تجاوز إلى المحتوى

من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)

حمزة بن بيض

ديوان حمزة بن بيضفيه ١٧ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

حمزة بن بيض بكسر الباء الموحدة وسكون الياء والضاد المعجمة الحنفي أحد بني بكر بن وائل؛ كوفي شاعر مجيد سائر القول كثير المجون، كان منقطعاً إلى المهلب بن أبي صفرة وولده، ثم إلى بلال بن أبي بردة، حصلت له أموال كثيرة إلى الغاية من ذهب وخيل ورقيق، قيل إنه حصل ألف ألف درهم، وتوفي سنة عشرين ومائة.

أتى بلال بن أبي بردة، وكان كثير المزاح معه، فقال لحاجبه: استأذن لحمزة بن بيض الحنفي، فدخل الحاجب وخرج وقال: يقول لك: حمزة بن بيض، ابن من؟ فقال: ادخل وقل له: الذي جئت إليه إلى سبار الحمام وأنت أمرد تسأله أن يهبك طائراً، فأدخلك السبار وناكك وأعطاك طائراً، فشتمه الحاجب فقال: ما أنت وذا؟ بعثك برسالة فأبلغه الجواب، فدخل الحاجب وهو مغضب، فلما رآه بلال ضحك وقال: ما قال لك، قبحه الله؟ فقال: ما كنت لأخبر الأمير بما قال، فقال: يا هذا أنت رسول، فأد الجواب، فأبى فأقسم عليه، فأخبره بقوله، فضحك حتى فحص برجليه، وقال: قل له قد عرفنا العلامة فادخل، فدخل فأكرمه وسمع مديحه، وأحسن صلته.

وأراد بلال بقوله ابن من قول الشاعر فيه:

أنت ابن بيض لعمري لست أنكرهفقد صدقت ولكن من أبو بيض وقدم على مخلد بن المهلب، وعنده الكميت، فأنشده:
أتيناك في حاجةٍ فاقضهاوقل مرحباً يجب المرحب
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
ولا. لا تكلنا إلى معشرمتى وعدوا عدةً يكذبوا
فإنك في الفرع من أسرةٍلهم خضع الشرق والمغرب
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
بلغت لعشرٍ مضت من سنيكما يبلغ السيّد الأشيب
فهمّك فيه جسام الأموروهمّ لداتك أن يلعبوا
وجدت فقلت: ألا سائلٌفيعطى ولا راغب يرغب
فمنك العطيّة للسّائلينوممّن ينوبك أن يطلبوا

فأمر له بمائة ألف درهم، فأخذها، وسأله عن حوائجه فأخبره، فقضاها جميعاً.

وأودع حمزة عند ناسك ثلاثين ألف درهم، ومثلها عند رجل نباذ، فأما الناسك فبنى بها داره وزوج بناته وأنفقها وجحده، وأما النباذ فأدّى إليه الأمانة في ماله، فقال حمزة:

ألا لا يغرّك ذو سجدةٍيظلّ بها دائماً يخدع
كأنّ بجبهته جلبةًتسبح طوراً وتسترجع
وما للتقى لزمت وجههولكن ليغترّ مستودع
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
فلا تنفرنّ من أهل النبيذوإن قيل يشرب لا يقلع
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
فعندي علمٌ بما قد خبرتإن كان علمٌ بهم ينفع
ثلاثون ألفاً حواها السجودفليست إلى أهلها ترجع
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
بنى الدار من غير ما مالهفأصبح في بيته يرتع
مهائر من غير مالٍ حواهيقاتون أرزاقهم جوّع
وأدى أخو الكاس ما عندهوما كنت في ردّها أطمع

وكان عبد الملك بن مروان يعبث به، فوجه إليه ليلة رسولاً وقال: جئني به على أي حالة وجدته، فهجم عليه فوجده داخلاً إلى بيت الخلاء، فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: ويحك! أكلت كثيراً وشربت نبيذاً حلواً وقد أخذني بطني، فقال: لا سبيل إلى مفارقتك، ثم أخذه وأتى به إلى عبد الملك، فوجده قاعداً في طارمة، وعنده جارية جميلة يتحظاها وهي تسجر العود وتبخر أمير المؤمنين، فجلس يحادثه ويعالج ما هو فيه من داء بطنه، فعرضت له ريح فسيبها ظناً أن يسترها البخور. قال حمزة: فوالله لقد غلب ريحها ريح البخور والند فقال: ما هذا يا حمزة؟ قال: فقلت: عليّ عهد الله والمشي إلى بيت الله والهدي إن كنت فعلتها، وما فعلها إلا هذه الجارية، قال: فغضب وخجلت الجارية وما قدرت على الكلام، ثم جاءتني أخرى فسرحتها، وسطع والله ريحها، فقال: ما هذا ويلك؟ أنت والله الآفة، فقلت: امرأتي طالق إن كنت فعلتها، فقال: وهذه اليمين لازمة لي إن كنت فعلتها، ثم قال للجارية: ويلك، ما قصتك؟ قومي إلى الخلاء إن كنت تجدين شيئاً، وطمعت فيها فسرحت الثالثة فسطع ريحها ما لم يكن في الحساب، فغضب عبد الملك حتى كاد أن يخرج من جلده، ثم قال: يا حمزة، خذ بيد هذه الجارية الزانية فقد وهبتها لك، وامض فقد نغصت عليّ ليلتي، فأخذت بيدها وخرجت، فلقيني خادم فقال: ما تريد أن تصنع؟ فقلت: أمضي بها، فقال: والله لئن فعلت ليبغضنك بغضاً لا تنتفع به بعده، وهذه مائتا دينار، فخذها ودع هذه الجارية، فقلت: والله لا نقصتك من خمسمائة دينار، فقال: ليس إلا ما قلت لك، فأخذتها منه وأخذ الجارية، فلما كان بعد ثلاث دعاني عبد الملك، فلقيني الخادم فقال: هذه مائة دينار أخرى وتقول ما لا يضرك ولعله ينفعك؟ فقلت: ما هو؟ فقال: إذا دخلت إليه تدعي عنده أن تلك الفسوات الثلاث أنت فعلتهن، فقلت: هاتها، فلما دخلت وقفت بين يديه وقلت: الأمان يا أمير المؤمنين، فقال: قل، فقلت: أرأيت تلك الليلة ما جرى من الفسوات؟ قال: نعم، قلت: عليّ وعليّ إن كان فساهن غيري، فضحك حتى سقط على قفاه وقال: فلم ويلك ما أخبرتني؟ فقلت: أردت خصالاً، منها أن قمت وقضيت حاجتي، ومنها أخذت جاريتك، ومنها أني كافأتك على أذاك بمثله، حيث منعني رسولك من دفع أذاي، قال: وأين الجارية؟ قلت: ما خرجت من دارك، وأخبرته الخبر. فسر بذلك، وأمر لي بمائتي دينار أخرى، وقال: هذه لجميل فعلك، وتركك أخذ الجارية.

وأخبار حمزة كثيرة وكلها طرف.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «فوات الوفيات»