من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
أبو عبد الله ابن ممويه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الحسين بن علي بن محمد بن ممويه، أبو عبد الله، المعروف بابن قم؛ ولد بزبيد، وكتب رسالته المشهورة عنه إلى أبي حمير سبأ بن أبي السعود أحمد ابن المظفر بن علي الصليحي اليماني، بعد انفصاله عنه، رواها الحافظ أبو طاهر السلفي عنه سنة اثنتين وستين وخمسمائة، والرسالة المذكورة: كتب عبد حضرة السلطان الأجل، مولاي ربيع المجدبين، وقريع المتأدبين، جلاء الملتبس، وذكاء المقتبس، شهاب المجد الثاقب، ونقيب ذوي المناقب، أطال الله بقاءه، وأدام علوه وارتقاءه، ما أجابت العادية المستغير، ولزمت الياء التصغير، وجعل رتبته في الأولية وافرة السهام، كحرف الاستفهام، وكالمبتدأ لأنه وإن تأخر في البنية، فإنه مقدم في النية، ولا زالت حضرته للوفود مزدحماً، ومن الحوادث حمىً، حتى يكون في العلا، بمنزلة حروف الاستعلا، فإنهن لحروف اللين حصون، وما جاورهن عن الإمالة مصون، ولا زال عدوه كالألف، في أن حالها تختلف، فتسقط في صلة الكلام، لا سيما مع اللام، ولا تكون أولاً بحال، وإن تقدم همز فاستحال، لأنه أدام الله علوه أحسن إلي ابتداء، ونشر عليّ من فضله رداء، أراد إخفاءه، فكشف خفاءه، ومن شرف الإحسان، سقوط ذكره عن اللسان، كالمفعول رفع رفع الفاعل الكامل، لما حذف من الكلام ذكر العامل، يهدي إليه سلاماً، ما الروض، ضاحكه النوض، غرس وحرس، وسقي ووقي، وغيث وصيب، فأخذ من كل نو بنصيب، زهاه الزهر، وسقاه النهر، جاور الأضا، فحسن وأضا، رتعت فيه الفور، ومرح العصفور، فاطلع من التمراد، وقد ظفر بالمراد، فنظر إلى أقاحيه، تفتر في نواحيه، وإلى البهار، يضاحك شمس النهار، فجعل يلثم من وروده خدودا، ويهصر من أغصانه قدودا، ويقتبس النار، من الجلنار، ويلتمس العقيق، من الشقيق، فغرد ثملاً، وغنى خفيفاً ورملاً، بأطيب من نفحته المسكية، وأعطر من رائحته الذكية، مع أني وإن أهديته في كل أوان، عن أداء ما يجب عليّ غير وان، أعد نفسي السكيت اللاحق، لما يجب عليّ من الحق، فعثرت، وجهدت فما أثرت، فأنا بحمد الله في حال خمول وقنوع، وجناب عن غير الغير ممنوع، فارقت المتوج بأزال، ولزمت الخمول والاعتزال، سعيي سعي الجاهد، وعيشي عيش الزاهد، ببلد: الأديب فيه غريب، والأريب كالمريب، إن تكلم استثقل، وإن سكت استقلل، منازله كبيوت العناكب، ومعيشته كعجالة الراكب، فهو كما قال أبو تمام حيث قال:
أرض الفلاحة لو أتاها جرولٌأعني الحطيئة لاغتدى حرّاثا
لم آتها من أيّ بابٍ جئتهاإلاّ حسبت بيوتها أجداثا
تصدا بها الأفهام بعد صقالهاوتردّ ذكران العقول إناثا
أرضٌ خلعت اللهو خلعي خاتمي... فيها وطلقت السرور ثلاثا وأما حال عبده بعد فراقه في الجلد، فما حال أم تسعة من الولد؟ ذكور، كأنهم عقبان وكور، اخترم منهم ثمانية، وهي على التاسع حانية، نادى النذير في البادية: يا للعادية يا للعادية، فلما سمعت الداعي، ورأت الخيل وهي سواعي، جعلت تنادي ولدها الأناة الأناة، وهو ينادي القناة القناة:
بطلٌ كأنّ ثيابه في سرحةيحذى نعال السّبت ليس بتوأم فحين رأته يختال في غضون الزرد المصون، أنشأت تقول:
أسدٌ أضبط يمشيبين طرفاء وغيل
لبسه من نسج داود كضحضاح المسيل فعرض له في العادية أسد هصور، كأن ذراعه مسد مضفور:
فتطاعنا وتواقفت خيلاهماوكلاهما بطل اللقاء مقنّع
فلما سمعت صياح الرعيل، برزت من الصرم بصبر قد عيل، فسألت عن الواحد، فقيل لها: لحده اللاحد:
فكّرت تبتغيه فصادفتهعلى دمه ومصرعه السّباعا
عبثن به فلم يتركن إلاّ... أديماً قد تمزق أو كراعا بأشد من عبدك تأسفاً، ولا أعظم كمداً ولا تلهفاً، وإنه ليعنف نفسه دائماً، ويقول لها لائماً: لو فطنت لقطنت، ولو عقلت لما انتقلت،... لندمت ولو رجعت، لما هجعت:
يقيم الرجال الموسرون بأرضهموترمي النّوى بالمقترين المراميا
وما تركوا أوطانهم عن ملالة... ولكن حذاراً من شمات الأعاديا أيها السيد، أمن العدل والإنصاف، ومحاسن الشيم والأوصاف، إكرام المهان، وإذالة جواد الرهان؟ يشبع في ساجوره كلب الزبل، ويسغب في خيسه أبو الشبل:
إذا حلّ ذو نقصٍ محلة فاضلٍوأصبح ربّ الجاه غير وجيه
فإنّ حياة المرء غير شهيةٍ... إليه وطعم الموت غير كريه أقول لنفسي الدنية: هبي طال نومك، واستيقظي لا عز قومك، أرضيت بالعطاء المنزور، وقنعت بمواعيد الزور؟ يقظة، فإن الجد قد هجع، ونجعة، فمن أجدب انتجع، أعجزت في الإباء، عن خلق الحرباء، أدلى لساناً كالرشاء، وتسنم أعلى الأشياء، ناط همته بالشمس، مع بعدها عن اللمس، أنف من ضيق الوجار، ففرخ في الأشجار، فهو كالخطيب، على الغصن الرطيب:
وإن صريح الحزم والرأي لامرىءٍإذا بلغته الشمس أن يتحوّلا
وقد أصحب عبده هذه الأسطر شعراً يقصر فيه عن واجب الحمد، وإن بنيت قافيته على المد، وما يعد نفسه إلا كمهدي جلد السبنتى الأنمر، إلى الديباج الأحمر، أين در الحباب، من ثغور الأحباب؟ وأين الشراب من السراب؟ والركي البكي، من الواد ذي المواد؟ أتطلب الصباحة من العتم، والفصاحة من الغتم؟ غلط من رأى الآل في القي، فشبهه بهلهال الدبيقي؛ هيهات! إن مناسج الرياط، تسبق تنيس ودمياط؛ لا أقول كما قال القائل:
من يساجلني بساجل ماجداًيملأ الدلو إلى عقد الكرب بل أضع نفسي في أقل المواضع، وأقول لمولاي قول الخاضع:
فأسبل عليها ستر معروفك الذيسترت به قدماً على عوراتي وها هي هذه:
فيك برّحت بالعذول إباءوعصيت اللّوام والنصحاء
فانثنى العاذلون أخيب منييوم أزمعتم الرحيل، رجاء
من مجيري من فاتر اللحظ ألمىجمع النار خدّه والماء
فيه لليل والنّهار صفاتٌفلهذا سرّ القلوب وساء
لازمٌ شيمة الخلاف فإن لنت قسا أو دنوت منه تناءى
يا غريب الصفات حقٌّ لمن كان غريباً أن يرحم الغرباء
.. من صدوده وتجنّيهـ وإشماته بي الأعداء
وإذا ما كتمت ما بي من الوجد أذاعته مقلتاي بكاء
كعطايا سبا بن أحمد يخفيها فتزداد شهرةً ونماء
أريحيٌّ يهزه المدح للجود وإن لم تمدحه جاد ابتداء
ألمعيّ يكاد ينبيك عمّاكان في الغيب فطنةً وذكاء
وإذا أخلف السماء بأرضأخلفت راحتاه ذاك السماء
بندى يخجل الغيوث انهمالاًوجدىً ينهل الرماح الظماء
ما أبالي إذ أحسن الدّهر فيهأحسن الدّهر بالورى أم أساء
أيها الطالب الغنى زره تظفربعطايا تخجّل الأنواء
تلق منه المهذب الماجد النّدب الكريم السميدع الأبّاء
راحةٌ في الندى تنيل نضاراًوحسامٌ في الروع يهمي دماء
إن سطا أرهب الضراغم في الآجام أو جاد بخّل الكرماء
شيم من أبيه أحمد لا ينفكّ عنها تتبّعاً واقتفاء
قد تعاطى في المجد شأوك قومٌعجزوا واحتملت فيه العناء
شرفاً شامخاً ومجداً منيفاًعدمليّاً وعزّةً قعساء
يا أبا حميرٍ دعوتك للدّهر فكنت امرءاً تجيب الدعاء
فأبى البخل أن يكون أماماًوأبى الجود أن يكون وراء
أنا أشكو إليك جور زمانٍدأبه أن يعاند الأدباء
أهملتني صروفه وكأنّيألف الوصل ألغيت إلغاء
مال عنّي بما أؤمل فيهكلما قلت سوف يأسو أساء
رهن بيت لو استقرّ به اليربوع لم يرضه له نافقاء
نقصتني نقص المرخّم حتىخلتني في فم الزمان نداء
منعتني من التصرف منع العلل التسع صرفها الأسماء
يا أبا حميرٍ وحرمة إحسانك عندي ما كان حبي رياء
ما ظننت الزمان يبعدني عنك إلى أن أفارق الأحياء
غير أني فدتك نفسي من السوء وإن قلّ أن تكون فداء
ضاع سعيي وخبت، خابت أعاديك ومن يبتغي لك الأسواء
واحتملت الزمان والنقص والإبعاد والذلّ والعنا والجفاء
وتجملت واصطبرت فما أبقى على عودي الزمان لحاء
أعلى هذه المصيبة صبر؟لا، ولو كنت صخرةً صمّاء
ولو اني لم أعتمد دون غيريلتأسيت أن أموت وفاء
غير أن التصريح ليس بخافٍعند من كان يفهم الإيماء
غير أنّي مثنٍ عليك وما لمت على ما لقيت إلاّ القضاء
وسيأتيك في البعاد وفي القرب مديحٌ يجمّل الشعراء
فبشكرٍ رحلت عنك وألقاك به إن قضى الإله لقاء
ليس يبقى في الدهر غير ثناءفاكتسب ما استطعت ذاك الثناء وكانت وفاته سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع