تجاوز إلى المحتوى

من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)

الصاحب بهاء الدين ابن حنا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

علي بن محمد بن سليم، الصاحب الوزير الكبير بهاء الدين ابن حنا المصري، أحد رجال الدهر حزماً وعزماً ورأياً ودهاء وتصرفاً، استوزره الظاهر وفوض إليه الأمور، ولم يكن على يده يد، وقام بأعباء المملكة، وكان واسع الصدر عفيفاً نزهاً لا يقبل لأحد شيئاً إلا أن يكون من الصلحاء والفقراء، وكان قائلاً بهم: يحسن إليهم ويحترمهم ويدر عليهم الصلات، وقد قصده غير واحد بالأذى فلم يجدوا ما يتعلقون به عليه، ووزر بعد الظاهر لابنه السعيد، وزادت رتبته، وله مدرسة وبر وأوقاف. ابتلي بفقد ولديه: فخر الدين ومحيي الدين فصبر وتجلد، وعاش أربعاً وسبعين سنة، وتوفي سنة سبع وسبعين وستمائة.

وحكي أن من جملة سعادته أول وزارته أنه نزل إلى دار الوزير الفائزي ليتبع ودائعه وذخائره، فوجد ورقة فيها أسماء من أودع عنده أمواله، فعرف الحاضرون كل من سمي في الورقة، وطلب وأخذ المال منه، وكان في جملة الأسماء مكتوب: الشيخ ركن الدين أربعون ألف دينار، فلم يعرف الحاضرون من هو الشيخ ركن الدين، ففكر الصاحب زماناً وقال: احفروا هذا الركن، وأشار إلى ركن الدار، فحفروه فوجدوا الذهب.

وكان ينتبه قبل الأذان للصبح، ويشرب قدحاً فيه ثماني أواق شراب بالمصري، ويأكل طيري دجاج مسلوقة، فإذا أذن صلى الصبح وركب إلى القلعة، وأقام طول نهاره لا يأكل شيئاً في المباشرة ويظن أنه صائم، وهو في الحقيقة صائم لا يحتاج إلى غداء مع ذلك الشراب والدجاج، وكان الملك الظاهر يعظمه ويدعوه يا أبي.

وحكي أن الأمراء الكبار اشتوروا فيما بينهم أنهم يخاطبون الملك الظاهر في عزل الصاحب بهاء الدين، وكانوا قد قرروا أن ابن بركة خان هو الذي يفتح الباب في ذلك، والأمراء يراسلونه، فبلغ السلطان ذلك، وكانوا قد عزموا على مخاطبته في بكرة ذلك النهار في الخدمة، فلما جاءوا ثاني يوم ادعى السلطان أنه أصبح به مغس منعه عن الجلوس للخدمة، فجلس الأمراء إلى أن تعالى النهار ثم خرج إليهم جمدار وقال لهم: باسم الله ادخلوا، فدخلوا يعودون السلطان، فوجدوه متقلق، فجلسوا عنده ساعة، فجاءه خادم وقال: خوند كان مولانا السلطان قد دفع إلي في وقت قعبة صيني فيها حلاوة يقطين وقال لي: دعها عندك فإن هذه أهداها لي رجل صالح، وهي تنفع من الأمراض، فقال السلطان: نعم، أحضرها، فأحضرها، فأكل منها شيئاً قليلاً، وادعى أنه سكن ما يجده من الألم، ففرح الأمراء وسروا بذلك، فقال: يا أمراء تعرفون الذي أهدى إلي هذه الحلاوة؟ فقالوا: لا، قال: هذا أبي الصاحب بهاء الدين، فسكتوا، فلما خرجوا قال بعضهم لبعض: إذا كان يعتقد أن طعامه يشفي من المرض أي شيء تقولون فيه؟!

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «فوات الوفيات»