تجاوز إلى المحتوى

من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)

ابن الثردة الواعظ

فيه ٣٦ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

علي بن إبراهيم بن علي بن معتوق بن عبد المجيد بن وفا، المعروف بابن الثردة الواعظ الواسطي الأصل البغدادي المنشأ؛ سألته عن مولده فقال: بكرة الإثنين ثاني عشرين شعبان سنة سبع وتسعين وستمائة.

قدم إلى دمشق مرات ووعظ بها بالجامع الأموي، ثم حصل له خلط سوداوي فتغير حاله، وكان يدعي في هذه الحالة أنه كانت له ببغداد كتب تقدير ألفي مجلدة، وأن جماعة من التجار الذين قدموا دمشق اغتصبوها وقدموا بها دمشق وأباعوها، وكان ذلك كله من مخيلة السوداء، فساءت حاله وأضرت به، والتحق بعقلاء المجانين، وكان يتخذ كارة يحملها تحت إبطه لا يفارقها ليلاً ولا نهاراً، بحيث أنه كان إذا دخل الحمام أو الطهارة يكون جالساً وهي تحت إبطه، وكلما وجد خيطاً أو حبلاً شدها به، فلا تزال في نمو وزيادة وهو حاملها، وكان يقول: لو دفع لي فيها ملك مصر ما أبعتها، ويقول: هي أشهى إلي من خاتمة الخير، والله لو خيرت بين دخول الجنة بلا كارتي أو دخول النار وكارتي معي اخترت دخول النار على دخول الجنة. وكان ينظم الشعر الجيد في هذه الحالة، وكان إذا دفع إليه أحد شيئاً من دراهم أو غيرها لا يقبل منه، ويقول: من أنت؟ أظن عندك شيء من كتبي فأنت تبرطلني على ذلك، ولا يقبل لأحد شيئاً إلا بعد الجهد؛ وكانت وفاته بمارستان ابن سويد في أوائل سنة خمسين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.

ولما توفي فتحت كارته فما وجد فيها سوى جزاز بخطه وكراريس وعظيات وشعر تغزل وغيره.

أنشدني لنفسه:

أضحى جمالك للورى أعجوبةكل الورى قد قيدوا بقياده
فوحق من سواك يا بدر الدجىما أنت إلا فتنة لعباده وقال:
لي حبيب خياله نصب عينيأينما كنت وجهه مرآتي
يتجلى لطور سيناء قلبيفتراني أخر من صعقاتي
ليتني ما عدمته من حبيبأتراءاه من جميع جهاتي
وإذا لاح أو تجلى لعينيكدت أقضي من شدة الحسرات
هو ناري وجنتي ومماتيوحياتي في السر والخلوات
لست مهما حييت أنساه أصلالا ولا ساعةً من الساعات وأنشدني لنفسه:
سبحان من أبدى جمالك للورىعجباً يحار العقل في تصويره
وصفوك غاية وصفهم لكنهملم يدركوا مقدار عشر عشيره
لو كان يوسف في زمانه فقتهحسناً وكنت تكون فوق سريره
اعطف على عبدٍ ملكت قيادهفالعبد لم يرحمه غير أميره وأنشدني لنفسه:
يا دار علوة لا عداك غماممني عليك تحية وسلام
فلقد تقضت لي بربعك عيشةزمن الصبا إذ لست فيك ألام
مع فتية حلوا ببطحاء الحمىولهم بقلبي مربع ومقام
يحمون بالبيض النزيل حميةومن استجار بهم فليس يضام
انظر إليهم كيف تضرم نارهمللطارقين إذا ألم ظلام
ترهم إذا ما الليل جن عليهموهم سجود في الدجى وقيام
لولاهم ما كان يعرف ما الهوىكلا ولا بيع النفوس يسام

وقال أيضاً عفا الله عنه:

بالجامع الأموي ظبي أهيفما في الملاح كحسنه وجماله
هو بدر تم والقلوب بروجهيخفي البدور بنور عز جلاله
وإذا تثنى مائساً في مشيهفضح الغصون بلينه ودلاله وقال:
ولما تجلى من أحب لناظريخررت من الأشواق صعقا إلى الأرض
وإني لأتلو ذكره وحديثهوسمعي به يلتذ في النفل والفرض

وقال مواليا:

لك وجه يحكي فتات السكر المصريوقد يشبه قضيب البان لي يمري
وردف ما ريت مثله قط في عصرييا ليته حظ علي بن الثردة المقري وأنشدني لنفسه من موشح:
أيها النائم كم هذا الرقادانتبه كم نوم
انتبه من ذا الكرى يا ذا الجمادتلتحق بالقوم
وتأهب لغدٍ يوم المعاديا له من يوم
وافعل الخير لتحظى بالنجاحلا تكن كسلان
واجتهد فالمجتهد يلقى الفلاحويرى الإحسان
قد تقضى العمر دع لهو الصباأيها الغافل
لا تكن ممن إلى الجهل صباتعس الجاهل
كل شيء تهب الدنيا هباليس بالطائل
كم حريص خلف الدنيا وراحلابس الأكفان
وأخو الفقر توفي فاستراحقلبه التعبان

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «فوات الوفيات»