛ لَقِيَنِي غُلَامه، وَكَانَ حَاجِبه، فَقَالَ: نَحن فِي طَلَبك مُنْذُ أمس فَلم تُوجد، وَقد قَامَ الْآن عَن مَجْلِسه، وَأخذ فِي التشاغل بِأَمْر الصَّلَاة، وَلَكِن بكر فِي غَد.

قَالَ: فضعف فِي نَفسِي، وَقلت: إِنَّه مَا أرادني لخير، وعملت على أَن أنحدر تِلْكَ العشية إِلَى بَغْدَاد.

فَلم يدعني غلامي، وَقَالَ: أقل مَا فِي الْأَمر، أَن يكون الرجل قد تذمم من

اتباعك إِيَّاه إِلَى هَهُنَا، فيطلق لَك نَفَقَة، وَنحن مضيقون.

فَعلمت أَن الصَّوَاب فِي لِقَائِه، فأقمت وبكرت من غَد، فَدخلت إِلَيْهِ، فعاتبني على انقطاعي عَنهُ.

وَقَالَ: أَنا مفكر فِي أَمرك، وَقد غمني طول تعطلك، مَعَ قصدك إيَّايَ من بَغْدَاد، ومسيرك معي إِلَى هَهُنَا، ثمَّ الْتفت إِلَى كَاتب بَين يَدَيْهِ، فَقَالَ: أكتب لَهُ كتاب التَّقْلِيد؛ للإشراف على الضّيَاع بديار مُضر، وَأحل النَّفَقَة على الثغور الجزرية، واستقبل برزقه، وَهُوَ مائَة وَخَمْسُونَ دِينَارا، فِي كل شهر، الْوَقْت الَّذِي جَاءَنَا فِيهِ إِلَى الْموصل.

قَالَ: فشكرته، واضطربت من قلَّة الرزق.

فَقَالَ: اقبل هَذَا وَلَا تخالفني، إِلَى أَن يسهل الله، جلت عَظمته، غَيره، فَقُمْت مفكرا، من أَيْن أصلح أَمْرِي، وأتحمل إِلَى الْعَمَل، وَأنْفق إِلَى أَن أصل إِلَيْهِ؟ قَالَ: فَمَا خرجت من الدَّار حَتَّى ردني، فَقَالَ: بِالْبَابِ قوم يحْتَاج إِلَى إثباتهم، فاجلس وأثبتهم، وَعمل لَهُم جرائد بِأَسْمَائِهِمْ وحلاهم وأرزاقهم واستقبالاتهم، وجئني بهَا.

فتشاغلت بذلك يَوْمَيْنِ وَثَلَاثَة، وَجئْت بالجرائد، فَلَمَّا وقف عَلَيْهَا أَعْجَبته، وَقَالَ: أرى عَمَلك، عمل فَهِم بالجيش.

فَقلت: مَا عملته قطّ إِلَّا مرّة وَاحِدَة.

فَقَالَ: لم أقل هَذَا؛ لِأَنَّك تقتصر فِي نَفسِي عَن غَيره، وَلَكِن يَنْبَغِي لِلْكَاتِبِ وَالْعَامِل أَن يحسنا كل شَيْء يَقع عَلَيْهِ اسْم كِتَابَة وعمالة.

ثمَّ قَالَ: خُذ هَذَا الصَّك، واقبض مَا فِيهِ من الجهبذ، واجلس فِي الْمَسْجِد لداري، وَأنْفق فِي الصِّنْف الْفُلَانِيّ من أهل هَذِه الجريدة.

قَالَ: فَأخذت الصَّك، وَكَانَ بألوف دَنَانِير، فَأخذت مَاله، وأنفقت فِي الْقَوْم، وَتَفَرَّقُوا وهم شاكرون، وَفضل مَال من ذَلِك، وكتبت إِلَيْهِ بِخَبَرِهِ، واستأمرته فِيمَا أعمل بِهِ.

فَقَالَ: خُذْهُ من رزقك.

وَأَعْطَانِي مَالا ثَانِيًا، وَقَالَ: أنفقهُ فِي الصِّنْف الآخر، إِلَى أَن أنفقت فِي جَمِيع أهل الجريدة، فَحصل لي من ذَلِك زِيَادَة على ألف دِينَار، فجعلتها فِي طريقي لنفقتي.

وشخصت قبله إِلَى ديار مُضر، فَنَظَرت فِي الْعَمَل، وَسَار هُوَ مجتازا إِلَى مصر.

واستأذنته فِي الْمسير إِلَيْهَا مَعَه، فَقَالَ: لَا أحب أَن أعجل لَك الصّرْف، وَنحن نمضي إِلَى أَعمال فِيهَا قوم، ولعلي أَقف من حَالهم على مَا لَا يجوز مَعَه صرفهم، فَتحصل أَنْت على الصّرْف الْمُعَجل، وَلَكِن أقِم بمكانك وعملك، وأسير أَنا، فَإِن احتجتُ إِلَى متصرفين، كنتَ أول من استدعيته.

فشكرته، وأقمت فِي عَمَلي سنتَيْن، أثريت فيهمَا، وعظمت حَالي، وَلم يتَّفق استدعاؤه إيَّايَ إِلَى مصر، إِلَى أَن صرفت وانسللت من الرقة، وَدخلت بَغْدَاد موفرا، وَمَعِي مَال جليل، فابتعت بِهِ ضَيْعَة، ولزمتها، وَتركت التَّصَرُّف.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.