من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
الفصل الأول في الشعر
قد قسم الناس الشعر خمسة أقسام:
مرقص كقول أبي جعفر طلحة وزير سلطان الأندلس:
والشمس لا تشرب خمر الندىفي الروض إلا من كؤوس الشقيق
ومطر كقول زهير:
تراه إذا ما جئته متهلّلاكأنّك تعطيه الذي أنت سائله
ومقبول كقول طرفة بن العبد:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
ومسموع مما يقام به الوزن دون أن يمجه الطبع كقول ابن المعتز:
سقى المطيرة ذات الظلّ والشجرودير عبدون هطّال من المطر
ومتروك وهو ما كان كلّا على السمع والطبع كقول الشاعر:
تقلقلت بالهمّ الذي قلقل الحشىقلاقل همّ كلّهنّ قلاقل
وقد قسم الناس فنون الشعر إلى عشرة أبواب حسبما بوب أبو تمام في الحماسة، وقال عبد العزيز بن أبي الأصبع الذي وقع لي أن فنون الشعر ثمانية عشر فنا وهي:
غزل ووصف وفخر ومدح وهجاء وعتاب واعتذار وأدب وزهد وخمريات ومراث وبشارة وتهاني ووعيد وتحذير وتحريض وملح، وباب مفرد للسؤال والجواب. ولنذكر إن شاء الله تعالى من ذلك ما تيسر على سبيل الاختصار.
ولنبدأ من ذلك بذكر الغزل المذكر (ابن نباتة):
أأغصان بان ما أرى أم شمائلوأقمار تم ما تضمّ الغلائل
وبيض رقاق أم جفون فواتروسمر دقاق أم قدود قواتل
وتلك نبال أم لحاظ رواشقلها هدف منّي الحشى والمقاتل
بروحي أفدي شادنا قد ألفتهغدوت وبي شغل من الوجد شاغل
أمير جمال والملاح جنودهيجور علينا قدّه وهو عادل
له حاجب عن مقلتي حجب الكرى وناظره الفتّان في القلب عامل
رفعت إليه قصّة الدمع شاكيافوقّع يجري فهو في الخد سائل
شكوت فما ألوي وقلت فما صغىوجدّ بقلبي حبه وهو عازل
طويل التواني دلّه متواترمديد التجنّي وافر الحسن كامل
أطارحه بالنحو يوما تعلّلافيبدو وللإعراب فيه دلائل
ويرفع وصلي وهو مفعول في الهوىوينصب هجري عامدا وهو فاعل
تفقهت في عشقي له مثل ما غداخبيرا بأحكام الخلاف يجادل
فيا مالكي ما ضرّ لو كنت شافعيبوصلك فافعل بي كما أنت فاعل
فإني حنيفي الهوى متحنبلبعشقك لا أصغي وإن قال قائل
كمال الدين بن النبيه:
الله أكبر كلّ الحسن في العربكم تحت لمّة ذا التركي من عجب
صبح الجبين بليل الشعر منعقدّوالخد يجمع بين الماء واللهب
تنفّست عن عبير الراح ريقتهوافترّ مبسمه الشهدي عن حبب
لا في العذيب ولا في بارق غزليبل في جنى فمه أو ريقه الشنب
كأنّه حين يرمي عن حنيتهبدر رمى عن هلال الأفق بالشهب
يا جاذب القوس تقريبا لوجنتهوالهائم الصبّ منها غير مقترب
أليس من نكد الأيام يحرمهافمي ويلثمها سهم من الخشب
من لي بأغيد قاسي القلب مبتسملا عن رضا معرض عني بلا غضب
فكم له في وجود الذنب من سببوليس لي في قيام العذر من سبب
تميل أعطافه تيها بطرّتهكما تميل رماح الخط بالعذب
أشار نحوي وجنح الليل معتكربمعصم بشعاع الكأس مختضب
بكر جلالها أبوها قبل ما جليتفي حجر لدن أو في قشرة العنب
البها زهير:
يعاهدني لا خانني ثم ينكثوأحلف لا كلمته ثم أحنث
وذلك دأبي لا يزال ودأبهفيا معشر العشاق عنّا تحدثوا
أقول له صلني يقول نعم غداويكسر جفنا هازئا بي ويعبث
وما ضرّ بعض الناس لو كان زارنيوكنّا خلونا ساعة نتحدث
أمولاي إنّي في هواك معذّبوحتّام أبقى في الغرام وأمكث
فخذ مرة روحي ترحني ولا أرىأموت مرارا في النهار وأبعث
فإنّي لهذا الضيم منك لحاملومنتظر لطفا من الله يحدث
أعيذك من هذا الجفاء الذي بداخلائقك الحسنى أرقّ وأدمث
تردّد ظن الناس فيّ فأكثرواأحاديث فيها ما يطيب ويخبث
وقد كرمت في الحبّ منّي شمائلويسأل عني من أراد ويبحث
النابلسي:
ما كنت أعلم والضمائر تصدقأن المسامع كالنواظر تعشق
حتى سمعت بذكركم فهويتكموكذاك أسباب المحبّة تعلق
ولقد قنعت من اللقاء بساعةإن لم يكن لي بالدوام تطرّق
قد ينعش العطشان بلّة ريقهويغص بالماء الكثير ويشرق
فعسى عيوني أن ترى لك سيديوجها يكاد الحسن فيه ينطق
أبو الحسين الجزار:
في خده من بقايا اللثم تخميشوبي لتشويش ذاك الصدع تشويش
ظبي من الترك أغنته لواحظهعما حوته من النبل التراكيش
إذا تثنّى فقلب الغصن منكسروإن تبدّى فطرف البدر مدهوش
يا عاذلي إن تكن عن حسن صورتهأعمى فإني عما قلت أطروش
كم ليلة بات يسقيني المدام علىروض له بثياب الغيم ترقيش
والغيث كالجيش يرتج الوجود لهوالبرق رايته والرعد جاويش
في مجلس ضحكت أرجاؤه طربالأنه ببديع الزّهر مفروش
سيدي أبو الفضل بن أبي الوفاء:
ترى متى من فتور اللحظ ينتشطمن قلبه بحبال الشعر مرتبط
قد رقّ لي خصره المضنى فناسبنيفقلت خير الأمور الأنسب الوسط
وقد خفى الردف عني من تثاقلهفقلت هذا على ضعفي هو الشطط
وصدره الرحب قد عانقته سحراوالقلب منبعث الآمال منبسط
وفيه تلك النهود المشتهاة ترىرمانها فيه قلبي أمره فرط
إنّ الصواب لتعجيل السرور فقمقبل الفوات فأوقات الهنا غلط
القاضي مجد الدين بن مكانس:
أهدى تحيته وجاد بوعدهأفديه من قمر بدا في سعده
بدر جرى ماء الحياة بثغرهوتردّدت فضلاته في خدّه
أسكنته قلبي فأوقد خدّهنيران أحشائي عليه ووجده
من لي به حلو الشمائل أهيفروت العوالي عن مثقف قدّه
يا عاذلي في حبّه لو أبصرتعيناك فوق الردف مسبل جعده
لعذرت كلّ متيم في حبّهوعلمت أن ضلاله في رشده
فو حق موتي في هواه صبابةوحياة مبسمه الشهي وبرده
ما جاد غيث الدمع إلا عن هوىخلع القلوب ببرقه وبرعده
قم يا رسول وأبلغ العشاق ماألقاه من جور الحبيب وبعده
وإذا سألتك أن تؤدّي في الهوىخبري فصف فعل الغرام وأبده
عز الدين الموصلي:
والصحيح أن هذه الأبيات لابن نباتة لأنها في ديوانه:
نفس عن الحب ما أغفت وما غفلتبأي ذنب وقاك الله قد قتلت
دعها ومدمعها الجاري لقد لقيتما قدّمت من أسى قلبي وما عملت
أفديك من ناشط الأجفان في تلفيوالسحر يوهم لي أنها كسلت
وأوضح الحسن لو شاءت ذوائبهفي الأفق وصل دجا الظلماء لاتصلت
معسّل بنعاس في لواحظهأما تراها إلى كل القلوب حلت
من لي بألحاظ ظبي يدّعي كسلاوكم ثياب ضنى حاكت وكم غزلت
وحمرة فوق خدّيه ومرشفههذي محاسنها تزهو وذي ذبلت
أما كفاني تكحيل الجفون أسىحتى المراشف منه باللمى كحلت
أستودع الله أعطافا شوت كبديوكلما رمت تجديد الوصال قلت
ومهجة لي كم ألقت بمسمعهاإلى الملام ولا والله ما قبلت
غيره للفاضل:
شرخ الشباب بحبكم أفنيتهوالعمر في كلف بكم قضّيته
وأنا الذي لو مرّ بي من نحوكمداع وكنت بحفرتي لبّيته
كيف التعرّض للسلو وحبّكمحبّ بأيام الشباب شريته
لله داء في الفؤاد أجنّهيزداد نكسا كلّما دوايته
قالوا حبيبك في التجنّي مسرفقاس على العشاق قلت فديته
أأروم من كلفي عليه تخلصّالا والذي بطحاء مكة بيته
ولو استطعت بكل إسم في الورىمن لذّة الذكرى به سميته
وللشيخ بدر الدين الدماميني:
سلّ سيفا من الجفون صقيلامذ تصدى جلاه رحت قتيلا
صح عن جفنه حديث فتوروهو ما زال من قديم عليلا
مرّ أبدى لنا من الخصر ردفافأرانا مع الخفيف ثقيلا
ذو قوام كأنّه الغصن لكنبالهوى نحو وصلنا لن يميلا
فكامل الحسن وافر ظل وجديفيه يا عاذلي مديدا طويلا
فاتك الجفن ذو الجمال كثيرأتلف العاشقين إلّا قليلا
قلت إذ لاح طرفه ولماهفاتر اللحظ بكرة وأصيلا
كيف حالي وهل لصب إليهمن سبيل فقال لي سل سبيلا
وقال آخر:
لو أنّ قلبك لي يرق ويرحمما بتّ من ألم الجوى أتألم
ومن العجائب أنّني لا سهم ليمن ناظريك وفي فؤادي أسهم
يا جامع الضدين في وجناتهماء يرق عليه نار تضرم
عجبي لطرفك وهو ماض لم يزلفعلام يكسر عندما تتكلم
ومن المروءة أن تواصل مدنفاوالدهر سمح والحوادث نوّم
وقال آخر:
تصدّق بوعد إنّ دمعي سائلوزوّد فؤادي نظرة فهو راحل
فخدّك موجود به التبر دائماوحسنك معدوم لديه المماثل
أيا قمرا من شمس طلعة وجههوظل عذاريه الدّجى والأصائل
تنقّلت من طرف مع القلب والهوىوهاتيك للبدر المنير منازل
جعلتك للتمييز نصبا لخاطريفهلّا رفعت الهجر والهجر فاعل
وقال ابن صابر:
قبّلت وجنته فألفت جيدهخجلا ومال بعطفه الميّاس
فانهلّ من خديه فوق عذارهعرق يحاكي الطلّ فوق الآس
فكأنّني استقطرت ورد خدودهبتصاعد الزفرات من أنفاسي
وقال آخر:
وغزال كل من شبّههبهلال أو ببدر ظلمه
قال إذا قبّلت وهما فمهقد تعدّيت وأسرفت فمه
وقال آخر:
بأبي غلام لست غير غلامهمذ جاد لي بسلامه وكلامه
ذو حاجب ما إن رأيت كنونهأبدا وصدغ ما رأيت كلامه
وقال جمال الدين بن مطروح:
ذكر الحمى فصبا وكان قد ارعوىصب على عرش الغرام قد استوى
تجري مدامعه ويخفق قلبهمهما جرى ذكر العقيق مع اللوى
وإذا تألّق بارق من بارقفهناك ينشر من هواه ما انطوى
فخذوا أحاديث الهوى عن صادقما ضلّ في شرع الغرام وما غوى
وبمهجتي رشأ أطالت عذّليفيه الملام وقد حوى ما قد حوى
قالوا أفيه سوى رشاقة قدّهوفتور عينيه وهل موتي سوى
ما أبصرته الشمس إلّا واكتستخجلا ولا غصن النقا إلّا التوى
يروي الأراك محاسنا عن ثغرهيا طيب ما نقل الأراك وما روى
وقال آخر:
عبث النسيم بقدّه فتأوداوسرى الحياء بخده فتوّردا
رشأ تفرّد فيه قلبي بالهوىلما غدا بجماله متفردا
قاسوه بالغصن الرطيب جهالةتالله قد ظلم المشبّه واعتدى
حسن الغصون إذا اكتست أوراقهاوتراه أحسن ما يكون مجردا
وقال غيره:
يا حسنا مالك لم تحسنإلى قلوب في الهوى متعبة
رقّمت بالورد وبالسوسنصفحة خد بالسنا مذهبّة
وقد أبى خدك أن أجتنيمنه وقد ألسعني عقربه
يا حسنه إذ قال ما أحسنيويا لذاك اللفظ ما أعذبه
قلت له كلّك عندي سناوكل ألفاظك مستعذبه
ففوّق السهم ولم يخطنيومذ رآني ميّتا أعجبه
وقال كم من عاشق أحبّنيوحبه إياي قد أتعبه
يرحمه الله على أننيقتلي له لم أدر ما أوجبه
وقال آخر:
مليح يغار الغصن عند اهتزازهويخجل بدر التمّ عند شروقه
فما فيه معنى ناقص غير خصرهوما فيه شيء بارد غير ريقه
وقال يحيى بن أكثم:
دنا هاجري نحوي بمقلته الكحلافلما رأى ذلّي ثنى عطفه دلّا
فتيّمني شوقا وأنحلني أسىوأفقدني صبرا وأعدمني عقلا
شكوت فما ألوى وولّى وما لوىوأعرض مزورّا فسلّ الحشى سلا
إذا ما دعاه فرط سقمي لزورةيناديه فرط العجب من عطفه كلّا
وقال أيضا:
بأبي غزالا غازلته مقلتيبين العذيب وبين شطي بارق
وسألت منه زورة تشفي الجوىفأجابني عنها بوعد صادق
بتنا ونحن من الدجا في خيمةومن النجوم الزهر تحت سرادق
عاطيته والليل يسحب ذيلهصهباء كالمسك الذكي لناشق
وضممته ضمّ الكميّ لسيفهوذؤابتاه حمائل في عاتقي
حتى إذا مالت به سنة الكرىزحزحته عني وكان معانقي
أبعدته عن أضلع تشتاقهكي لا ينام على فراش خافق
لما رأيت الليل آخر عمرهقد شاب في لمم له ومفارق
ودّعت من أهوى وقلت تأسّفاصعب عليّ بأن أراك مفارقي
وقال ابن نباتة:
بدا ورنت لواحظه دلالافما أبهى الغزالة والغزالا
وأسفر عن سنا قمر منيرولكن قد وجدت به الضلالا
صقيل الخد أبصر من رآهسواد العين فيه فخال خالا
وممنوع الوصال إذا تبدّىوجدت له من الألفاط لالا
عجبت لثغره البسّام أبدىلنا درّا وقد سكن الزّلالا
شهدت بشهد ريقته لأنّيرأيت على سوالفه نمالا
فيا عجبا لحسن قد حواهوقد أهدى إلى قلبي الوبالا
سأشكو الحسن ما بقيت حياتيوأشكر من صنائعه الجمالا
القاضي فخر الدين بن مكانس:
يا غصنا في الرياض مالاحملتني في هواك مالا
يا رائحا بعد أن سبانيحسبك ربّ السمّا تعالى
وله أيضا:
أجارك الله قد رثت ليممّا ألاقي عدا وحسد
وعاذلي مذ رأى ضلوعيتعدّ سقما بكى وعدّد
ابن رفاعة:
يقولون هل منّ الحبيب بزورةومنّاكم المطلوب قلنا لهم منّا
فقالوا لنا غوصوا على قدّه ومايحاكي إذا ما اهتز قلنا لهم غصنا
الشيخ برهان الدين القيراطي:
ووردي خدّ نرجسيّ لواحظمشايخ علم السحر عن لحظه رووا
وواوت صدغيه حكين عقاربامن المسك فوق الجلّنار قد التووا
ووجنته الحمرا تلوح كجمرةعليها قلوب العاشقين قد اكتووا
ودي له باق ولست بسامعلقول حسود والعواذل إذ عووا
ووالله ما أسلو ولو صرت رمّةفكيف وأحشائي على حبّه انطووا
وللشيخ برهان الدين القيراطي أيضا:
شبّه السيف والسنان بعينيمن لقتلي بين الأنام استحلّا
فأبى السيف والسّنان وقالاحدّنا دون ذاك حاشى وكلّا
وله أيضا:
بأبي أهيف المعاطف لدنحسد الأسمر المثقف قدّه
ذو جفون مذ رمت منها كلاماكلّمتني سيوفهنّ محدّه
وقال آخر:
تملّك رقّي شادن قد هويتهمن الهند معسول اللمى أهيف القد
أقول لصحبي حين يرنو بطرفهخذوا حذركم قد سلّ صارمه الهندي
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع