من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
الحريري شيخ الطائفة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
علي بن الحسن بن منصور، الشيخ أبو الحسن الحريري؛ قال الشيخ شمس الدين: شيخ الفقراء الحريرية أولي الطيبة والسماعات والشاهد، كان له شأن عجيب ونبأ غريب، وهو حوراني من عشيرة يقال لهم " بنو الزمان " بقرية بسر، وقدم دمشق صبياً ونشأ بها، وذكر هو أنه من قوم يعرفون ببني قرقر، وكانت أمه دمشقية من ذرية الأمير قرواش بن المسيب العقيلي، وكان خاله صاحب دكان في الصاغة؛ توفي والده وهو صغير، ونشأ في حجر عمه، وتعلم صناعة العتابي وبرع فيها حتى فاق الأقران، ثم صحب الشيخ أبا علي المغربل خادم الشيخ رسلان.
قال الحافظ سيف الدين ابن المجد: علي الحريري وطئ أرض الجبل ولم يمكنه المقام به، والحمد لله، كان من أفتن شيء وأضره على الإسلام، تظهر منه الزندقة والاستهزاء بأوامر الشرع ونواهيه، بلغني من الثقات عنه أشياء يستعظم ذكرها من الزندقة والجرأة على الله تعالى، وكان مستخفاً بأمر الصلاة وانتهاك الحرمات.
ثم قال: حدثني رجل أن شخصاً دخل الحمام، فرأى الحريري في الحمام ومعه صبيان حسان بلا ميازر، فجاء إليه وقال: ما هذا؟ فقال: كأن ليس سوى هذا، وأشار إلى أحدهم: تمدد على وجهك، فتمدد، فتركه الرجل وخرج هارباً مما رأى.
قال الشيخ شمس الدين: رأيت جزءاً من كلامه من جملته: إذا دخل مريدي بلد الروم فتنصر وأكل لحم الخنزير وشرب الخمر كان في شغلي. وسأله رجل: أي الطرقات أقرب إلى الله حتى أسير فيه؟ فقال له: اترك السير وقد وصلت، وهذا مثل قول العفيف التلمساني:
فلسوف تعلم أن سيرك لم يكنإلا إليك إذا بلغت المنزلا
وقال لأصحابه: بايعوني على أن نموت يهود ونحشر إلى النار حتى لا يصاحبني أحد لعلة؛ وقال: ما يحسن بالفقير أن ينهزم من شيء، وإذا خاف من شيء قصده؛ وقال: لو قدم علي من قتل ولدي وهو بذلك طيب كنت أطيب منه.
ومن شعره في ذلك الجزء:
أمرد يقدم مداسيأخير من رضوانكم
وربع قحبه عنديأحسن من الولدان
قالوا أنت تدعى صالحدع عنك هذه الخندقة
قلت السماع يصلح ليبالشمع والمردان
ما أعرف لآدم طاعهإلا سجود الملايكه
وما أعرف آدم عصى اللهيعظم الرحمن وله:
إن كنت أقجي تقدموإن كنت رماح انتبه
وإن كنت حشو المخدهاخرج ورد الباب
أو ذا اشتهي قبل موتيأعشق ولو صورة حجر
أنا مثكل محيروالعشق بي مشغول ومن شعره:
كم تتعبني بصحبة الأجسادكم تسهرني بلذة الميعاد
جد لي بمدامة تقوي رمقيوالجنة جد بها على الزهاد
وكان يلبس الطويل والقصير والمدورة والمفرج والأبيض والأسود، والقلنسوة وحدها، وثوب المرأة، والمطرز والملون.
وذكر بهاء الدين يوسف بن أحمد بن العجمي أن القاضي مجد الدين ابن العديم حدثه عن أبيه قال: كنت أكره الحريري وطريقه، فاتفق أن حججت وحج الحريري ومعه جماعة ومردان، فأحرموا وبقوا تبدو منهم في الإحرام أمور منكرة، فحضت يوماً عند أمير الحاج، فجاء الحريري، واتفق حضور إنسان بعلبكي ومعه ملاعق، ففرق علينا كل واحد ملعقتين ملعقتين، وأعطى الشيخ علي الحريري واحدة، فأعطاه الجماعة ملاعقهم تكرمة له، وأما أنا فلم أعطه ملعقتي، فقال لي: يا كمال الدين، لم لا توافق الجماعة؟ فقلت: ما أعطيك شيئاً، فقال: الساعة نكسرهما، قال: والملعقتان على ركبتي، قال: فنظر إليهما وإذا بهما قد انكسرتا كل واحدة شقفتين، فقلت: ومع هذا فلا أرجع عن أمري فيك، وهذا من الشيطان، أو قال: هذا حال شيطاني.
وذكر النسابة في تعاليقه قال: وفي سنة ثمان وعشرين وستمائة أمر الصالح بطلب الحريري واعتقاله، فهرب إلى بسر، وسببه أن ابن الصلاح وابن عبد السلام وابن الحاجب أفتوا بقتله لما اشتهر عنه من الإباحة وقذف الأنبياء والفسق وترك الصلاة، وقال الملك الصالح: أعرف منه أكثر من هذا. وسجن الوالي جماعة من أصحابه، وتبرأ منه أصحابه وشتموه، ثم طلب وحبس بعزتا، فجعل أناس يترددون إليه، فأنكر الفقهاء ذلك، وسألوا الوزير ابن مرزوق أن يعلم الواجب فيه، وإلا قتلناه نحن، وكان ابن الصلاح يدعو عليه في أثناء كل صلاة بالجامع جهراً، وكتب جماعة من أصحابه بالبراءة عليه منه.
ولما مات سنة خمس وأربعين وستمائة سن أصحابه المحيا في شهر رمضان كل ليلة سبعة وعشرين، وهي من ليالي القدر، فيحيون تلك الليالي الشريفة بالدفوف والشبابات والملاح بالرقص إلى السحر، وفي ذلك يقول علاء الدين الوداعي:
حاز الحريري فضلاًلميت ما تهيا
في كل ليلة قدريرى له الناس محيا وفيه يقول سيف الدين المشد:
سمعت بأن حبركم علياًحباه الله منه بالحبور
إذا حضر السماع يتيه عجباًبما أوتيه من عزم الأمور
فلا تولوه تعنيفاً ولوماًفما تدرون أسرار الصدور
ومن ذا في السماع له مقامإذا سمعت مقامات الحريري ورثاه النجم ابن إسرائيل بقصيدته التي أولها:
خطب كما شاء الإله جليلذهلت لديه بصائر وعقول
ومصيبة كسفت لها شمس الضحىوهفا ببدر المكرمات أفول
وكبا زناد المجد وانفصمت عرى العلياء واغتال الفضائل غول
وتنكرت سبل المعارف واغتدتغفلاً وأقفر ربعها المأهول
ومضت بشاشة كل شيء وانقضتفالوقت قبض والزمان عليل
وعلا ملاحات الوجوه سماجةوخفيف تلك الكائنات ثقيل
والروض أغبر والمياه أواجنومعاطف الأغصان ليس تميل
والشمع والألحان لا نور ولاطرب وليس على الشهود قبول
خطب ألم بكل قطر نعيهكادت له شم الجبال تزول
فعلى المعاني والعلوم كآبةوعلى الحقائق ذلة وخمول
والسالكون سطت عليهم حيرةوغوى لهم نهج، وضل سبيل
والعارفون تنكرت أحوالهمفحجاب عين قلوبهم مسدول
ودنان خمر الحب قد ختمت وباب ألحان مهجور الفنا مملول
ما كنت أعلم والحوادث جمةوالناس فيهم عالم وجهول
أن الدجى ليس الحداد توقعاًلمصابه قدماً وذاك قليل
أو أن صوب المزن حين همى علىعفر الثرى دمع عليه يسيل
أو أن صوت الرعد حنة فاقدفقد العلا فله عليه عويل
أو أن قلب البرق يحقق روعةلسماع ما ناعي علاه يقول
أإمامنا يا أوحد العصر الذيما إن له فيمن نراه عديل
يا سيداً ملك القلوب فكلهاعن حق طاعة أمره مسئول
من يبرد المهج الحرار ومن لهاببلوغ آمال الوصال كفيل
أمن يدل السالكين إلى حمىليلى وقد ضل السبيل دليل
أمن يقول الحق لا متخوفاًحيث النفوس على السيوف تسيل
أمن يحل المشكلات بلفظةيرضى بها المنقول والمعقول
أمن يفي بضمان حان مدامةحبل النجاة بدنها موصول
أمن يبيح المفلسين سلافهاًويجول بين دنانها ويصول
أمن يهيم الجمال به صبابةفكأنما رب الجمال جميل
يصبوا إليه قلب من هو عند أرباب القلوب معشق مقبول
من كل فتاك اللواحظ ما رناإلا تشحط في الدماء قتيل
نشوان عساك المعاطف فاتر الأجفان خمر رضابه معسول
بهواه لا يصغي لقول مفندأبداً ولا يثنيه عنه عذول
وغريرة الألحاظ ناعمة الصباريا الإزار وخصرها مهزول
حوراء مائسة المعاطف طرفهاسيف على عشاقها مسلول
كل يهيم بحبه، وكذاك منملك الإرادة أمره المفعول
مولاي دعوة من دعته مصيبةغطت عليه فعقله معقول
حاشا علاك من الممات وإنماهي نقله فيها المنى والسول
ناداك من أحببته فأجبتهوأتاك منه بالقبول رسول
وحننت نحو حماك حنة صادقلم يقتطعه عن حماك بديل
فخلعت هيكلك السعيد مطهراًتبدو عليه نضرة وقبول
جسد خلا وحلا وخف كأنماقد ضم منه الحامل المحمول
حتى حللت محلك الأعلى الذيما بعده بعد ولا تحويل
فهناك عرس للوصال مجددوسعادة تبقى وليس تزول
جادت ثراك من السحاب ثرةوكفت دموع قد وكفن همول
وتعاهدتك تحية وكرامةمنه يروح بها صباً وقبول
وعدت علينا من حماك تحيةوبحسبنا من تربك التقبيل واتفق أن ليلة وفاته كانت شاتية مثلجة،
فقال ابن إسرائيل:
بكت السماء عليه ساعة دفنهبمدامع كاللؤلؤ المنثور
وأظنها فرحت بمصعد روحهلما سمت وتعلقت بالنور
أو ليس دمع الغيث يهمي بارداًوكذا تكون مدامع المسرور
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع