من «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب القول في الرءوس صغارها وكبارها
وممّن يضاف إلى صغر الرأس ويعاب بذلك: سنان بن سلمة الهذلي، وهو الذي قال له ابن راشد الجديديّ: «والله ما أنت بعظيم الرأس فتكون سيّدا، وما أنت بأرسح فتكون فارسا».
ومنهم: عمر بن هبيرة الفزاري، قالوا: كان يلقّب رأس العصا ولذلك قال الشاعر:
[من مبلغ رأس العصا أن بينناضغائن لا تنسى وإن قدم الدهر]
ومنهم: عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث.
ومنهم: إفريقيّ هرثمة قدم به هرثمة. [وكان] ينظر في الأكتاف ويتكهّن.
والنّظر في الأكتاف شبيه بالنّظر في أسرار الكف، وفي قرض الفأر، وفي الخيلان. ولكلّ صنف من هذه الأبواب صنف من الناس يدّعون أن فيه علما.
وخبّرني بكر بن الأشقر صاحب خمس بني تميم بالبصرة، وكان أبو زيد جارا له ببغداد، قال: لم يزل يقول: لا يموت هرثمة
حتّى يهزم جيش المبيّضة.
قال مسكين الدارميّ في عظم رءوس بني تميم:
وإنّا أناسن تملأ البيض هامناونحن حواريّون حين نزاحف
المعلّي، عن جويبر، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: لا أزال أحبّ بني تميم لثلاث سمعتها من رسول الله ﷺ، جاء سبي بني العنبر، وكان على عائشة رقبة من ولد
إسماعيل، فقال النبيّ ﵇: «إن أردت أن تعتقي من ولد إسماعيل فهذا من ولد إسماعيل ». وجاءت صدقة بني تميم فقال رسول الله:
«هذه صدقة قومي» وسمعته يقول: «ضخم الهام، رجع الأحلام، وأشدّ الناس على الدّجّال في آخر الزمان».
عبد الوارث، عن أيّوب، عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵇: «الصّورة الرأس، فإذا ذهب الرّأس فلا صورة».
عبيد الله بن موسى، عن ابن أبي ليلى، عن عطيّة، عن أبي سعيد قال: «رأى رسول الله ﵇ حمارا موسوما في وجهه، فكره ذلك وقال فيه قولا شديد».
قالوا: وكان أوّل من اجتنب الوسم في الوجه العبّاس، وكان أوّل من وسم الحمار على جاعرتيه وقال العبلي في رأس عتبة بن ربيعة حين طلبوا لرأسه بيضة تسعه في ذلك العسكر:
وقد عجزت عن رأسه كلّ بيضةأتوه بها والقوم دلم شواحب
وقال ابن عنمة الضّبّي:
لعمرك ما غيظ بأشباه صائدولا شاكهت ألوانهم للجعاثم
ولكنّما غيظ إذا ما لقيتهمسناط وصلع أو عظام الجماجم
وقال الخريميّ يصف رءوس أهل خراسان في كلمته التي يقول فيها:
والشّرق يرميهم بأرواقهبجحفل يأوي إلي جحفل
من كلّ مفطوح صليف القفامستأسد كاللّبوة المشبل
وقال آخر في تعظيم شأن الرّأس العظيم:
ودّ نقير الكباس أنّهبنجران في شاء الحجاز الموقّر
أسعيا إلى نجران في شهر ناجروأعيا عليه كلّ أعيس مشقر
وصرت لهم عينى بيوم حربهكأنّهم تدبيج شاء معفّر
عمدتم إلى سلو تنوذر قبلكمكبير عظام الرّأس ضخم المذمّر
وقال آخر:
يقول [لي] الأمير بغير نصحتقدّم، حين جدّ به المراس
فمالي إن أطعتك من حياةومالي بعد هذا الرأس راس
وقال آخر وقدّمه قائد في الحرب، فأبى وقال:
ألا لا تلمني يا ابن صوحان إنّنيأخاف على فخّارتى أن تحطّما
فلو أنّني أبتاع في السّوق مثلهامتى شئت، ما باليت أن أتقدّما
ومنهم: ذو الرّأسين، جدّ شوّال بن المرقّع بن ذي الرّأسين.
وقال الشاعر:
أما لابن ذي الرأسين مجد مقوّموسيف إذا مسّ الكريهة يقطع
وكنا نتعجّب من حسن قوله:
منّا الكواهل والأعناق تقدمهافيها اللّسان وفيها السمع والبصر
فلما سمعنا قول الآخر:
لا تقبروني إنّ قبري محرمعليكم ولكن أبشري أمّ عامر
إذا ضربوا رأسي وفي الرأس أكثريوغودر عند الملتقى ثمّ سائري
هنالك لا أبغي حياة تسرّنيسمير اللّيالي مسلما بالجرائر
رأيناه عاليا على كلّ ما جاء في هذا الباب من الشعر، فقال في ذلك بلعاء بن قيس:
كالرّأس مرتفع فيه مشاعرهيهدي السّبيل له سمع وعينان
قال: وكان رأس هشام بن عبد الملك صغيرا، ولذلك قال الفرزدق حين مدحه فلم يعط إلّا خمسمائة درهم:
وقبّلت رأسا لم يكن رأس سيّدوكفّا ككفّ الكلب بل هي أحقر
ومما يدخل في هذا الباب وإن لم يكن في ذكر الرأس قول الآخر:
دعا ابن مطيع للبياع فجئتهإلى بيعة قلبي لها غير عارف
فناولني خشناء لمّا لمستهابكفّي ليست من أكفّ الخلائف
وضخم الرّأس في المرأة أحمد، وعلى حسب ذلك يكون صغرا رأسها في القبح.
ورأس الرجل وإن كان العظم ممدوحا فإنّ للعظم غاية إذا جاوزها الرأس عاد ذلك إلى فساد. وضخم الثّدي في غير تبدّد محمود في المرأة، قال المرّار بن منقذ:
صلتة الخدّ طويل جيدهاضخمة الثّدي ولمّا ينكسر
جعدة فرعاء في جمجمةضخمة يفرق عنها كالضّفر
ودخل مالك الأشتر على علي بن أبي طالب في صبيحة عرسه ببعض نسائه، فقال: كيف رأى أمير المؤمنين أهله؟ قال: كالخير من امرأة جبّاء قبّاء. قال: وهل يريد الرجال من النساء غير ذلك؟ لا، حتّى تدفىء الضّجيع، وتروي الرّضيع.
وقد سمعت رجالا من أهل البيان يستحسنون هذا الكلام جدّا.
وربّ جنس من الحيوان يكون عظم الرأس فيه أحمد، وذلك كالجمل ولذلك قال ذو الرمة:
ورأس كقبر المرء من آل تبّع
فأمّا البقر فصغر الرّأس فيها أحمد.
ولمّا هجا أبا موسى رجل من العرب فقال له: أنت بالبقر أبصر منك بالخيل! فقال أبو موسى: لئن قلت ذلك إنّي لعالم بها؛ إذا أردتها غزيرة فعليك بها ضخمة الجوف، صغيرة الرّأس، دقيقة القرن.
قال الكميت بن معروف:
إنّا إذا اجتمع النّفير لمجمعينفي الأقلّ به العزيز الأكثر
يحمي حقيقتنا ويدرك حقّنارأس إذا اجتمع الجماجم مجهر
وإذا عزّت القبيلة وقهرت القبائل فهي رأس، كذلك تسمّى، ولذلك قال عمرو بن كلثوم:
برأس من بني جشم بن بكرندقّ به السّهولة والحزونا
قال: وقيل لأعرابي: إنّك لتكثر لبس العمامة! قال: إنّ شيئا فيه السّمع والبصر لجديد بأن يوقى الحرّ والقرّ! وقال نصيب أبو الحجناء:
الحمد لله، أمّا بعد يا عمرفقد أتتك بنا الحاجات والقدر
وأنت رأس قريش وابن سيّدهاوالرأس فيه يكون السمع والبصر
وقال الشاعر:
قلوص الظّلامة من وائلترذّ إلى الحارث الأضجم
وقال لقيط بن زرارة، أو حاجب بن زرارة:
قتلت به خير الضّبيعات كلّهاضبيعة قيس لا ضبيعة أضجما
وكان ابن مارية أقصم أثرم، وهو الملك الذي مدحه الحارث بن حلّزة فقال:
فإلى ابن مارية الجواد، وهلشروى أبي حسّان في الإنس
ولذلك قال الحارث بن حلزة:
فهلّا سعيت لصلح الصديقكسعي ابن مارية الأقصم
قال الشاعر:
وجه مليح ولسان أبكمومشفر [لا] يتوارى أضجم
قال: ومن الثّرم: ذو الإصبع العدواني، وهو الذي يقول:
لا يبعدن عهد الشّباب ولالذّاته ونباته النّضر
والمرشقات من الخدور كإيماض الغمام صواحب القطر
لولا أولئك ما حفلت متىعوليت من حرج إلى قبر
هزئت أثيلة أن رأت ثرمىوأن انحنى لتقادم ظهري
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع