من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
ابن ظافر الأزدي
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
علي بن ظافر بن حسين الفقيه، الوزير جمال الدين أبو الحسن الأزدي المصري ابن العلامة أبي منصور، ولد سنة سبع وستين وخمسمائة، وتفقه على والده؛ وتوفي سنة ثلاث وعشرين وستمائة.
قرأ الأدب وبرع فيه، وقرأ على والده الأصول، وبرع في علم التاريخ وأخبار الملوك، وحفظ في ذلك جملة وافرة، ودرس بمدرسة المالكية بمصر بعد أبيه، وترسل إلى الديوان العزيز، وولي وزارة الملك الأشرف، ثم انصرف عنه ودخل مصر، وولي وكالة بيت المال مدة، وكان متوقد الخاطر طلق العبارة، ومع تعلقه بالدنيا له ميل كثير إلى أهل الآخرة، محباً لأهل الدين والصلاح.
أقبل في آخر عمره على مطالعة الأحاديث النبوية وأدمن النظر فيها؛ روى عنه القوصي وغيره، وله تواليف: منها " الدولة المنقطعة " وهو كتاب مفيد جداً في بابه، و " بدائع البدائة " والذيل عليه، و " أخبار الشجعان " و " أخبار الملوك السلجوقية " و " أساس السياسة " و " نفائس الذخيرة " ولم يكمل ولو كمل ما كان في الأدب مثله، وكتاب " التشبيهات "، وكتاب " من أصيب " وابتدأ بعلي ﵁، وغير ذلك.
ومن شعره:
إني لأعجب من حبي أكتمهجهدي وجفني بفيض الدمع يعلنه
وكون من أنا أهواه وأعشقهيخرب القلب عمداً وهو يسكنه
وأعجب الكل أمراً أن مبسمهمن أصغر الدر جرماً
وهو أثمنه وله أيضاً:
كم من دم يوم النوى مطلولبين رسوم الحي والطلول
بانوا فلا جسم ولا ربع لهمإلا رماه البين بالنحول
يا راحلين والفؤاد معهممسابق في أول الرعيل
ردوا فؤادي إنه ما باعكمإياه إلا طرفي الفضولي
ورب ظبي منكم يخاف منسطوة عينيه أسود الغيل
أنار منه الوجه حتى كدت أنأقول، لولا الدين، بالحلول
ينقص بالعلة كل كاملفي الحسن غير لحظه العليل
وقال في " بدائع البدانة ": اجتمعنا ليلة من ليالي رمضان بالجامع، فجلسنا بعد انقضاء الصلاة للحديث، وقد وقد فانوس السحور، فاقترح بعض الحضور على الأديب أبي الحجاج يوسف بن علي المعروف بالنعجة أن يصنع قطعة من فانوس السحور، وإنما طلب بذلك إظهار عجزه، فصنع:
ونجم من الفانوس يشرق ضوؤهولكنه دون الكواكب لا يسري
ولم أر نجم قط قبل طلوعهإذا غاب ينهي الصائمين عن الفطر
فقلت له: هذا التعجب لا يصح؛ لأنا قد رأينا نجوماً لا تدخل تحت الحصر ولا تحصى بالعدد إذا غارت تنهي الصائمين عن الفطر وهي نجوم الصباح، فأسرف الجماعة في تقريعه، وأخذوا في تمزيق عرضه وتقطيعه، فصنع أيضاً:
هذا لواء سحور يستضاء بهوعسكر الشهب في الظلماء جرار
والصائمون جميعاً يهتدون بهكأنه علم في وسطه نار
ولما أصبحنا سمع من كان غائباً من أصحابنا ما جرى بيننا، فصنع الرشيد أبو عبد الله محمد بن منانو رحمه الله تعالى:
أحبب بفانوس غدا صاعداًوضوؤه دان من العين
يقضي بصوم وبفطر معاًفقد حوى وصف الهلالين وصنع الفقيه أبو محمد العقيلي:
وكوكب من ضرام الزند مطلعهتسري النجوم ولا يسري إذا رقبا
يراقب الصبح خوفاً أن يفاجئهفإن بدا طالعاً في أفقه غربا
كأنه عاشق وافى على شرفيرعى الحبيب فإن لاح الرقيب خبا
ثم إني صنعت بعد ذلك:
ألست ترى شخص المنار وعودهعليه لفانوس السحور لهيب
كحامل منظوم الأنابيب اسمرعليه سنان بالدماء خضيب
ترى بين زهر الزهر منه شقيقةلها العود غصن والمنار كثيب
وتبدو كخد أحمر والدجى لمىبدا فيه ثغر للنجوم شنيب
كأن لزنجي الدجى من لهيبهومن خفقه قلب عراه وجيب
تراه يراعي الشهب ليلاً فإن دناطلوع صباح حان منه غروب
فهل كان يرعاها لعشق ففر إذدرى أن رومي الصباح رقيب وقلت في اختصار المعنى الأول من هذه القطعة:
انظر إلى المنار والفانوس فيه يرفع
كحامل رمحاً سنانه خضيب يلمع وقلت:
ألست ترى حسن المنار ونورهيرفع من جنح الدجنة أستارا
" تراه إذا جن الظلام مراقباًله مضرماً في قلب فانوسه نارا "
كصب نجود من بني الزنج سامهاوصالاً وقد أبدى لترغب دينارا وقلت:
وليلة صوم قد سهرت بجنحهاعلى أنها من طيبها تفضل الدهرا
حكى الليل فيها سقف ساج مسمراًمن الشهب قد أضحت مساميره تبرا
وقام المنار المشرق اللون حاملاًلفانوسه والليل قد أظهر الزهرا
كما قام رومي بكأس مدامةوحيا بها زنجية وشحت درا وحين صنعت هذه القطع صنع شهاب الدين يعقوب:
رأيت المنار وجنح الظلاممن الجو يسدل أستاره
وحلق في الجو فانوسهفذهب بالنور أقطاره
فقلت المحلق قد شب فيظلام الدجى للقرى ناره
وخلت الثريا يداً والنجومورقاً غدا البدر قسطاره
وخلت المنار وفانوسهفتى قام يصرف ديناره وأنشدني كمال الدين ابن نبيه لنفسه:
حبذا في الصيام مئذنة الجامع والليل مسبل أذياله
خلتها والفانوس إذ رفعتهصائداً واقفاً لصيد الغزاله وأنشدني أبو القاسم نفطويه لنفسه:
يا حبذا رؤية الفانوس في شرفلمن يريد سحوراً وهو يتقد
كأنما الليل والفانوس مرتفعفي الجو أعور زنجي به رمد
وله أيضاً:
نصبوا لواء للسحور وأوقدوامن فوقه ناراً لمن يترصد
فكأنه سبابة قد قمعتذهباً فأومت في الدجى تتشهد وأنشدني أبو يحيى السلولي لنفسه:
وليلة ملئت أسدافها لعساًواستوضحت غرر من زهرها شنبا
ولاح كوكب فانوس السحور علىإنسان مقلتها النجلاء واشتهبا
حتى كأن دجاها وهو ملتهبزنجية حملت في كفها ذهبا وصنع أبو العز مظفر الأعمى:
أرى علماً للناس في الصوم ينصبعلى جامع ابن العاص أعلاه كوكب
وما هو في الظلماء إلا كأنهعلى رمح زنجي سنان مذهب
ومن عجب أن الثريا سماؤهامع الليل تلهي كل من يترقب
فطوراً تحييه بباقة نرجسوطوراً يحييها بكأس تلهب
وما الليل إلا قانص لغزالةبفانوس نار نحوها يتطلب
ولم أر صياداً على البعد قبلهإذا قربت منه الغزالة يهرب
ومن شعر ابن ظافر:
وقد بدت النجوم على سماءتكامل صحوها في كل عين
كسقف أزرق من لازوردبدت فيه مسامر من لجين ومنه:
والليل فرع بالكواكب شائبفيه مجرته كمثل المفرق
ولربما يأتي الهلال ببحرهمتصيداً حوت النجوم بزورق
حتى إذا هبت على الماء الصباوألاح نور تمامه بالمشرق
أبدى لنا علماً بهيجاً مذهباًقد لاح في تجعيد كم أزرق
وحكى برادة عسجد قد رام صانعها يؤلف بينها بالزئبق
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع