من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
المستعصم بالله
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
عبد الله بن منصور بن محمد بن أحمد بن الحسن، أمير المؤمنين أبو احمد المستعصم بالله بن المستنصر بالله بن الظاهر بن الناصر بن المستضيء البغدادي، آخر خلفاء بني العباس ببغداد؛ كان ملكهم من سنة اثنتين وثلاثين ومائة إلى سنة ست وخمسين وستمائة.
مولده سنة تسع وستمائة، وبويع له بالخلافة لما توفي والده في العشين من شهر جمادى الأولى سنة أربعين وستمائة، وكانت مدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأياماً، وتقدير عمره سبعاً وأربعين سنة.
وكان متديناً متمسكاً بمذهب أهل السنة والجماعة، على ما كان عليه والده وجده رحمهم الله تعالى، ولم يكن على ما كانوا عليه من التيقظ والهمة، بل كان قليل المعرفة والتدبير والتيقظ نازل الهمة، محباً للمال مهملاً للأمور يتكل فيها على غيره، ولو لم يكن فيه إلا ما فعله مع الملك الناصر داود في الوديعة لكفاه ذلك عاراً وشناراً، والله لو كان الناصر من الشعراء، وقد قصده وتردد عليه على بعد المسافة، ومدحه بعدة قصائد، كان يتعين عليه أن ينعم عليه بقريب من قيمة وديعته من ماله، فقد كان في أجداد المستعصم بالله من استفاد منه آحاد الشعراء أكثر من ذلك، إلى غير ذلك من الأمور التي كانت تصدر عنه، مما لا يناسب منصب الخلافة، ولم يتخلق بها الخلفاء قبله، فكانت هذه الأسباب كلها مقدمات لما أراد الله تعالى بالخليفة والعراق وأهله، وإذا أراد الله تعالى أمراً هيأ أسبابه.
واختلفوا كيف كان قتله، قيل إن هولاكو لما ملك بغداد أمر بخنقه، وقيل رفس إلى أن مات، وقيل غرق، وقيل لف في بساط وخنق، والله أعلم بحقيقة الحال.
وكانت واقعة بغداد، وقتل الخليفة من أعظم الوقائع، قال الشيخ شمس الدين الكوفي الواعظ - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - يذكر خراب بغداد وقتل الخليفة:
عندي لأجل فراقكم آلامفإلام أعذل فيكم والام
من كان مثلي للحبيب مفارقاًلا تعذلوه فالكلام كلام
نعم المساعد دمعي الجاري علىخدي إلا أنه نمام
ويذيب روحي نوح كل حمامةفكأنما نوح الحمام حمام
إن كنت مثلي للأحبة فاقداًأو في فؤادك لوعة وغرام
قف في ديار الظاعنين ونادهايا دار ما صنعت بك الأيام
أعرضت عنك لأنهم مذ أعرضوالم يبق فيك بشاشة تستام
يا دار أين الساكنون وأين ذياك البهاء وذلك الاعظام
يا دار أين زمان ربعك مونقاًوشعارك الإجلال والإكرام
يا دار مذ أفلت نجومك عمناوالله من بعد الضياء ظلام
فلبعدهم قرب الردى ولفقدهمفقد الهدى وتزلزل الإسلام
فمتى قبلت من الأعادي ساكناًبعد الأحبة لا سقاك غمام
يا سادتي أما الفؤاد فشيققلق وأما أدمعي فسجام
والدار مذ عدمت جمال وجوهكملم يبق في ذاك المقام مقام
لا حظ فيها للعيون وليس للأقدام في عرصاتها إقدام
وحياتكم إني على عهد الهوىباقٍ ولم يخفر لدي ذمام
فدمي حلال إن أردت سواكموالعيش بعدكم علي حرام
يا غائبين وفي الفؤاد لبعدهمنار لها بين الضلوع ضرام
لا كتبكم تأتي ولا أخباركمتروى ولا تدنيكم الأحلام
نغصتم الدنيا علي وكلماجد النوى لعبت بي الأسقام
ولقيت من صرف الزمان وجورهما لم تخيله لي الأوهام
يا ليت شعري كيف حال أحبتيوبأي أرض خيموا وأقاموا
مالي أنيس غير بيت قالهصب رمته من الفراق سهام
والله ما اخترت الفراق وإنماحكمت علي بذلك الأيام
ومن الاتفاقات العجيبة: أن أول الخلفاء من آل أبي سفيان معاوية وآخرهم اسمه معاوية، وأول الخلفاء من آل الحكم بن العاص اسمه مروان وآخرهم اسمه مروان، وأول الخلفاء الفاطميين بالمغرب والديار المصرية اسمه عبد الله وآخرهم اسمه عبد الله، وأول الخلفاء من بني العباس عبد الله السفاح وآخرهم عبد الله المستعصم، وعددهم سبعة وثلاثون خليفة، ومدة ملكهم خمسمائة سنة وأربع وعشرون سنة، فسبحان من لا يزول ملكه.
وقال القاضي جمال الدين بن واصل رحمه الله تعالى: أخبرني من أثق بنقله يوم ورود الخبر بتملك التتار بغداد أنه وقف على كتاب عتيق فيه ما صورته: إن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، جد الخلفاء العباسيين، بلغ بعض خلفاء بني أمية عنه أنه يقول: إن الخلافة تصير إلى ولده، فأمر به فضرب وحمل على جمل وطيف به وهم ينادون عليه: هذا جزاء من يفتري ويقول: إن الخلافة تصير إلى ولده، فكان يقول: إي والله لتكونن الخلافة في ولدي ولا تزال فيهم إلى أن يأتيهم العلج من خراسان فينزعها منهم، فوقع مصداق ذلك وهو ورود هلاكو من خراسان وإزالة ملك بني العباس.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي رحمه الله تعالى: توفي الخليفة في أواخر المحرم سنة ست وخمسين وستمائة، وما أظنه دفن، وكان الأمر أعظم من أن يوجد فيؤرخ موته أو يوارى جسده، وراح تحت السيف أمم لا يحصيهم إلا الله تعالى، فيقال إنهم أكثر من ألف ألف، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وخلت بغداد من أهلها، وتشتت من بقي منهم في البلاد.
قال الشيخ شمس الدين الكوفي الواعظ المقدم ذكره يذكر واقعة بغداد ويرثي أهلها ويذكر خرابها:
إن لم تقرح أدمعي أجفانيمن بعد بعدكم فما أجفاني
إنسان عيني مذ تناءت داركمما راقه نظر إلى إنسان
يا ليتني قد مت قبل فراقكمولساعة التوديع لا أحياني
ما لي وللايام شتت صرفهاحالي وخلاني بلا خلان
ما للمنازل أصبحت لا أهلهاأهلي ولا جيرانها جيراني
وحياتكم ما حلها من بعدكمغير البلى والهدم والنيران
ولقد قصدت الدار بعد رحيلكمووقفت فيها وقفة الحيران
وسألتها لكن بغير تكلمٍفتكلمت لكن بغير لسان
ناديتها يا دار ما صنع الأولىكانوا هم الأوطار في الأوطان
أين الذين عهدتهم ولعزهمذلا تخر معاقد التيجان
كالوا نجوم من اقتدى فعليهميبكي الهدى وشعائر الإيمان
قالت غدوا لما تبدد شملهموتبدلوا من عزهم بهوان
كدم الفصاد يراق أرذل موضعٍأبداً ويخرج من أعز مكان
أفنتهم غير الحوادث مثلماأفنت قديماً صاحب الإيوان
لما رأيت الدار بعد فراقهمأضحت معطلةً من السكان
ما زلت أبكيهم وألثم وحشةًلجمالهم مستهدم الأركان
حتى رثى لي كل من لا وجدهوجدي ولا أشجانه أشجاني
أترى تعود الدار تجمعنا كماكنا بكل مسرة وتهاني
إذ نحن نغتنم الزمان ونجتنيبيد الأمان قطوف كل أماني
والدهر تخدمنا جميع صروفهوالوقت يعدينا على العدوان
والعيش غض والدنو ممزقبيد الوصال ملابس الهجران
هيهات قد عز اللقاء وسددتطرق المزار طوارق الحدثان
مالي أردد ناظري ولا أرى الأحباب بين جماعة الإخوان
والهفي واوحدتي واحيرتيواوحشتي واحر قلبي العاني
سرتم فلا سرت النسيم ولا زهازهر ولا ماست غصون البان
مالي أنيس بعدكم إلا البكاوالنوح مالحسرات والأحزان
يا ليت شعري أين سارت عيسكمأم أين موطنكم من البلدان
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع