من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
وضاح اليمن
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد كلال الحميري الخولاني المعروف بوضاح اليمن؛ قيل إنه من الفرس الذين قدموا اليمن مع وهرز لنصرة سيف بن ذي يزن على الحبشة، وكان من حسنه يتقنع في المواسم مخافة العين، وكان يهوى امرأة من اليمن اسمها روضة ويشبب بها في شعره، فمن ذلك قوله:
قالت ألا لا تلجن دارناإن أبانا رجل غائر
قلت فإني طالب غرةًوإن سيفي صارم باتر
قالت فإن القصر من دونناقلت فإني فوقه طائر
قالت فإن البحر من دونناقلت فإني سابح ماهر
قالت فحولي أخوة سبعةقلت فإني لهم حاذر
قالت فليث رابض دونناقلت فإني أسد عاقر
قالت فإن الله من فوقناقلت فربي راحم غافر
قالت فقد أعييتنا حجةًفأت إذا ما هجع السامر
واسقط علينا كسقوط الندى... ليلة لا ناهٍ ولا آمر وهذه الأبيات عدها أرباب البديع في المراجعة؛ وأما هذا المعنى - قوله واسقط علينا كسقوط الندى - فقد اشتهر ونظم الشعراء في معناه كثيراً، وأصله لامرئ القيس حيث قال:
سموت إليها بعدما نام أهلهاسمو حباب الماء حالاً على حال
وما أحسن قول صر در في قصيدته التي أولها:
عسى رائح يأتي بأخبار من غداوهو:
وحي طرقناه على غير موعدٍفما إن وجدنا عند نارهم هدى
وما غفلت أحراسهم غير أنناسقطنا عليهم مثل ما يسقط الندى
ولما وقف بعض الظرفاء على قصيدة وضاح اليمن ووصل إلى قوله: قلت فربي راحم غافر كتب على الحاشية: هذا نياك بالدبوس ما يرجع.
ولما استأذنت أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان الوليد بن عبد الملك في الحج أذن لها وهو خليفة، وهي زوجته، وكتب الوليد يتوعد الشعراء جميعاً أن يذكرها أحد منهم، أو يذكر أحداً ممن معها، فقدمت مكة وتراءت الناس، وتصدى لها أهل الغزل والشعراء، ووقعت عينها على وضاح اليمن فهويته، وأنفذت إلى كثير عزة وإلى وضاح اليمن أن انسبا بي، فكره ذلك كثير وشبب بجاريتها غاضرة، وذلك في قوله:
شجا أظعان غاضرة الغواديوأما وضاح اليمن فإنه صرح،
فبلغ ذلك الوليد فقتله.
وقيل إنه مدح الوليد، فوعدته أم البنين أن تساعده وتعينه على رفده، فقدم على الوليد وأنشده:
صبا قلبي إليك ومال ميلاوأرقني خيالك يا أثيلا
يمانية تلم بنا فتبديدقيق محاسنٍ وتكن غيلا
وهي أبيات مشهورة، فأحسن رفده، ثم نما إليه أنه يشبب بأم البنين، فجفاه وحجبه ودبر في قتله، واختلسه ودفنه في داره.
وقيل إن أم البنين كانت ترسل إليه فيدخل إليها ويقيم عندها، فإذا خافت وارته في صندوق عندها، فأهدي إلى الوليد جوهر فأعجبه، ودعا خادماً وبعث به إلى أم البنين، فدخل عليها مفاجأة ووضاح عندها، فرآه وقد وارته في الصندوق، فقال لها: يا مولاتي هبي لي منه حجراً، فقالت: يا ابن اللخناء: لا كرامة فرجع الخادم إلى الوليد وأخبره الخبر، فقال له: كذبت، وأمر به فوجئت عنقه، ثم أتى أم البنين وهي تمشط في بيتها، وقد وصف له الخادم الصندوق، فجاء فجلس عليه وقال لها: يا أم البنين ما أحب إليك هذا البيت من دون البيوت، فلم تختارينه؟ قالت: أختاره لأنه يجمع حوائجي كلها، فأتناولها منه من قريب على ما أريد، قال لها: هبي لي صندوقاً من هذه الصناديق، فقالت: كلها لك يا أمير المؤمنين، فقال: ما أريد كلها وإنما أريد واحداً منها، فقالت: خذ أيها شئت، قال: هذا الذي جلست عليه، قالت: غيره خذ فإن لي فيه أشياء أحتاج إليها قال: ما أريد غيره، قالت: خذه، فدعا بالخدم، وأمرهم بحمله حتى انتهى به إلى مجلسه، وحفر بئراً عميقاً في المجلس إلى أن وصل إلى الماء، ووضع الصندوق على شفير البئر، ودنا منه وقال: يا صندوق إنه بلغنا شيء، فإن كان حقاً فقد كفيناك ودفناك وقطعنا ذكرك إلى آخر الدهر، وغن كان باطلاً فإنما دفنا الخشب وما أهون ذلك، ثم قذف به في البئر وهال عليه التراب، وسويت الأرض، ورد البسط إلى حاله، وجلس الوليد، وما رأى الوليد ولا أم البنين في وجه واحد منهما أثراً حتى فرق الدهر بينهما.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع