من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
عروة بن حزام
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
عروة بن حزام العذري، أحد متيمي العرب ومن قتله الغرام، ومات عشقاً في حدود الثلاثين للهجرة في خلافة عثمان ﵁، وهو صاحب عفراء التي كان يهواها، وكانت ترباً له يلعبان معاً، فألف كل واحد منهما بصاحبه، وكان عمه عقال يقول لعروة: أبشر فإن عفراء امرأتك إن شاء الله تعالى، فلم يزالا إلى أن التحق عروة بالرجال وعفراء بالنساء، وكان عروة قد رحل إلى عم له باليمن ليطلب منه ما يمهر به عفراء لأن أمها سامته كثيراً في مهرها، فنزل بالحي رجل ذو يسار ومالٍ من بني أمية فرأى عفراء فأعجبته، فبذل لها كثيراً من المال، فلم تزل أمها بأبيها إلى أن زوجها منه، فلما أهديت إليه قالت:
يا عرو إن الحي قد نقضوا... عهد الإله وحالفوا الغدرا وارتحل الأموي بعفراء إلى الشام، وعمد أبو عفراء إلى قبر فجدده وسواه وسأل أهل الحي كتمان أمرها، ثم وفد عروة بعد أيام فنعاها أبوها إليه، وذهب به إلى ذلك القبر، وبقي مدة يختلف إليه، فأتته جارية من الحي فأخبرته بالقصة فرحل الرجل إلى الشام وقصد الرجل وانتسب له في عدنان فأكرمه، وبقي عنده أياماً، فقال لجارية عفراء: هل لك في يد تولينيها؟ قالت: وما هي؟ قال: هذا الخاتم تدفعينه إلى مولاتك، فأبت عليه، فعرفها وقال: اطرحي هذا الخاتم في صبوحها فإن أنكرته قولي: إن ضيفك اصطبح قبلك، ووقع من يده، فلما فعلت الجارية ذلك عرفت عفراء الخبر، فقالت لزوجها: إن ضيفك ابن عمي، فجمع بينهما وخرج وتركهما وأوقف من يسمع ما يقولانه، فتشاكيا وتباكيا طويلاً، ثم أتته بشراب وسألته أن يشربه فقال: والله ما دخل جوفي حرام قط ولا ارتكبته وأنت حظي من الدنيا، وقد ذهبت مني وذهبت منك فما أعيش بعدك، وقد أجمل هذا الرجل الكريم وأنا مستحي منه ولا أقيم بمكانه بعد علمه بي، وإني لأعلم أني أرحل إلى منيتي، ثم بكى ويكت، وجاء زوجها فأخبره الخادم بما جرى بينهما فقال لها: يا عفراء امنعي ابن عمك من الرحيل، قالت: لا يمتنع، فدعاه وقال: يا أخي اتق الله في نفسك فقد عرفت خبرك، وإن رحلت تلفت، ووالله ما أمنعك من الاجتماع بها أبداً، وإن شئت فارقتها، فجزاه خيراً وقال: كان الطمع فيها آفتي، والآن فقد صبرت نفسي ويئست منها، واليأس يسلي، ولي أمور ولا بد من الرجوع إليها، فإن وجدت بي قوة لذلك، وإلا عدت إليكم وزرتكم حتى يقضي الله في أمري ما يشاء، فزوده وأكرموه، وأعطته عفراء خماراً لها، فلما سار عنها نكس بعد صلاحه وأصابه غشي وخفقان، وكان كلما أغمي عليه ألقى عليه غلامه ذلك الخمار فيفيق، فلقيه في الطريق ابن مكحول عراف اليمامة، فجلس عنده وسأله عما به، وهل هو خبل أم جنون؟ فقال له عروة: ألك علم بالأوجاع؟ قال: نعم، فأنشأ عروة يقول:
أقول لعراف اليمامة داونيفإنك إن داويتني لطبيب
فوا كبدا أمست رفاتاً كأنمايلذعها بالموقدات لهيب
عشية لا عفراء منك قريبةفتسلو ولا السلوان منك قريب
فوالله ما أنساك ما هبت الصباوما أعقبتها في الرياح جنوب
عشية لا خلفي مكر ولا الهوىأمامي ولا يهوى هواي غريب
وإني لتغشاني لذكراك فترةكأن لها بين الضلوع دبيب
قال الأخباريون: ومات في سفرته تلك قبل أن يصل إلى حيه بثلاث ليال، وبلغ عفراء خبره فجزعت جزعاً شديداً، وقالت ترثيه:
ألا أيها الركب المخبون ويحكمأحقاً نعيتم عروة بن حزام
فلا يهنأ الفتيان بعدك لذةولا رجعوا من غيبةٍ بسلام
وقل للحبالى لا يرجين غائباًولا فرحاتٍ بعده بغلام ولم تزل تنشد الأشعار وتندبه وتبكيه إلى أن ماتت بعده بأيام قلائل.
وعن أبي صالح قال: كنت مع ابن عباس يعرفه، فأتاه فتيان يحملون فتى لم يبق إلا خياله، فقالوا: يا ابن عم رسول الله ﷺ ادع الله تعالى له، قال: وما به؟ فقال الفتى:
بنا من جوى الأحزان في الصدر لوعةتكاد لها نفس الشفيق تذوب
ولكنما أبقى حشاشة معولٍعلى ما به عود هناك صليب
قال: ثم خفت في أيديهم فإذا هو قد مات، فما رأيت ابن عباس سأل الله تعالى في عيشته إلا العافية مما ابتلي به ذلك الفتى، قال: وسألت عنه فقيل لي: هذا عروة بن حزام.
ومن شعر عروة:
خليلي من عليا هلال بن عامربصنعاء عوجا اليوم وانتظراني
ولا تزهدا في الأجر عندي وأجملافإنكما بي اليوم مبتليان
ألما عن عفراء إنكما غداًبوشك النوى والبين معترفان
فيا واشيي عفراء ويحكما بمنومن وإلى من جئتما تشيان
بمن لو أراه عانياً لفديتهومن لو رآني عانياً لفداني
متى تكشفا عني القميص تبينابي السقم من عفراء يا فتيان
فقد تركتني لا أعي لمحدثٍحديثاً وإن ناجيته ودعاني
جعلت لعراف اليمامة حكمهوعراف نجدٍ إن هما شفياني
فما تركا من حيلةٍ يعلمانهاولا شربة إلا وقد سقياني
ورشا على وجهي من الماء ساعةًوقاما مع العواد يبتدران
وقالا: شفاك الله، والله ما لنابما ضمنت منك الضلوع يدان
فويل على عفراء ويل كأنهعلى الصدر والأحشاء حد سنان
أحب ابنة العذري حباً وإن نأتودانيت منها حيثما تريان
إذا رام قلبي هجرها حال دونهشفيعان من قلبي لها جدلان
إذا قلت لا قالا بلى ثم أصبحاجميعاً على الرأي الذي يريان
تحملت من عفراء ما ليس لي بهولا للجبال الراسيات يدان
فيا رب أنت المستعان على الذيتحملت من عفراء منذ زمان
كأن قطاةً علقت بجناحهاعلى كبدي من شدة الخفقان
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع