من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
الشهاب العزازي
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أحمد بن عبد الملك العزازي التاجر بقيسارية جركس، الشاعر المشهور؛ كان كيساً ظريفاً، جيد النظم في الشعر والموشحات، فمن شعره يمدح رسول الله ﷺ:
دمي بأطلال ذات الخال مطلولوجيش صبري مهزوم ومفلول
ومن يلاق العيون الفاتكات بلاصبر يدافع عنه فهو مخذول
لم يدر من سلب العشاق أنفسهمبأنّه عن دم العشّاق مسئول
وبي أغنّ غضيض الطرف معتدلالقوام لدن مهزّ العطف مجدول
كأنّه في تثنّيه وخطرتهغصن من البان مطلول ومشمول
سلافة منه تسبيني وسالفةوعاسل منه يصبيني ومعسول
وكلّما مرضت أجفان مقلتهيصحّ إلاّ غرامي فهو منحول
يا برق كيف الثنايا الغرّ من إضمٍيا برق أم كيف لي منهنّ تقبيل
ويا نسيم الصّبا كرر على أذنيحديثهنّ فما التكرار مملول
ويا حداة المطايا دون ذي سلمعوجوا وشرقيّ بانات اللّوى قيلوا منها:
منازل لأكف الغيث توشيةٌبها وللنّور توشيع وتكليل
كأنّما طيب ريّاها ونفحتهابطيب ترب رسول الله مجبول
أوفى النبيّين برهاناً ومعجزةًوخير من جاءه بالوحي جبريل
له يد وله باع يزينهمافي السلم طولٌ وفي يوم الوغى طول
سلّ الإله به سيفاً لملّتهوذلك السيف حتى الحشر مسلول
وشاد ركناً أثيلاً من نبوّتهوالكفر واهٍ وعرش الشرك مثلول
ويلٌ لمن جحدوا برهانه وثنىعنان رشدهم غيٌّ وتضليل
أولئك الخاسرون الخاسئون ومنلهم من الله تعذيبٌ وتنكيل
نمته من هاشم أسدٌ ضراغمةلها السيوف بيوتٌ والقنا غيل
إذا تفاخر أرباب العلى فهم ال؟غرّ المغاوير والصّيد البهاليل
لهم على العرب العرباء قاطبةًبه افتخارٌ وترجيح وتفضيل
قومٌ عمائمهم ذلّت لعزّتها ال؟قعساء تيجان كسرى والأكاليل وله أيضاً ﵀:
منذ عشقت الشارعيّ الذيبالحسن يختال ويغتال
لم يبق في ظهري ولا راحتيتالله لا ماء ولا مال وله أيضاً:
ما عذر مثلك والركاب تساقألا تفيض بدمعك الآماق
فأذل مصونات الدموع فإنّماهي سنةٌ قد سنّها العشّاق
ولربّ دمعٍ خان بعد وفائهمذ حان من ذاك الفريق فراق
ووراء ذيّاك العذيب منيزلٌلعبت بقلبك نحوه الأشراق
خذ أيمن الوادي فكم من عاشقٍفتكت به من أهله الأحداق
واحفظ فؤادك إن هفا برق الحمىأو هبّ منه نسيمه الخفّاق وقال أيضاً:
تعشّقته ساحر المقلتينكبدر يلوح وغصن يميل
إذا احمرّ من وجنتيه الأسيلواحورّ من مقلتيه الكحيل
فقل للشقائق ماذا ترينوللنّرجس الغضّ ماذا تقول
وقالوا: ذبول بأعطافهفقلت: يزين القناة الذبول
وعابوا تمرض أجفانهفقلت: أصحّ النّسيم العليل
وكتب شهاب الدين العزازي إلى ناصر الدين ابن النقيب ملغزا في شبابة وأحسن:
وما صفراء شاحبة ولكنيزيّنها النّضارة والشباب
مكتّبةٌ وليس لها بنانمنقبةٌ وليس لها نقاب
تصيخ لها إذا قبّلت فاهاأحاديثاً تلذّ وتستطاب
ويحلو المدح والتشبيب فيهاوما هي لا سعاد ولا الرّباب
فأجابه ناصر الدين ابن النقيب:
أتت عجمية أعربت عنهالسلمانٍ يكون لها انتساب
ويفهم ما تقول ولا سؤالإذا حققت ذاك ولا جواب
يكاد لها الجماد يهزّ عطفاًويرقص في زجاجته الحباب
وقال الشهاب العزازي ملغزاً في القوس والنشاب:
ما عجوزٌ كبيرةٌ بلغت عم؟راً طويلاً وتتّقيها الرجال
قد علا جسمها صفارٌ ولم تش؟ك سقاماً ولا عراها هزال
ولها في البنين سهمٌ وقسموبنوها كبار قدرٍ نبال
وبنوها لم يشبهوها ففي الأمّ اعوجاجٌ وفي البنين اعتدال
وقال أيضاً:
قال لي من أحبه عند لثميوجنات تحدّث الورد عنها
خلّ عني أما شبعت فناديت رأيت الحياة يشبع منها؟
ووقفت على ديوان الاعزازي، وهو في مجلدين: شعر وموشح، فمن موشحاته:
يا ليلة الوصل وكاس العقار... دون استتار علّمتماني كيف خلع العذار اغتنم اللذات قبل الذهاب... وجرّ أذيال الصّبا والشباب... واشرب فقد طابت كؤوس الشراب...
على خدودٍ تنبت الجلّنار... ذات احمرار طرّزها الحسن بآس العذار الراح لا شك حياة النفوس... فحلّ منها عاطلات الكؤوس... واستجلها بين الندامى عروس...
تجلى على خطّابها في إزار... من النّضار حبابها قسام مقام النثار أما ترى وجه الهنا قد بدا... وطائر الأشجار قد غرّدا... والروض قد وشّاه قطر النّدى...
فكمّل اللهو بكأس تدار... على افترار مباسم النّوّار غبّ القطار اجن من الوصل ثمار المنى... وواصل الكأس بما أمكنا... مع طيّب الريقة حلو الجنى...
بمقلة أفتك من ذي الفقار... ذات احورار منصورة الأجفان بالانكسار زار وقد حلّ عقود الجفا... وافترّ عن ثغر الرضى والوفا... فقلت والوقت لنا قد صفا...
يا ليلةً أنعم فيها وزارشمس النهار حيّيت من دون الليالي القصار
وقال أيضاً:
ما سلّت الأعين الفواترمن غمد أجفانها الصفاح
إلاّ أسالت دم المحاجرمن غير حرب ولا كفاح
تالله ما حرّك السّواكنغير الظباء الجآذر
لما استجابت بكل طاعنمن القدود النّواضر
وفوّقت أسهم الكنائنمن كلّ جفنٍ وناظر
عربٌ إذا صحن يال عامربين سرايا من الملاح
طلّت علينا من المحاجرطلائعٌ تحمل السلاح
أحبب بما تطلع الجنوبمنها وما تبرز الكلل
من أقمرٍ ما لها مغيبوأغصنٍ زانها الميل
هيهات أن تعدل القلوبعنها ولو جارت المقل
لمّا توشّحن بالغدائرسفرن عن أوجهٍ صباح
فانهزم اللّيل وهو عاثربذيله واختفى الصّباح
وأهيفٍ ناعم الشّمائلتهزه نسمة الشّمال
فينثني كالقضيب مائلكما انثنى شاربٌ ومال
له عذار كالند سائللله كم من دم أسال
شقّت على نبته المرائرمن داخل الأنفس الصحاح
تكلّ في وصفه الخواطروتخرس الألسن الفصاح
ظبيٌ إلى الإنس لا يميلالشمس والبدر من حلاه
والحسن قالوا ولم يقولوامبداه منه ومنتهاه
وطرفه الناعس الكحيلهيهات من صنعه النجاه
أذلّ بالسّحر كلّ ساحرفهو له خافض الجناح
يجول في باطن الضّمائركما يجول القضا المتاح
أما ترى الصبح قد تطلعمذ غمّضت أعين الغسق
والبدر نحو الغروب أسرعكهاربٍ ناله فرق
والبرق بين السّحاب يلمعكصارم حين يمتشق
وتحسب الأنجم الزواهرأسنةً ألقت الرّماح
فانهزم النّهر وهو سائرفدرّعته يد الرّياح وقال أيضاً:
كأس رويّهجلا علينا النّديم أم سنا مصباح
أم شمس حسنقد توجتها النجوم في سما الأفراح
هات الكؤوساممزوجة بالرضاب من ثناياكا
واخطب عروساتروق تحت الحباب كسجاياكا
وادع الجليسالمجلسٍ وشراب مثل ريّاكا
واشرب سبيّهبها النفوس تهيم ولها ترتاح
من بنت دنِّأليس نحن الجسوم وهي الأرواح
خذها مداماوجرّ ذيل المجون أيّما جرّ
وافضض فدامالها من الزرجون طيب النّشر
حيّا النّدامىبها سقيم الجفون ناحل الخصر
حرّ السّجيّهحلو الدلال رخيم خنثٌ مزّاح
لدن التّثنّيله قوامٌ قويم للقنا فضّاح
مدّ الربيعللورد أيّ بساط حفّ بالآس
قم يا خليعإلى الصّبوح بشاطي نهر باناس
فما الهجوعوقد دعاك معاطي جذوة الكاس
في سندسيّهأجرت عليها الغيوم مدمعاً سحاح
من ماء مزنوصال منها النّسيم أرجا نفاح
لنا خليلنراه منذ ليالي غائب عنّا
وما الشّموللذيذة وهو سالي أليس منّا
قل يا رسولبأنّنا في ظلال روضة غنّا
زبرجديهوثمّ شادٍ وريم وبقايا راح
ويوم دجنوقد دعاك النديم أجب يا صاح
سقياً لدهرمضى بعلّ ونهل وبغزلان
وطيب عمرقضى بليلة وصل ما لها ثاني
خلعت عذريفيها وقلت لخلي ولندماني
في البابليّةلا تسمعن من يلوم واهجر النصاح
واشرب وغنّييا ليلةً لو تدوم دامت الأفراح
وقال موشح ذوبيتي:
أقسمت عليك بالأسيل القانيأن تنظر في حال الكئيب العاني
أو تقصر عن إطالة الهجران... يا من سلب المنام من أجفاني ما أليق هذا الحسن بالإحسان...
والله لقد ضاعفت عندي الكمدامذ جزت من الهجر الطويل الأمدا
أدرك رمقي أوهب فؤادي جلدا... يا من أخذ الرّوح وأبقى الجسدا ما أصنع بعد الروح بالجثمان؟...
بالله إذا قضيت وجداً وغرامفابسط عذري يوم عتابٍ وملام
قد كنت خلياً من عذار وقوام... لا أعطي لصبوةٍ قياداً وزمام حتى علقت بي أعين الغزلان...
من لي بسقيم الجفن واهي الخصريرنو بعيون كحّلت بالسحر
كم أوضح لي عذاره من عذر... ما مال به الدلال ميل السكر إلاّ سجدت معاطف الغزلان...
في مرشفه مواردٌ للقبلتحمى بفتور لحظه والكحل
كم قلت لمن كثّر فيه عذلي... ما دام سواد طرفه لم يحل لا تطمع يا عذول في سلواني...
بدريّ محيا غصنيّ القدّيسبيك بجلنارة في الخدّ
ذو مبتسم عذب وخد وردي... مذ عاينت العين نظام العقد منه نثرت قلائد العقيان...
سالم لحظات طرفه الرشاقواستكف سهاماً ما لها من واق
أو خذ لك موثقاً من الأحداق... واستخبر عن مصارع العشّاق تنبيك وعن مقاتل الفرسان... وقال أيضاً:
وقفت مذ سارت المحاملواقتربت ساعة الفراق
أكفكف الدمع بالأناملوالدمع يأبى إلاّ اندفاق
أم هل لطيف الكرى مزار
هيهات والصبر مستحيلوالقلب لا يملك القرار
إن أوحشت منهم الطلولفطالما آنسوا الدّيار
ساروا وقد زمّت المحاملبهم وأظعانهم تساق
وخلّفوا أضلعاً نواحلترقّ مع أدمعٍ تراق
قف باللّوى نندب الرّبوعاعلى فراق الحبايب
واسفح بأطلالها الدموعاإن كنت خلّي وصاحبي
ملاعب تنبت الولوعاسقياً لها من ملاعب
ما بال أقمارها أوافلوقد محا نورها المحاق
وما لباناتها ذوابلوكنّ مهزوزةً رشاق
بكيت من لوعتي ووجديحتى فني كنز أدمعي
وكان يوم الفراق ودّيتبكي عيون الحيا معي
إن لم أف بعدهم بعهديفكنت في الحبّ مدّعي
فإن جفا النوم وهو واصلفكلّ شملٍ له افتراق
أو غاض دمعي وكان سائلفالنيل يعتاده احتراق
من لفتىً ساهر المآقيقد ذلّ في طاعة الهوى
يشكو إلى الله ما يلاقيمن التّباريح والجوى
قد بلغت روحه التراقيمذ بعدت شقّة النوى
صبٌّ لثقل الغرام حاملوحمل ذيّاك لا يطاق
راح لكأس الفراق ناهلوكاسه مرة المذاق وقال أيضاً:
زمان شبابي كنت خير زمانفلا زلت مشكوراً بكلّ لسان
فلله كم جرّرت ذيل بطالتيوأطلقت للّذّات فيك عناني
وقد كنت سباقاً إلى غاية الصّبامجيباً إذا داعي المجون دعاني
أقبل ثغر الكأس أبيض واضحاًوألثم خدّ الراح أحمر قاني
ألا خلياني والتصابي فإننيأرى في التّصابي غير ما تريان
سأملأ من طيب العذار مفارقيوأخضب من صرف الكؤوس بناني وقال أيضاً:
أرامة للآرام كنت مراتعافمالك للعشاق صرت مصارعا
فأين غصونٌ كنّ فيك موائساًوأين بدور كنّ فيك طوالعا
وقفنا لتوديع الحمول عشيةًنبث صباباتٍ ونذري مدامعا
وعدنا وما بلّ الوداع غليلناولا بردت منّا الدموع الأضالعا
سألتكما ما ضرّ حادي ركابهملو احتبس الأظعان أو كرّ راجعا
وماذا على المستودعين قلوبنابحبلي زرود لو رددن الودائعا
تعرضن لي يوم الكثيب كأنماتعرض لي سربٌ من الرمل راتعا
وما كنت أدري أن بين ستورهمشموس الضحى حتى رفعن البراقعا وقال أيضاً:
أدرك بقية نفسٍ فات أكثرهاأصبحت بالهجر تطويها وتنشرها
يا من إذا نظرت عيني محاسنهألومها في هواه ثمّ أعذرها
حسبي علاقة حب قد برت جسديحتّام أكتمها والدمع يظهرها
ومهجة يتحاماها تجلّدهاإذا هجرت ويغشاها تذكرها
يا للرجال أما في الحبّ من حكمٍينهى العيون إذا جارت ويزجرها
ويا ولاة الهوى قوموا بنصر فتىًحقوقه بيّناتٌ وهي تنكرها
لا تطلبنّ من الأعطاف عاطفةفإن أعدلها في الحبّ أجورها وقال أيضاً:
يا راشق القلب منّيأصبت فاكفف سهامك
ويا كثير التجنّيمنعت عنّي سلامك
وخنت ذمّة صبٍّما خان قط ذمامك
فاردد عليّ مناميفلا عدمت منامك
فمن رأى سوء حاليبكى عليّ ولامك
فلو أردت حياتيلما هززت قوامك
بمن أحلّك قلبيارفع قليلاً لثامك
وابسم لعلّي أحياإذا رأيت ابتسامك
يا خدّه ما أحبلىللعاشقين التثامك
بكيت دالاً وميماًلمّا تأمّلت لامك
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع