تجاوز إلى المحتوى

من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)

الوزير المهلبي

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

الحسن بن محمد بن عبد الله بن هارون، أبو محمد الوزير المهلبي، من ولد المهلب ابن أبي صفرة؛ كان كاتب معز الدولة ابن بويه، ولما مات الصيرمي قلده معز الدولة الوزارة مكانه سنة تسع وثلاثين وثلثمائة، وقربه وأدناه واختص به وعظم جاهه عنده، وكان يدبر أمر الوزارة للمطيع من غير تسمية الوزارة، ثم جددت له الخلع من دار الخلافة بالسواد والسيف والمنطقة، ولقبه المطيع بالوزارة، ودبر الدولتين.

وكان ظريفاً نظيفاً، قد أخذ من الأدب بحظ وافر، وله همة كبيرة وصدر واسع، وكان جماعاً لخلال الرياسة صبوراً على الشدائد.

وكان أبو الفرج الأصبهاني وسخاً في ثوبه ونفسه وفعله، فواكل الوزير المهلبي على مائدة، وقدمت سكباجة وافقت من أبي الفرج سعلة، فندرت من فمه قطعة بلغم وقعت في وسط الصحن، فقال المهلبي: ارفعوا هذا وهاتوا من هذا اللون في غير هذا الصحن، ولم يبن في وجهه استكراه، ولا دال أبا الفرج حياء ولا انقباض.

وكان من ظرف الوزير المهلبي إذا أراد أكل شيء من أرز بلبن وهرايس وحلوى دقيق وقف إلى جانبه الأيمن غلام معه نحو من ثلاثين ملعقة زجاجاً مجروداً، فيأخذ الملعقة من الغلام الذي على يمينه ويأكل بها لقمة واحدة ثم يدفعها إلى الغلام الذي على يساره لئلا يعيد الملعقة إلى فيه مرة ثانية.

ولما كثر على الوزير استمرار ما يجري من أبي الفرج جعل له مائدتين إحداهما كبيرة عامة، والأخرى لطيفة خاصة يواكله عليها من يدعوه إليها. وعلى صنعه بأبي الفرج ما كان يصنعه ما خلا من هجوه، فإن أبا الفرج قال:

أبعين مفتقر إليك نظرتنيفأهنتني وقذفتني من حالق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعين مفتقر إليك نظرتني»

لست الملوم أنا الملوك لأنّني... أنزلت آمالي بغير الخالق ويروى هذان البيتان للمتنبي، رواهما له تاج الدين الكندي، والله أعلم لمن هما.

وكان قبل وزارته قد سافر مرة ولقي في سفره مشقة شديدة، واشتهى اللحم فلم يقدر عليه، وكان معه رفيق يقال له أبو عبد الله الصوفي، فقال المهلبي ارتجالاً:

ألا موتٌ يباع فأشتريهفهذا العيش ما لا خير فيه
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
إذا أبصرت قبراً من بعيدٍوددت لو انّني ممّا يليه
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
ألا موت لذيذ الطعم يأتييخلّصني من الموت الكريه
إلاّ رحم المهيمن نفس حرٍّتصدق بالوفاة على أخيه
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة

فلما سمع الأبيات اشترى له بدرهم لحما وطبخه وأطعمه، وتفارقا، وتنقلت الأحوال بالمهلبي وولي الوزارة، وضاقت الأحوال برفيقه الصوفي، فقصده وكتب إليه:

ألا قل للوزير فدته نفسيمقال مذكّر ما قد نسيه
أتذكر إذ تقول لضيق عيشٍألا موت يباع فأشتريه

فلما قرأ الأبيات تذكره، وأمر له في الحال بسبعمائة درهم، ووقع له في رقعته " مَثَلُ الّذينَ يُنفِقُونَ أموالهمْ في سبيل الله كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبّة " البقرة ثم دعا به وخلع عليه وقلده عملاً يليق به.

ولما ترقت به الحال قال:

رقّ الزمان لفاقتيرثى لطول تقلقي
فأنالني ما أرتجيهـ وحاد عمّا أتقي
فلأصفحن عمّا جناهمن الذّنوب السّبّق
حتى جنايته بمافعل المشيب بمفرقي ومن شعره:
قال لي من أُحبّ والبين قد جدّ وفي مهجتي لهيب الحريق
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
ما الذي في الطريق تصنع بعدي؟قلت أبكي عليك طول الطريق

قال أبو إسحاق الصابي: كنت يوماً عند الوزير المهلبي، فأخذ ورقة وكتب فيها، فقلت بديهاً:

له يدٌ أبدعت جوداً بنائلهاومنطقٌ دره في الطّرس ينتثر
فحاتم كامنٌ في بطن راحتهوفي أناملها سحبان يستتر ومن شعره:
الجود طبعي ولكن ليس لي مالوكيف يصنع من بالقرض يحتال
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
فهاك خطي فخذه معك تذكرةًإلى اتّساعٍ فلي في الغيب آمال ومنه:
أتاني في قميص اللاذ يسعىعدوٌّ لي يلقّب بالحبيب
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «أتاني في قميص اللاذ يسعى»
فقلت له فديتك كيف هذابلا واشٍ أتيت ولا رقيب
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
فقال الشمس أهدت لي قميصاًكلون الشمس في شفق الغروب
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
فثوبي والمدام ولون خديقريبٌ من قريبٍ من قريب ومنه:
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «أتاني في قميص اللاذ يسعى»
تطوى بأوتارها الهموم كمايطوى دجى اللّيل بالمصابيح
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة

ثمّ تغنّت فخلتها سمحت... بروحها خلعةً على روحي كان أبو النجيب شداد بن إبراهيم الجزري الواعظ الملقّب بالظاهر كثير الملازمة للوزير المهلبي، فاتفق أن غسل ثيابه، فأنفذ الوزير يدعوه فاعتذر، فلم يقبل، وألح في استدعائه، فكتب إليه:

عبدك تحت الحبل عريانكأنه لا كان شيطان
يغسل أثواباً كأن البلىفيها خليط وهي أوطان
أرقّ من ديني وإن كان ليدين كما للناس أديان
كأنها حالي من قبل أنيصبح عندي لك إحسان
يقول من يبصرني معرضاًفيها وللأقوال برهان
هذا الذي قد نسجت فوقهعناكب الحيطان إنسان فأنفذ إليه جبة وقميصاً وعمامة وسراويل وخمسمائة درهم،

وقال: أنفذت إليك ما تلبسه، ومتا تدفعه إلى خياط، فإن كنت غسلت التكة واللالكة عرفني لأنفذ لك عوضهما.

ومن شعر الوزير المهلبي:

تصارمت الأجفان لما هجرتنيفما تلتقي إلاّ على عبرة تجري وطول ياقوت ترجمته.

وكانت وفاته سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة، بطريق واسط، وحمل إلى بغداد، رحمه الله تعالى.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «فوات الوفيات»