من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
العز الإربلي الضرير
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الحسن بن محمد بن أحمد بن نجا الإربلي، الفيلسوف عز الدين الضرير؛ كان بارعاً في العربية والأدب، رأساً في علوم الأوائل، وكان بمنزله بدمشق منقطعاً، ويقرىء المسلمين وأهل الكتاب والفلاسفة، وله حرمة وافرة، وكان يهين الرؤساء وأولادهم بالقول، وكان مخلاً بالصلوات يبدو منه ما يشعر بانحلاله، وكان يصرح بتفضيل علي على أبي بكر، وكان حسن المناظرة، له شعر خبيث الهجو، روى عنه من شعره وأدبه الدمياطي وابن أبي الهيجا، وتوفي سنة ستين وستمائة.
ولما قدم القاضي شمس الدين بن خلكان ذهب إليه فلم يحتفل به، فأهمله القاضي وتركه.
قال عز الدين بن أبي الهيجا: لازمت العز الضرير يوم موته، فقال: هذه البنية قد تحللت، وما بقي يرجى بقاؤها. واشتهى أرز بلبن فعمل له وأكل منه، فلما أحس بشروع خروج الروح منه قال: قد خرجت الروح من رجلي ثم قال: قد وصلت إلى صدري، فلما أراد المفارقة بالكلية تلا هذه الآية " ألا يعلمُ مَنْ خلق وهو اللطيفُ الخبير " الملك ثم قال: صدق الله العظيم، وكذب ابن سينا، ثم مات في ربيع الآخر، ودفن بسفح قاسيون، ومولده بنصيبين سنة ست وثمانين وخمسمائة.
قال الشيخ شمس الدين: وكان قذراً زري الشكل قبيح المنظر، لا يتوقى النجاسات، ابتلي مع العمى بقروح وطلوعات، وكان ذكياً جيد الذهن. ومن شعره ذوبيت:
لو كان لي الصبر من الأنصارما كان عليك هتكت أستاري
ما ضرّك يا أسمر لو بتّ لنافي دهرك ليلةً من السّمّار ومنه:
لو ينصرني على هواه صبريما كنت ألذ فيه هتك السّتر
حرّمت على السمع سوى ذكرهمما لي سمرٌ سوى حديث السّمر
ومن شعره في العماد ابن أبي زهران:
تعمّم بالطرف من طرفهوقام خطيباً لندمانه
وقال السلام على من زنىولاط وقاد لإخوانه
فردوا جميعاً ﵇وكلٌّ يترجم عن شانه
وقال يجوز التداوي بهاوكلّ عليل بأشجانه
وله فيه، وقد تلقب بالعماد وكان يلقب أولاً بالشجاع:
شجاع الدين عمّدتافهلاّ كنت شمّستا
خطيباً قمت سكراناوبالزّكرة عمّمنا وقال:
توهم واشينا بليلٍ مزارهفهمّ ليسعى بيننا بالتباعد
فعانقته حتى اتحدنا تعانقاًفلما أتانا ما رأى غير واحد
قال قاضي القضاة كمال الدين ابن العديم لما سمع هذين البيتين: مسكه مسكة أعمى.
وهذا المعنى تداوله الشعراء ولهجوا به، قال سيف الدين المشد:
ولمّا زار من أهواه ليلاًوخفنا أن يلمّ بنا مراقب
تعانقنا لأخفيه فصرناكأنّا واحد في عقد كاتب
وقال خالد الكاتب:
كأنني عانقت ريحانةتنفست في ليلها البارد
فلو ترانا في قميص الدجىحسبتنا في جسدٍ واحد وقال نفطويه النحوي:
ولمّا التقينا بعد بعدٍ بمجلسٍنغازل فيه أعين النرجس الغضّ
جعلت اعتمادي ضمّه وعناقهفلم نفترق حتى توهمته بعضي
وقال غرس الدين أبو بكر الإربلي:
همّ الرقيب ليسعى في تفرقناليلاً وقد بات من أهواه معتنقي
عانقته فاتّحدنا والرقيب أتىفمذ رأى واحداً ولّى على حنق
ومن شعر العز الإربلي ذوبيت:
إن أجف تكلّفاً وفى لي طبعاأو خنت عهوده عهودي يرعى
يبغي لي في ذاك دوام الأسرهذا ضررٌ يحسبه لي نفعا ومنه:
وكاعبٍ قالت لأترابهايا قوم ما أعجب هذا الضرير
هل تعشق العينان ما لا ترىفقلت والدمع بعيني غزير
إن كان طرفي لا يرى شخصهافإنها قد صوّرت في الضمير وقال:
ذهبت بشاشة ما عهدت من الجوىوتغيّرت أحواله وتنكّرا
وسلوت حتى لو سرى من نحوكمطيفٌ لما حياه طيفي في الكرى وقال:
قم يا نديم إلى الإبريق والقدحهات الثلاث وسل ما شئت واقترح
وغنّ إن غادرتني الكاس مطّرحاًوأنت يا صاح صاحٍ غير مطّرح
عليك سقي ثلاث غير مازجهاوما عليك إذن منّي ومن فرحي
إني لأفهم في الأوتار ترجمةًما ليس تفهمه النسّاك في السبح وقال:
قالوا عشقت وأنت أعمىظبياً كحيل الطرف ألمى
وحلاه ما عاينتهافتقول قد شغفتك وهما
وخياله بك في المنام فما أطاف ولا ألمّا
من أين أرسل للفؤاد ولم تراه العين سهما
فأجبت: إني موسويّالعشق إنصاتاً وفهما
أهوى بجارحة السّماع ولا أرى ذات المسمّى وشعر العز الإربلي كله جيد، عفا الله عنه.
قوام الدين ابن الطراح
الحسن بن محمد بن جعفر بن عبد الكريم ابن أبي سعيد الصاحب قوام الدين ابن الطراح؛ قال أثير الدين: هو من بيت رياسة وحشمة وعلم وحديث، وله معرفة بنحو ولغة ونجوم وحساب وأدب وغير ذلك، وكان فيه تشيع يسير، وكان حسن الصحبة والمحاورة، وكان لأخيه فخر الدين المظفر بن محمد تقدم عند التتار؛ قدم علينا قوام الدين إلى القاهرة ثم سافر إلى الشام، ثم كر منها راجعاً إلى العراق مع غازان وكنت سألته أن يوجه لي شيئاً من أخباره وشيئاً من شعره، فوجه إلي بذلك، وكتب لي من شعره بخطه:
غدير دمعي في الخدّ يطّردونار وجدي في القلب تتّقد
ومهجةٌ في هواك أتلفها الشوق وقلبٌ أودى به الكمد
وعدك لا ينقضي له أمدٌولا الليل المطال منك غد ومنه:
لقد جمعت في وجهه لمحبّهبدائع لم يجمعن في الشمس والبدر
حبابٌ وخمر في عقيقٍ ونرجسٍوآسٌ وريحان وليل على فجر
وقال: كتب إلي أخي أبو محمد المظفر يعاتبني على انقطاعي عنه، وهو الذي رباني وكفلني بعد الوالد، فقال:
لو كنت يا بن أخي حفظت إخائيما طبت نفساً ساعةً بجفائي
وحفظتني حفظ الخليل خليلهورعيت لي عهدي وحسن وفائي
خلّفتني قلق المضاجع ساهراًأرعى الدجى وكواكب الجوزاء
ما كان ظني أن تحاول هجرتيأو أن يكون البعد منك جزائي فكتبت إليه الجواب:
إن غبت عنك فإن ودي حاضرٌرهنٌ بمحض محبتي وولائي
ما غبت عنك لهجرةٍ تعتدهاذنباً عليّ ولا لضعف وفائي
لكنني لمّا رأيت يد النوىترمي الجميع بفرقة وتنائي
أشفقت من نظر الحسود لوصلنافحجبته عن أعين الرقباء
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع