تجاوز إلى المحتوى

من «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب ما جاء في فضل الأيمن على الأيسر

قال الأيمن: الناس كلّهم يقتسمون في هذا الباب على أربعة أقسام:

أيمن، وهو الذي يكون أكثر أعماله بيمينه؛ وأعسر، وهو الذي يكون أكثر أعماله بيساره؛ وأضبط، وهو الذي يعمل بهما جميعا؛ وأعسر يسر، وهو الذي يكون استعماله ليمينه كاستعماله ليساره سواء، وكان عمر بن الخطّاب أعسر يسرا.

الأصمعيّ عن بعض رجاله قال: نظر أعرابيّ إلى عمر ثم قال للناس: «ما رجل رأيته أعسر يسرا، لا يأخذ أحدا إلّا كدس به، إمّا أن يكون خير النّاس أو شرّ الناس».

وقد روى الناس عن الأحنف أنّ عمر كان أعسر يسرا.

وقد جعل النّاس كثيرا الأضبط، مثل عامر بن الأضبط، وهو

الذي قتله محلّم بن جثّامة، أضبط الناس، وجعلوا الأضبط بن قريع كذلك. فإن كان اسمه أضبط فقد بطل دليلهم، إلّا أن يكون له اسم غير الأضبط. وكذلك القول في البيت الذي أنشدوه في الناقة حيث يقول الشاعر:

عذافرة ضبطاء تخدي كأنّهافنيق [غدا يحمي السّوام السّوارحا]
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة

فلعلّه ذهب إلى الضّباطة، إلّا أن تكون الناقة قد كانت تقدّم يدها اليمنى مرّة واليسرى مرّة. وهذا لا يعرف.

وقد قالوا في الفرس الأعسر الذي يغرق البتّة من [بين] جميع الخيّل. وزعموا أنّه إذا مشى قدّم يده اليسرى. فأحسب أنّ الذي ذكروا من ذلك، كما ذكروا لأيّة علّة إذا كان أعسر غرق، ونحن نجد الأعسر من الناس سابحا ماهرا مثل الأيمن، لا ندري ما هذا. إلّا أنّا قد علمنا أنّ من الخيل ما لا يسبح، وهو الذي يسمّونه الأعسر، ليس عندنا إلّا هذا.

وجميع الحيوان إذا سقط في الماء سبح ونجا، إلّا الإنسان، والقرد، والفرس الأعسر. فأما الإنسان فإنّه بالتعليم يصير سابحا. وإما القرد والفرس الأعسر فليس إلى سباحتهما سبيل.

والحيّات تسبح إلا بعض الحيّات فإنّ لها سباحة سوء.

فأمّا العقرب فإنك إذا القيتها في الماء لم ترسب، ولم تطف، ولم تتحرّك، ولكنها تبقى في وسط عمق الماء غير زائلة عن مكانها.

وهذا عجب.

وقد زعم أناس أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص كان أعسر أيسر؛ لأنه كان يقاتل في حرب صفّين [بسيفين] وهذا لا يكون.

وممن كان يتقلّد سيفين في الحرب ولا يضرب بهما معا، بيد ولا بيدين: عبّاس النخشيّ. وأنا رأيت رمحه وكان كلّه من حديد.

وكان الصّفرى الذي قتله ابن زغلول أيّام المبيّضة يتقلّد بسيفين.

وكان الفضل بن سهل يتقلّد بسيفين، يجعلهما كالوشاح.

وقد تقلّد خالد بن الوليد في يوم مؤتة عدّة أسياف، وانقطعت في يده تسعة أسياف.

وكان عمرو بن معد يكرب يقول: عليكم بالنّفح، وإيّاكم والهبر فإنّه يقطع متن السّيف. ولم يكن عمرو أعرف بذلك من خالد.

وقد يستعمل الرجل يديه جميعا في مواضع نحن ذاكروها إن شاء الله.

وقالت امرأة ترثي عمير بن معبد بن زرارة:

أعيني ألا فابكي عمير بن معبدوكان ضروبا باليدين وباليد

يعنى باليد السّيف، ويعنى باليدين القداح.

وقربوا إلى حسّان بن ثابت طعاما بعد أن كفّ بصره فقال لابنه:

«أطعام يد أو يدين» طعام اليد: الثّريد وما أشبه ذلك من الحرير

والعصائد، والحيس، والوطيّة، والأرز، والفالوذج وما أشبه ذلك. وطعام يدين كالشّواء وما أشبه ذلك.

وقال يزيد بن أسيد لغلام له وقد أتوه بأسير: اضرب، ولم يزده على ذلك، فقال الغلام: بيدين أو بيد؟ فقال: بيدين. فضرب عنقه.

فأعتقه يزيد بن أسيد، وزوّجه، وأدناه؛ للذي رأى من فهمه وجودة استفهامه.

وقال الفرزدق في مثل ذلك حين ضرب عنق الروميّ فنباسيفه، فضحك النّاس:

أيعجب النّاس أن أضحكت خيرهمخليفة الله يستسقى به المطر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أيعجب الناس أن أضحكت خيرهم»
ولن يقدّم نفسا قبل ميتتهاجمع اليدين ولا الصّمصامة الذكر

لأنّهم كانوا يفعلون [كذلك] إذا ضربوا الأعناق.

وقالت بنت عتيبة بن مرداس ترثي أباها:

وكان أبى عتيبة شمّريّاولا تلقاه يدّخر النّصيبا
للشاعر آمنة بنت عتيبة، من قصيدة «على مثل ابن مية فانعياه»
ضروب باليدين إذا اشمعلّتعوان الحرب لا ورعا هيوبا

قالوا: كان يلحق الفارس والفارس مستخذله، حتّى يجمع يديه على مقبض سيفه ثم يضربه؛ لأنّ ذلك لا يمكن في نفس المعركة، وعند

المشاولة والمنازلة.

وقالت خرنق بنت هفّان:

لا يبعدن قومي الذين همسمّ العداة وآفة الجزر
للشاعر الخرنق بنت بدر، من قصيدة «لا يبعدن قومي الذين هم»
الضاربين لدى أعنّتهموالطّاعنين وخيلهم تجري
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «إن كنت كارهة معيشتنا»

ولم ترد أنهم يطعنون بالرّماح ويضربون بالسّيوف، ولكنّها فخرت أنّهم كانوا فرسانا، ولم يكونوا رجالا ولا ركبانا.

وحدّثني حسين بن عبيد، وكان من خاصّة أبي السّرايا، قال:

كان أبو السّرايا إذا لحق الفارس لا يضربه بسيفه حتّى يجوزه، ثم يستقبله بضربة.

ويقال: أخذ فلان فلانا باليدين. وقال الشاعر:

وإذا صنعت صنيعة أتممتهابيدين ليس نداهما بمكدّر
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة
وإذا تباع كريمة أو تشترىفسواك بائعها وأنت المشترى
للشاعر عبد الحسين محي الدين، اقرأ القصيدة

وممّا يحفظ مع هذين البيتين وإن لم يكن فيه ذكر اليدين قول الشاعر:

إذا لبسوا عمائمهم وطووهاعلى كرم وإن سفروا أناروا
يبيع ويشتري لهم سواهمولكن بالطّعان هم تجار
إذا ما كنت جار بني خريمفأنت لأكرم الثّقلين جار
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

وقال [رجل من] سليم:

وذي كلب تعادى القوم منهتركت مجدّلا والقوم زور
جمعت له يديّ بذي كعوب... عسه سواء عنّي تطير

فذكر أنّه طعن بيديه جميعا. وهذا عند أهل الحرب اليوم وإنّما هو طعنة رجل، إلّا أن يكون في حال استخذاء من المطعون وقد أمن ما وراء ظهره.

وقد قالوا في معنى قول القائل: «أخذ فلان فلانا باليدين». قال الحارث بن الوليد وكان شاعرا:

ألا أبلغ بني أروى رسولاوما أربي إلى كذب ومين
فإنّي قد طلبت العذر منكمكما طلب البراءة ذو رعين
فلولا الله والإسلام منّيوما قد لفّ بينكم وبيني
رحلتكم بقافية شرودمن الأمثال عينا غير دين
كأنّكم وترككم أخاكموأخذكم المحيّر باليدين
كعاطلة أرادت أن تحلّىفخّيرت الرّصاص على اللّجين

وقال الله جل ثناؤه: (وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ)

، وقال: (وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ)

، ثم وصف الفريقين.

وقال الله ﵎: (وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)

وقال امرؤ القيس:

وقلت يمين الله أبرح قاعداولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي

وقال الشاعر، جميل:

حمراء تامكة السّنام كأنّهاجمل بهودج أهله مظعون
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «حمراء تامكة السنام كأنها»
جادت بها عمر الغداة يمينهكلتا يدي عمر الغداة يمين
ما إن يجود بمثلها في مثلهإلّا كريم الخيم أو مجنون

وقال جبلة بن الأيهم لحسّان بن ثابت: أين أنا من النّعمان بن المنذر؟ قال حسان: «والله لشمالك أندى من يمينه، ولقفاك أحسن من وجهه، ولأمّك خير من أمّه».

وقال عبد الرحمن بن الحكم، في مروان بن الحكم:

فذا العرش غيّر ما بمروان إنّنيأراه بمعروف الخلائق أعسرا

وقال ابن هرمة:

وكنت امرأ لم أبغ بيعه باطلبحقّ ولم آخذ بأيمن أعسرا

وقال الأيمن: تقول العامة: ما يسوى فلان كعبا أعسر، وإنما بنو فلان كعاب عسر. قال الشاعر:

إن كبّر النّاس غنّىوإن تغنّوا يكبّر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «مني إلى المتكبر»
فليس يعدو خلافاإذ قيل خالف لتذكر
خلاف أكشف ذي دارتين في الرأس أعسر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «مني إلى المتكبر»

قالوا: ورأينا في الملوك [و] الأشراف، الحول والزّرق والعرج، وكذلك العلماء. ولم نر عالما قطّ ولا ملكا أعسر.

والأعسر إذا اشتمل بثوبه ومشى فكأنّه مخبّل، ويظهر عند ذلك نقصه والتّشويه، الذي في خلقه. والعسر قبيح بالرّجال، وهو بالمرأة أقبح.

ولم نر أعسر ألّا حائكا أو ساقطا نذلا.

ومرّ الأحنف بعكراش بن ذؤيب وقد كان شهد الجمل فعطبت يداه جميعا، فلمّا مر به الأحنف صاح: يا مخذّل ! [فقال له الأحنف] أما إنّك لو كنت أطعتني لا ستنجيت بشمالك، وأكلت

بيمينك ».

ألا ترى أنّ الشّمال إنّما هي للاستنجاء، والمخاط، والأمور المرغوب عنها. وقال الشاعر:

غراب شمال ينفض الرّيش حاتما

وقال شتيم بن خويلد:

وقلت لسيّدنا يا حكيمإنّك لم تأس أسوا رفيقا
أعنت عديّا على شأوهاتعادي فريقا وتبقي فريقا
للشاعر شتيم بن خويلد الفزاري، اقرأ القصيدة
أطعت عريّب إبط الشّماليحزّ بحدّ المواسي الحلوقا

وقال الشاعر:

وخصم غضاب ينغضون رءوسهمأولي قدم في الشّعب صهب سبالها
ضربت لهم إبط الشّمال فأصبحتيردّ عداة آخرين نكالها

وقال الله جل ذكره: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما.

فقطعوا اليمين وإن كان إنّما يسرق باليسار. وكذلك إن كان أعسر.

والجانب الأيسر من الدّابة هو الجانب الوحشيّ.

وقولهم: أمر عسير من الأعسر، [و] من العسراء. وقال الشاعر:

وما تفعل فإنك حاتميّيمينك حين تبسطها شمال

[قال الأيمن]: لو ذكرتم الاتكاء على اليسار، وربوض ذات الأربع على الشّقّ الأيسر، فهذا حجة عليكم، لأنّ ذلك إنّما كان من النّاس والبهائم صيانة للكبد التي بصلاحها تصلح المعد والكروش وأجواف السّباع. وهي التي تقسّم الأغذية، وبصلاحها تصلح الطّبيعة.

قالوا: الجنديّ إذا ذهبت عينه اليمنى سقط من الديوان؛ لأنه إذا اتّقى بترسه حجبت عينه اليسرى وهو ذاهب اليمين، فيصير كالأعمى.

قال الأعسر: أين أنتم عن الحجّاج بن باب قائد النّاس يوم الأزاراقة، وهاشم المرقال، وفلان وفلان، إنّما كانوا عورانا من جهة العين اليمين.

قال القوم: هؤلاء قادة، وإنما نحن في ذكر الاتباع، وهؤلاء إنّما يراد منهم التّدبير والتّوقيف، والاسم المهيب الطّائر في الآفاق.

وكان كلّاس ومقلاس أخوين أحدهما أيمن والآخر أعسر، فكان الأيمن يفخر على الأعسر، فأخذا في سرق، فقطعت أيديهما، فكان الأيمن لا يستطيع أن يعمل بيده، وكان الأعسر يعمل بيده العسرى أعماله كلّها على صحّته وعادته، ففخر الأعسر على الأيمن بذلك فقال الأيمن: ما علمت للأيسر فضيلة إلا أن يسرق فيؤخذ فتقطع يمينه.

قالوا: وكان عمر بن الخطاب يخرج الضّاد من شدقه الأيسر كما يخرجه من شدقه الأيمن. ومن لم يكن أعسر يسرا فإنّما يخرجه من شدق واحد، وهو الأيمن. وهذه فضيلة الأيمن على الأعسر.

قالوا: وإنّما صار هذا أعسر وهذا أيمن على قدر قوّة الكبد والطّحال. فإن كانت جواذب الكبد أكثر وأشدّ كانت الأعمال لليمنى، وإن كانت جواذب الطّحال أكثر وأشدّ كانت الأعمال لليسرى.

وأما الذين زعموا أنّ الناس إنّما افترقوا بعد اجتماعهم وهم أطفال على العمل بالعسرى على قدر ما يجب على كلّ إنسان، وعلى قدر ما اتّفق- فهذا القول باطل، ولم تكن ها هنا علّة، و [لو] كانت علّة ذلك

التّكلف لكانت العادة الأولى أخفّ عليهم، ولم يكونوا يستكرهون أنفسهم على شيء لا يرون فيه من الفضل ما يوازن ذلك. ولو كان ذلك من طريق الاتفاق لم يتّفق ذلك في جميع الأمم في كلّ زمان، وفي كل بلد، إلّا في الواحد الشّاذّ. [وهذا] باطل.

قالوا: فقد كان ينبغي لأهل الجنّة ألّا يكون منهم إلّا أعسر يسر قلنا هذا ما لا نقف عليه، وليس يقع على أهل الجنة اسم أعسر ولا اسم أيمن، وليست هنالك معاناة، لأنّ الكفايات هناك تامّة، والأمور كائنة على غاية الموافقة، وعلى تمام النّعمة.

قالوا: ولو لم يكره الأيمن لأن يكون أعسر إلّا لأنّ الشّيطان أعسر- لكان ينبغي له أن يكره ذلك.

يزيد بن هارون، عن هشام بن أبي عبد الله، عن هفّان عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمنه،

فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله».

لم يقل: فإنّ الشيطان [يأكل] بيساره، لأنّ اليسار كناية عن الشّمال وتهوين للأمر.

وتغدّى أبو داود صاحب الطيالسة، وكان من حفّاظ الحديث، عند يحيى بن سعيد الأحول القطّان وكان يحيى قد فاقه في الحديث وفي الحال عند أصحاب الحديث، فأكل بشماله فقال له يحيى: بيدك اليمين علّة؟ قال: لا. قال: فهي مشغولة؟ قال: لا. قال: فلم لا تأكل بيمينك؟ قال: كان فلان لا يرى بأسا أن يأكل الرجل بيده اليسار. قال:

وما حاجتك إلى أن تصنع شيئا من غير علّة، تحتاج فيه إلى أن تصيب من يخرج لك فيه عذرا، ثم جذب يده اليمنى فأدخلها في الصحفة.

قالوا: ومما يؤكّد حال الشيطان في ذلك ما رواه يزيد بن هارون،

عن الجريريّ، عن أبي العلاء، عن عثمان بن أبي العاص أنّه أتى النبيّ ﵇ فقال: يا رسول الله، إنّ الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي ! فقال رسول الله ﵇: «ذلك شيطان يقال له خنزب. وإذا أحسست ذلك فاتفل عن يسارك ثلاثا وتعوّذ بالله من شرّه ».

ألا ترى أنّ الشيطان إنّما أتاه من قبل يساره لأنّه أعسر. فهو يذهب إلى شكله من الخوارج.

وأنشد أبو زيد لبعض الرّجاز:

قلت ألم تعجب لضرّ الضّيطرالأحوال الأعفك ثم الأيسر
حتّى يلوّي باللّحاء الأقشرتلوية الخاتن زبّ المعذر

قال أبو محمد الفقعسيّ. ووصف فحل الإبل فقال:

لها زجاج ولهاة فارضحدلاء كالوطب نحاه الماخض

وقال أبو القماقم: كان لنا جار تزوّج امرأة عسراء، فلما ماتت المرأة جعل يخطب، فكان يدلّ على ما يسأل الناس عن جمالها ومالها وعفافها وحسبها، وهو يسأل فيقول: خبّروني عنها: عسراء هي؟

وخبّروني عن أمّها. قالوا: ونحن ما علمنا بذلك، ولا سمعنا بأحد يسأل عن هذه المسألة. فكانوا يضحكون منه، ويعتذر إليهم بما ابتلي به في جميع ولده.

قالوا: والأعسر الحارض البائر: الذي خرجت أخلاقه على قدر قبح شمائله.

قالوا: وناس من أصحاب الأهواء يدفنون الميّت من يده اليسرى كي لا يأخذ كتابه بشماله، فقال زرارة بن أعين:

فيومئذ قامت شمال بحقّهاوقام عسيب العين ينعى ويخطب

وقال معدان الأعمى، وهو [أبو] السّريّ الشّميطي:

منهم جاعل العسيب إماماوفريق يرضّ زند الشّمال

أبو النضر قال: حدثنا عكرمة بن عمّار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه. أن رجلا أكل عند النبي ﵇، فأكل بشماله فقال: «كل بيمينك». قال لا أستطيع. قال: «لا استطعت». فما وصلت بعد إلى فيه.

وسفيان، عن الزّهريّ، عن أنس قال: «قدم النبي ﷺ إلى المدينة

وأنا ابن عشر، ودخل علينا دارنا، فحلبنا من شاة داجن لنا، وأبو بكر عن شماله وأعرابيّ عن يمينه، وكان عمر ناحية، فقال: أعط أبا بكر فأعطى الأعرابيّ، وقال: الأيمن فالأيمن ». قال: فهي السنّة.

وسعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك، عن إسماعيل بن أميّة، عن نافع، عن ابن عمر، «أنّ النّبيّ ﵇ دخل

المسجد ويده اليمنى على أبي بكر، ويده اليسرى على عمر، وقال: هكذا نبعث يوم القيامة ».

والمتطبّبون يزعمون أن النّوم على شقّ اليمين يوهن الكبد ويثقل الكبد عن هضم ما في المعدة، وقد رأيت من لا أحصي من الرجال أكثر نومهم على الشّقّ الأيمن، وما أحسّوا بسوء ذلك قطّ.

وقد يجوز أن يكون تأويل النبي ﷺ على أن يبدأ على اليمين ثم يتحوّل إذا شاء.

ذكر ذلك يزيد، عن هشام، عن محمد بن عجلان، عن

المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بإزاره لا يدري ما خلفه عليه بعده، ثمّ ليضطجع على شقّه الأيمن ويقول: باسمك ربّ وضعت جنبي، وبك ربّ أرفعه ».

ومن حديث حفصه بنت عمر أنّ النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه توسّد يده اليمنى وقال: رب قني عذابك، يوم تبعث عبادك».

تمّ كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان بحمد الله وعونه وتأييده. وصلى الله على محمد وآله وسلم

كتاب الهيثم بن عدي

بسم الله الرحمن الرحيم قال الهيثم بن عدي:

النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من كتاب فيه أبواب منوعة أخرى

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.