من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
المهذب ابن الزبير
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الحسن ابن علي بن إبراهيم بن الزبير، أبو محمد الملقب بالقاضي المهذب، وهو أخو القاضي الرشيد؛ توفي القاضي المهذب المذكور في ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمسمائة بمصر وكان كاتباً مليح الخط، جيد العبارة، مليح الألفاظ، وكان أشعر من أخيه الرشيد واختص بالصالح ابن رزيك، ويقال إن أكثر الشعر الذي في ديوان الصالح إنما هو شعر المهذب، وحصل له من الصالح مال جم، وكان القاضي عبد العزيز بن الجباب هو الذي قدمه عند الصالح. ولما مات ابن الجباب شمت به المهذب ومشى في جنازته بثياب مذهبة، فاستقبح الناس فعله ونقص بهذا السبب، ولم يعش بعده إلا شهراً واحداً.
وصنف المهذب كتاب الأنساب وهو أكثر من عشرين مجلدة، كل مجلد عشرون كراسة؛ قال ياقوت: رأيت بعضه فوجدته مع تحققي بهذا العلم وبحثي عن كتبه لا مزيد عليه. وكان المهذب قد مضى رسولاً إلى اليمن عن بعض ملوك مصر واجتهد هناك في تحصيل كتب النسب وجمع منها ما لم يجتمع عند أحد، رحمه الله تعالى؛ ومن شعره:
لقد طال هذا الليل بعد فراقهوعهدي به قبل الفراق قصير
وكيف أرجّي الصبح بعدهم وقدتولّت شموسٌ بعدهم وبدور ومنه:
أقصر فديتك عن لومي وعن عذليأو لا فخذ لي أماناً من ظبا المقل
من كلّ طرف مريض الجفن ينشدنييا رب رام بنجد من بني ثعل
إن كان فيه لنا وهو السقيم شفاًفربما صحت الأجسام بالعلل وله في رفاء:
بليت برفاءٍ لواحظ طرفهبنا فعلت ما ليس يفعله النصل
يجور على العشاق والعدل دأبهويقطعني ظلماً وصنعته الوصل ومنه:
ولئن ترقرق دمعه يوم النوىفي الطّرف منه وما تناثر عقده
فالسيف أقطع ما يكون إذا غمدامتحيّراً في صفحتيه فرنده
وقال يرثي صديقاً له وقع المطر يوم موته:
بنفسي من أبكى السموات فقدهبغيثٍ ظننّاه نوال يمينه
فما استعبرت إلاّ أسىً وتأسفاًوإلاّ فماذا القطر في غير حينه ومنه:
لا ترج ذا نحس وإن أصبحتمن دونه في الرتبة الشّمس
كيوان أعلى كوكبٍ موضعاًوهو إذا أنصفته نحس وله أيضاً:
إذا أحرقت في القلب موضع سكناهافمن ذا الذي من بعد يكرم مثواها
وإن نزفت ماء الدموع بهجرهافمن أيّ عينٍ تأمل العيس سقياها
وما الدمع يوم البين إلاّ لآلىءعلى الرسم في رسم الديار نثرناها
وما أطلع الزهر الربيع وإنمارآى الدمع أجياد الغصون فحلاها
ولمّا أبان البين سرّ صدورناوأمكن فيها الأعين النجل مرماها
عددنا دموع العين لمّا تحدرتدروعاً من الصبر الجميل نزعناها
ولمّا وقفنا للوداع وترجمتلعيني عمّا في الضمائر عيناها
بدت صورةً في هيكلٍ فلو انّناندين بأديان النصارى عبدناها
وما طرباً صغنا القريض وإنماجلا اليوم مرآة القرائح مرآها
وليلة بتنا في ظلام شبيبتيسراي وفي ليل الذوائب مسراها
تأرج أرواح الصّبا كلّما سرىبأنفاس ريّا آخر الليل رياها
ومهما أدرنا الكأس باتت جفونهامن الراح تسقينا الذي قد سقيناها منها:
ولو لم يجد يوم الندى في يمينهلسائله غير الشبيبة أعطاها
فيا ملك الدنيا وسائس أهلهاسياسة من ساس الأمور وقاساها
ومن كلّف الأيام ضدّ طباعهاوعاين أهوال الخطوب وعاناها
عسى نظرة تجلو بقلبي وخاطريصداه فإني دائماً أتصدّاها وله:
فيا صاحبي سجن الخزانة خليانسيم الصبا ترسل إلى كبدي نفحا
وقولا لضوء الصبح هل أنت عائدٌإلى ناظري أم لا أرى بعدها صبحا
ولا تأيسا من رحمة الله أن أرىسريعاً بفضل الكامل العفو والصفحا
فإن تحبساني في التخوم تجبّراًفلن تحبسا منّي له الشكر والمدحا ومنه:
وما لي إلى ماء سوى النيل غلّةٌ... ولو أنه أستغفر الله زمزم كان القاضي المهذب، رحمه الله تعالى، لما جرى لأخيه الرشيد ما جرى من اتصاله بصلاح الدين ابن أيوب قبض شاور على المهذب وحبسه، فكتب إليه يستعطفه فلم ينفع فيه، فالتجأ غل ولده الكامل شجاع وكتب إليه أشعاراً كثيرة من جملتها هذه التي قدمناها، فقام بأمره واصطنعه وضمه إليه بعد أن أمر أبوه شاور بصلبه.
ومن شعر المهذب:
أعلمت حين تجاور الحيّانأن القلوب مواقد النّيران
وعلمت أن صدورنا قد أصبحتفي القوم وهي مرابض الغزلان
وعيوننا عوض العيون أمدّهاما غادروا فيها من الغدران
ما الوخد هزّ قناتهم بل هزهاقلبي لما فيه من الخفقان
وتراه يكره أن يرى أظعانهم... وكأنّما أصبحت في الأظعان ومنه القصيدة التي كتبها إلى الداعي لما قبض على أخيه باليمن يستعطفه على أخيه الرشيد فأطلقه، وهي:
يا ربع أين ترى الأحبة يممواهل أنجدوا من بعدنا أو أتهموا
نزلوا من العين السواد وإن نأواومن الفؤاد مكان ما أنا أكتم
رحلوا وفي القلب المعنّى بعدهموجدٌ على مرّ الزمان مخيم
رحلوا وقد لاح الصباح وإنماتسري إذا جنّ الظلام الأنجم
وتعوضت بالأنس روحي وحشةًلا أوحش الله المنازل منهم
إني لأذكركم إذا ما أشرقتشمس الضحى من نحوكم فأسلم
لا تبعثوا لي في النّسيم تحيّةًإني أغار من النسيم عليكم
إني امرؤ قد بعت حظي راضياًمن هذه الدنيا بحظّي منكم
فسلوت إلاّ عنكم وقنعت إلاّ منكم وزهدت إلاّ فيكم
ما كان بعد أخي الذي فارقتهليبوح إلاّ بالشكاية لي فم
هو ذاك لم يملك علاه مالكٌكلاّ ولا وجدي عليه متمم
أقوت مغانيه وعطّل ربعهولربما هجر العرين الضيغم
ورمت به الأهوال همة ماجدٍكالسيف يمضي غربه ويصمم
يا راحلاً بالمجد عنّا والعلاأترى يكون لكم علينا مقدم
يفديك قومٌ كنت واسط عقدهمما إن لهم مذ غبت شملٌ ينظم
جهلوا فظنّوا أن بعدك مغنمٌلمّا رحلت وإنما هو مغرم
ولقد أقرّ العين أنّ عداك قدهلكوا ببغيهم وأنت مسلّم منها:
أقيال بأسٍ خير من حمل القناوملوك قحطان الذين هم هم
متواضعين ولو ترى ناديهمما اسطعت من إجلالهم تتكلم
وكفاهم شرفاً ومجداً أنّهمأن أصبح الداعي المتوج منهم
هو بدر تمّ في سماء علائهموبنو أبيه بنو زريعٍ أنجم
ملكٌ حماه جنّةٌ لعفاتهلكنّه للحاسدين جهنّم منها:
مع أنّني سيرت فيك شوارداًكالدرّ بل أبهى لدى من يفهم
تغدو وهوج الذاريات رواكدٌوتبيت تسري والكواكب نوّم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع