تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة

وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن بعض إخوانه، أَحْسبهُ أَبَا يُوسُف يَعْقُوب بن بَيَان، أَنه قَالَ: أملق بعض الْكتاب فِي أَيَّام الرشيد حَتَّى أفْضى إِلَى بيع أنقاض دَاره، وَنقض مَا فِيهَا، فَلم يبْق فِيهَا إِلَّا بَيْتا وَاحِدًا، كَانَ يأوي إِلَيْهِ وَولده، وَانْقطع عَن النَّاس، وانقطعوا عَنهُ دهرا.

وَكَانَ الرشيد يولي على أذربيجان فِي كل سنتَيْن، أَو ثَلَاثَة، رجلا من بني هَاشم.

فولاها سنة من السنين رجلا مِنْهُم كَانَ متعطلا، فَطلب كَاتبا فارها يصطنعه، وشاور فِيهِ صديقا لَهُ من الْكتاب، فوصف لَهُ هَذَا الرجل المتعطل، ووعده بإحضاره، وَصَارَ إِلَيْهِ، وطرق الْبَاب عَلَيْهِ، وَدخل، فَوَجَدَهُ من الْفقر على الْحَال لَا يتهيأ لَهُ مَعهَا لِقَاء أحد.

فَبعث إِلَيْهِ من منزله بخلعة من ثِيَابه، ودابة، وَغُلَامًا، وبخورا، ودراهم، فَركب مَعَه إِلَى الْهَاشِمِي، فَلَقِيَهُ.

وامتحنه الْهَاشِمِي، فَوَجَدَهُ بارعا فِي صناعته، فاستكتبه، وَقرر جاريه، وَأمر لَهُ بِمَال معجل مَعُونَة لَهُ على سَفَره، وَأمره بِأَن يتقدمه إِلَى أذربيجان.

فَعَاد الرجل إِلَى منزله، وَأصْلح من حَاله، وَخلف نَفَقَة لِعِيَالِهِ، وشخص.

فَلَمَّا بلغ المصروف الْخَبَر؛ رَحل عَن الْبَلَد، وَأخذ غير الطَّرِيق الَّذِي بلغه أَن الْكَاتِب قد سلكها، وَخلف كَاتبه لرفع الْحساب.

فَلَمَّا شَارف كَاتب الْوَالِي النَّاحِيَة؛ خرج إِلَيْهِ كَاتب الْمَعْزُول ولقيه، فَسَأَلَهُ عَن صَاحبه، فَأعلمهُ شخوصه إِلَى مَدِينَة السَّلَام، فَأنْكر ذَلِك.

فَقَالَ لَهُ كَاتب الْمَعْزُول: مل بِنَا إِلَى مَوضِع نجلس فِيهِ ونتحدث، وَترى رَأْيك، فمالا وَنزلا، وَطرح لَهما مَا جلسا عَلَيْهِ.

فَقَالَ: أعزّك الله، لَا تنكر انصراف صَاحِبي، فَإِنَّهُ رجل كَبِير الْمِقْدَار، وَفِي مقَامه إِلَى أَن تصيروا إِلَى الْعَمَل مهانة تلْحقهُ، وَقد خلف قبلي خمسين وَمِائَة ألف دِرْهَم لصاحبك، ودوابا ورقيقا بِقِيمَة ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم، فاقبض ذَلِك، واكتب لنا كتابا بإزاحة علتك، وانفصال مَا بَيْننَا وَبَيْنك، وَنحن ننصب لَك من يرفع الْحساب رفع من لَا يستقصى عَلَيْهِ، وَلَا يعنت.

فَقبل كَاتب الْوَالِي ذَلِك، وركبا، وَقد زَالَ الْخلاف فِيمَا بَينهمَا، وَخرج الْكَاتِب لاحقا بِصَاحِبِهِ، وخلّف من يسلم الْحساب.

واتصل ظَاهر الْخَبَر بالهاشمي الْوَالِي، وَكتب إِلَيْهِ كَاتبه: إِنِّي قد بلغت من الْأَمر مبلغا مرضيا، إِذا وقفت عَلَيْهِ.

فَلَمَّا سَارُوا إِلَى النَّاحِيَة؛ عرف مَا جرى، فَحسن موقعه، وتبرك بالكاتب، وَغلب على قلبه، فكسب مَالا عَظِيما.

فَلَمَّا مَضَت ثَلَاث سِنِين؛ صُرِفَ الْهَاشِمِي بِالرجلِ الَّذِي كَانَ واليا قبله، وَبلغ الْهَاشِمِي الْخَبَر.

فَقَالَ لكَاتبه: مَا الرَّأْي؟ قَالَ: نَفْعل بِهِ مِثْلَمَا فعل بِنَا، وترحل أَنْت، وأقيم أَنا، وَمَعِي مثل مَا أَعْطَانَا، فَأعْطِيه إِيَّاه، وآخذ كِتَابه بانفصال مَا بَيْننَا وَبَينه، وَألْحق بك، فَفعل.

ووافى كَاتب الصَّارِف، الَّذِي كَانَ مَعْرُوفا، فَتَلقاهُ الْكَاتِب فِي الْموضع الَّذِي لقِيه فِيهِ، لما كَانَ معزولا مصروفا، فَسلم عَلَيْهِ، وعدلا فَنزلَا، وَعرض عَلَيْهِ مَا خَلفه صَاحبه لَهُ ولصاحبه، وَسَأَلَهُ قبُول ذَلِك، وَالْكتاب بِمثل مَا كَانَ كتب إِلَى الرشيد، فَامْتنعَ من قبُول ذَلِك، وَكتب لَهُ بانفصال مَا بَينهمَا، إِلَى الرشيد، كتابا وكيدا.

وَقَالَ لَهُ: أَرَاك فَاضلا فطنا، وَأرى صَاحبك عَاقِلا، وَقبُول ذَلِك لَا يكون

مِنْكُمَا مُكَافَأَة؛ بل كَأَنَّهُ بيع وَشِرَاء، وَقد فَكرت فِي أَمر، هُوَ أَنْفَع، لنا وَلكم، من هَذَا.

قَالَ: مَا هُوَ؟ فَقَالَ: أعقد بَين صَاحبك وصاحبي صهرا، وبيني وَبَيْنك صهرا، ونكون إخْوَة وأصدقاء.

فَقَالَ: فعل الله بك وصنع، مَا فِي الدُّنْيَا أكْرم ولَايَة، وَلَا صرفا مِنْك.

فعقدا بَينهمَا الصهرين، وسارا إِلَى مقصدهما، وَدخل الْكَاتِب بَغْدَاد، وَقد حصل الْهَاشِمِي صَاحبه، فَأخْبرهُ الْخَبَر، فَأَحْمَد رَأْيه، وأمضى عقده فِي الْمُصَاهَرَة.

فَصَارَ الْكَاتِب من أَرْبَاب الْأَحْوَال، وَعَاد إِلَى أفضل مَا كَانَ عَلَيْهِ.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.