من «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب القول في الأيمن والأعسر والأضبط وفي كلّ أعسر يسر
قال الأعسر: من العسر: يزيد بن حذيفة الأعيسر، وهو الذي كان أسر الهذيل التغلبي في الجاهليّة من ولده سعر بن يزيد، وكان رأس بني تميم. وابنه مجّاعة بن سعر، وكان من وجوه بني تميم.
وقد ولي الولايات، وقاد الجيوش.
ومن العسر: حابس بن خبيس الأعسر الأزرقيّ، وهو القائل:
واعسر في الحرب ذي تدرءإذا الحرب ألقت لها كلكلا
تهكّم فيها على قرنهولم يرعنها له معدلا
فلست أبالي إذا ما قتلت كبش الكتيبة أن أقتلا
ومن العسر: زهير بن عمرو بن معاوية الضّبابي، كان أوّل من خرج على أبي الجون ولقيط وحاجب ابني زرارة، وعلى ذلك الجيش أجمع يوم شعب جبلة، وهو قابض بيمينه على ذنب فحل أعور، وقابض بيساره على السّيف صلتا وهو يقول:
أنا الغلام الأعسروالخير فيّ والشّرّ
والشّرّ فيّ أكثر
فقال: حاربنى أعسر، وذوناب أعور، ارجعوا يا بني أسد! فكان
ذلك أوّل هزيمتهم.
قال: ومن العسر: زهير بن مسعود بن سلمى الشاعر الضّبّي، وكذلك كان يدعى.
ومن العسر: كردوية الأقطع رئيس بطارقة سندان وتكاكرة الفتيان، فكان يضرب بيده اليسرى على عادته الأولى، ولم يضرب احدا إلّا حطمه، وكان إذا ضرب قتل، فإن لم يصب بعموده الضّربة سقط، لأنّ جناحه الآخر كان مقطوعا.
وكان محمد بن يزيد مولى المهالبة، أشدّ الناس في فتنة سندان، له في كلّ يوم يكون فيه حرب أسير يأخذه من صفّ عدوّه عنوة أخذيد،
فيضجعه ويذبحه والناس ينظرون إليه، فشدّ عليه كردوية ذات يوم، وثبت له محمد بن يزيد، فاختلفا ضربتين، فضربه كردوية ضربة خرّمنها ميّتا لم يفحص برجل، ولم يتحرك له عرق.
وكان كردويه مع فتكه وإقدامه يتشيّع، فكان لا يبدأ بقتال حتى يبتدأ.
قال: وممّا جاء في الشعر من المثل بضرب الأعسر ورميه من قول الشاعر:
كأنّ الحصى من خلفها وأمامهاإذا نجلته رجلها خذف أعسرا
وقال شمّاخ بن ضرار:
لها منسم مثل المحارة خفّهكأنّ الحصى من خلفه خذف أعسرا
وقال مزرّد بن ضرار في ضيف له شرب عسّا من لبن، فوصف خفّته على يديه وسرعة إهوائه به إلى فيه:
فواجهه جذلان حتّى أمرّهبيسرى يديه كالشّمال المخاطر
وأنشد في صفة الفرس:
فبات يغنّي في الخليج كأنّهكميت مدمّى أصبح اللّون أقرح
والخليج: المقود المفتول شزرا، وهو ما يفتل على العسراء. ومن الفتل: القبيل والدّبير.
وكذلك قوله:
نطعنهم سلكى ومخلوجةلفتك لأمين على نابل
طعن على الاستقامة، وعلى العسراء.
ووصف الآخر صقرا له ينقضّ ويضرب بمخلبه فقال:
حتّى انتحى كالنبطيّ الأعسرقال وليس الولد إلّا من البيضة اليسرى
قالوا: ولذلك قال الجارود بن أبي سبرة الهذليّ في شماتته ببلال بن أبي بردة حين عذّب:
يقرّ بعيني أنّ ساقيه دقّتاوأنّ قوى الأوتار في البيضة اليسرى
قالوا: فأمّا النّفس من المنخرين جميعا فإنّه مقسّم بالسّاعات عليها بأعدل قسمة، فإن الإنسان ليس يتنفّس في كل حالاته من المنخرين جميعا، إلّا أن يستكره ذلك. فأمّا إذا ترك الطّبيعة وسومها وسجيّتها فإنّها تدفع النّفس وبخار الجوف، وتجلب روح النّسيم ساعة من الأيمن وساعة من الأيسر. وقال جهيل اليشكري يصف تعاقب عيني الذئب إذا قسم الحراسة بينهما إذا نام:
وأعور من يمناه ما شاء مرّةوإن شاء من يسراه ما كان راقدا
لقد فزت دون العور أوس برتبةفأعطيت نابا يفلق الصّخر حاردا
وقال حميد بن ثور في صفة نوم الذئب:
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقيبأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
فلم يرض بما قال حميد حتى قسم بينهما الحراسة على السّواء.
وحميد إنّما قال هذا على سبيل المثل لا على التحقيق.
قالوا: والسّباع هي الظاهرة عليها والآكلة لها. وكانت البهائم هي المغلوبة والمأكولة. وفي القياس أن الصائد أرفع من الصّيد.
والسّباع عسر. والدّليل على ذلك أن سيّد السباع ورئيسها، وهو الأسد، كذلك، [و] كلّ شيء صوّر على صورته، وحمل على تركيبه. ولو تفقدتم ذلك من سنانير البيوت، والدّور لوجدتموها عسرا.
ويدلّ على ذلك قول أبي زبيد الطائي، وكان بأخلاق السّباع، وعادتها عارفا، وقال في صفة الأسد:
فيضرب بالشّمال على حشاهوقد نادى فأخلفه الأنيس
قالوا: وليس الأيمن بيمينه بأشدّ رمية ولا أشدّ ذهابا من الأعسر بيساره.
ورأينا الأيمن يتعلّم الرمي بالعسراء فتكون رميته أشدّ وأسدّ، ولم نر
أعسر قطّ يتعلّم بيمينه الرّمي.
ولو أن إنسانا علّق أوتار العود على العسراء لم يكن في الأرض أيمن يضرب به، ولا يتعاطى ذلك منه ولم يطمع فيه [من] غير أن يغيّر تلك الأوتار.
وقد كان علّويه يتناول العود وأوتاره على اليمين، فيضرب وهو أعسر، من غير أن يغيّره، ضربا يعجز عنه كلّ أيمن في الأرض.
قالوا: ومتى لقي في الحرب رجل أعسر رجلا أيمن مع كل واحد منهما سيف أو عصا كان الأيمن أشدّ هيبة للأعسر من الأعسر للأيمن.
قالوا: وكلّ طفل في الأرض فهو أعسر، لا يختلفون في هذا، حتّى إذا شبّوا افترقوا فصار منهم الأعسر، والأيمن، والأضبط، ومنهم من يصير أعسر يسرا. إلا في إمساك الثّدي فإن الطّفل أكثر ما يمسكه باليمين.
قالوا: كلّ بهيمة في الأرض، وكلّ سبع من ذوات الأربع فإنه إذا ربض لا يربض إلّا على شقّه الأيسر، يتجافى عن الشّق الذي فيه الكبد، لقلة احتمال الكبد للحمل عليها، بلا تعليم ولا تلقين، ولكن بإلهام خالقها،
وبتعريفه لها مصالحها، فسبحانه.
ومن ذلك قول إسحاق بن دينارويه المتطّبب لابن عبد الملك:
حاجتي أن ترفع المتّكأ عن يمينك، وتخرج العدس من مطبخك.
قالوا: لو هرب هارب من حرب أو سبع أو ما أشبه ذلك، وقد ترك نفسه على سومها ولم يستكرهها على غير سجيّتها، فإنّ ذلك الهارب لا يوجد إلّا في الشّق الأيسر، إلّا أن يخرج لسانه، فإنه إن أخرجه من حاقّ وهل الجنان، أو من حاقّ الجدّ والاجتهاد، فإنّه يعدل به إلى يمينه عن شماله.
وكذلك الثّور إذا هرب من الكلاب. ولذلك قال عبدة بن الطّبيب:
[مستقبل الرّيح يهفو] وهو مبتركلسانه عن شمال الشّدق معدول
وأنشد الأصمعيّ لبعض الشعراء، وهو يمدح قوما بخلاف أخلاق الهرب:
إذا فزعوا لم يأخذوا عن شمالهمولم يمسكوا فوق القلوب الخوافق
ومن النساء نساء يعملن كل شيء بأيمانهنّ غير النّقاب وغير ضرب الدّفّ.
قالوا: ومن العرب قبائل تدير الكأس عن اليسار، منهم باهلة بن أعصر. وقد قال الشاعر:
وباهل لا تسقي على اليمن كأسهاسقاها من المهل المذاب مليكها
وقد قال الشاعر في النساء اللّواتي يلبسن الثياب باليسار واليمين:
يلثن الخزّ ميمنة ويسرىبغيلات أناملها طفول
وشدّت الذّئاب على غنم ناس عسر يرمون عن أشملهم، فقال في ذلك قائلهم:
الحمد لله الذي أرضانبمقتل السّرحان بعد السّرحان
ما صبّها على شياه العسرانيرمون بالأشمل قبل الأيمان
وعن عمرو بن جميع عن ليث بن أبي سليم قال: قال علي بن أبي طالب: اللّحم من اللّحم، فمن لم يأكل اللّحم أربعين يوما ساء خلقه، ومن ساء خلقه فأذّنوا في أذنه اليمنى». قالوا: ولم يقل في اليسرى.
قالوا: وأنتم لا ترضون إلّا بالتفضيل، ولا من التفصيل إلّا بالإفراط، والروايات المأثورة، والأخبار الصحيحة، والأحكام المستعملة، تردّ عليكم مذتبيّن نكر مقالتكم.
روى يزيد بن هارون عن حميد عن أنس قال: «بصر النبيّ ﷺ بنخامة في المسجد فحكّها ثم قال: إنّ أحدكم إذا كان يصلّي استقبلته الرّحمة، وكان ربّه بينه وبين القبلة، فلا يبزقنّ أمامه ولا عن يمينه ولا عن يساره، يفعل هكذا» ثم بصق في ثوبه وردّ بعضه على بعض.
قالوا: فلم نر النبيّ ﵇ قدّم يدا على يد، ورأيناه قد ساوى بينهما.
وأبو معاوية عن الأعمس، عن إبراهيم قال: قال عبد الله:
«لا يجعلنّ أحدكم الشيطان من صلاته جزءا: أن لا يرى أنّ حتما عليه ألّا ينصرف إلّا عن يمينه، فقد رأيت رسول الله ﵇ أكثر ما ينصرف عن يساره».
وهذا الحديث أشدّ عليكم من الأوّلين.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنّه «كان يبدأ بالميامن»، فدعا عليّ بالوضوء فبدأ بمياسره وقال: «لأكذّبنّ حديث أبي هريرة» !
قالوا: وجدنا ديات الأيدي والأصابع والأرجل والآذان سواء.
فإن اعتللتم بأنّ الكبد بالشّق الأيمن، والطّحال بالشّقّ الأيسر، وزعمتم أنّ الكبّر أرفع منزلة من الطّحال، فالفؤاد الذي هو سيّد الأعضاء مركّب في الجوف ممّا يلي اليسار دون اليمين. وهذه أيضا فضيلة لليسار على اليمين.
قالوا: ووجدنا فقهاءنا وعوامّنا لا يتختّمون إلّا في اليسار، ومعاينة الخواتيم في الأصابع ليس للخاصّة فيه فضل على العامة، فنحن لا ندع هذا الأمر الظاهر للرّواية الشاذّة.
وروى المعلّى، عن أبي بكر بن عيّاش، عن أبي إسحاق، عن صلة أو يحيى بن جارية، عن عمار بن ياسر قال:
«رأيت النبي ﵇ عن يمينه ويساره» فقد سوّى بينهما.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع