من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
علاء الدين ابن غانم
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
علي بن محمد بن سلمان بن حمائل، الشيخ الفاضل البليغ الكاتب الشاعر، صدر الشام بقية الأعيان، الشيخ علاء الدين ابن غانم - تقدم تمام نسبه في ترجمة أخيه الشيخ شهاب الدين -؛ توفي بتبوك سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، وله ست وثمانون سنة.
كان حسنة من حسنات الزمان، وبقية مما ترك الأعيان، ذا مروءة فاتت الواصف، وجود أخجل الغمام الواكف، تأذى من الدولة مرات، وما رجع عما له في الخير والعصبية من كرات.
قال الشيخ صدر الدين ابن الوكيل: ما أعرف أحداً في الشام إلا ولعلاء الدين ابن غانم في عنقه منة قلدها بصنيعه أو جاهه أو ماله، وكان الشيخ كمال الدين الزملكاني يكرهه ويقول: ما أدري ما أعمله بهذا علاء الدين ابن غانم؟ إني من أردت أن أذكره عنده بسوء يقول: ما في الدنيا مثل علاء الدين ابن غانم.
" وكانت كراهته له بسبب، وهو أنه شغر منصب القضاء بدمشق، فكتب جمال الدين الأفرم نائب السلطنة مطالعة يذكر فيها من يصلح للقضاء، فعين الشيخ صدر الدين ابن الوكيل وابن الزملكاني وابن الشريشي وغيرهم، وكتب في الجملة نجم الدين ابن صصرى، وكان بين ابن صصرى وابن غانم تودد عظيم وإدلال وعشرة عظيمة، وكان عند الأفرم حجرة عربية ليس لها نظير، وكان يحبها، وكان سلار والجاشنكير كل منهما قد طلبها وهو يدافع عنها، ولا تسمح نفسه بفراقها، فأخذ ابن غانم علامة الأفرم وكتب عليها كتاباً بخطه يقول لسلار: أحب أن تجعل ولاية قضاء القضاة لابن صصرى وشكرانه، ولك الحجرة التي طلبتها، وسير المطالعة، فلم يشعر إلا وتقليد ابن صصرى قد كتب، ولم يكن في ظن أحد ذلك، فتغيظ ابن الزملكاني وابن الوكيل لذلك وعز عليهما، وباشر ابن صصرى القضاء، ثم بعد ذلك طلبت الفرس وقيل له: قد أجبنا سؤالك إلى ما أردت، وسير لنا ما ذكرت من الفرس، فقال: أنا لم أعلم بذلك ولا لي غرض، فسيروا إليه المطالعة فوجدت بخط ابن غانم، فرسم إليه في الغد برايه ليقطع في بكرة النهار يده، وشاع ذلك، فلما كان سحر ذلك اليوم طلبه الأفرم وقال له: من أول الليل إلى آخره كلما أردت النوم يأتيني شخص في يده رمح - قال أو حربة - ويقول: لا تعرض لابن غانم بسوء وإلا قتلتك بهذه الحربة، وقال له: ما حملك على ذلك؟ قال: حبي لابن صصرى، ولا عدت إلى مثلها، فعفا عنه وخلع عليه، وكمد عداه لذلك، واستقل ابن صصرى بالقضاء، وعظمت منزلة ابن غانم عند ابن صصرى مع عظمها قبل ذلك، وكان زائد الإدلال عليه وتضاعف إدلاله، وكان ابن صصرى إذا عزل لا يولي، وإذا ذاكر في أمر لا يرجع عنه، واتفق أن قاضي نوى كان له أعداء تكلموا فيه بسوء، جرحوه بالباطل وتحاملوا عليه عند قاضي القضاة نجم الدين، فاستحضره وعزله وانتهره في المجلس، وخرج من بين يديه منكسر الخاطر، وكان علاء الدين ابن غانم يقرأ بين المغرب والعشاء في السبع بالحائط الشمالي، عند باب النظامين، فقيل لذلك الرجل: ما لك إلا علاء الدين ابن غانم فله إدلال عظيم على القاضي، وأعلموه أنه بين العشاءين يقرأ في السبع المذكور، فاتفق أن ذلك الرجل جاء إلى علاء الدين ولم يكن يعرفه، فسأله عن علاء الدين وقال: لي إليه حاجة فدلني عليه، فقال علاء الدين: قل لي حاجتك، فإن كان يمكن قضاؤها تحدثت لك مع ابن غانم فهو ما يخالفني إن شاء الله تعالى، فقال له: يا مولانا أنا والله فقير الحال ولي عائلة، ورجل كبير، والله ما معي درهم ولا ما أتعشى به وبكى وقال: أنا قاض من قضاة البر، وكأن بعض من يحسدني وشى عنده ونقل إليه بأنني أرتشي، وحمله علي فاستحضرني وعزلني، والله ما لي درهم واحد ولا دابة أحضر عليها أهلي، وقصدت أن أجلس بين الشهود فما مكنني، فقيل لي: إن علاء الدين ابن غانم واسطة خير، وله عليه إدلال عظيم، ودلوني إلى هذا المكان، وبكى، فقال له: اقعد هنا لأكشف لك خبر ابن غانم، وأرجو من الله إصلاح أمرك، فأجلسه وانطلق من وقته فدخل على ابن صصرى وكلمه بإدلاله بحيث قال له: أنت قاسي القلب، وأنت أنت، فقال له: ما الخبر؟ فقال: هذا القاضي الفلاني، أي شيء ذنبه حتى عزلته؟ فقال: من صفته كذا وكذا وقيل عنه كذا وكذا، فقال: والله كذب عليه، وأنا والله ما أعرفه، ودل علي، وحلف أنه ما ارتشى قط ولا له ما يتعشى به، ورق قلبي له، ووالله العظيم لا خرجت من عندك حتى توليه وظيفته، وتكتب تقليده وتكبت عدوه فقال: هذا ما يمكن، وما لي عادة إذا عزلت أحداً أعود إليه، فقال: والله ما أخرج حتى توليه، وإن لم تسمع مني لا عدت أكلمك أبداً، فلم يزل حتى ولاه من ساعته، وكتب تقليده وأشهد عليه بذلك، فقال: وتعطيه عمامتك وفرجيتك خلعة عليه، فلم يمكنه مخالفته، ثم قال: وتكتب له عن الصدقات خمسمائة درهم، ففعل ذلك جميعه، وأتى إلى منزله فأخذ ثوباً ودلقاً له ووضع الجميع في بقجة وأتى إليه وهو ينتظره، فحين رآه قال له: إيش قال لك ابن غانم؟ فأخرج التوقيع، وكان في ذهنه أن يسعى له في الجلوس بين الشهود، فلما قرأ التوقيع كاد يموت فرحاً، ثم أعطاه العمامة والفرجية والخمسمائة وقال: هذا من قاضي القضاة، وهذا الدلق والغلالة مني، فأكب على يديه يقبلهما، فلم يمكنه وقال: أنا والله ما عملت معك هذا إلا لله تعالى، فابتهل بالدعاء له.
وله من هذا وأشباهه ما لا يكاد ينضبط، ولو بسطت مناقبه لطال الفصل ".
وكان وقوراً مليح الهيبة منور الشيبة، ملازم الجماعة مطرح الكلف؛ حدث عن ابن عبد الدايم والزين خالد وابن النشبي وجماعة؛ وكان بيته رحمه الله تعالى مأوى كل غريب، وبابه مقصد كل ملهوف. وله النظم والنثر، ومدحه شعراء عصره؛ وكان آخر ما بقي من رؤساء دمشق.
كتب إلى العلامة شهاب الدين محمود:
لقد غبت عنا والذي غاب محسودوأنت على ما اخترت من ذاك محمود
حللنا محلاً بعد بعدك ممحلاًبه كل شيء ما خلا الشر مفقود
به الباب مفتوح إلى كل شقوةولكن به باب السعادة مسدود
فكتب إليه شهاب الدين محمد الجواب:
أأحبابنا بنتم وشط مزاركمبرغمي وحالت دون وصلكم البيد
وروعتم روض الحمى بفراقكمفشابت نواصي بانه وهو مولود
ومن لم تهجه الورق وجداً عليكمتوهم أن النوح في الدوح تغريد
وكتب إليه السيخ نجم الدين الصفدي:
شنف الأسماع بالنظم الذيقد حكى الأنجم في ظلمائها
وبدا كالشمس إلا أنهزاد في النور على لألائها فأجاب:
ليس للملوك إلا مدحهفي معاليك وفي آلائها
وبحار الفضل تجري منك ليفمقالي قطرة من مائها
وقال رحمه الله تعالى: عتبني شهاب الدين محمود وهو صاحب الديوان وقال: بلغني أن جماعة كتاب الإنشاء يذمونني وأنت حاضر ما ترد غيبتي، فكتبت إليه:
ومن قال إن القوم ذموك كاذبوما منك إلا الفضل يوجد والجود
وما أحد إلا لفضلك حامدوهل عيب بين الناس أو ذم محمود
فأجاب بأبيات منها:
علمت بأني لم أذم بمجلسوفيه كريم القوم مثلك موجود
ولست أزكي النفس إذ ليس نافعيإذا ذم مني الفعل والاسم محمود
وما يكره الإنسان من أكل لحمهوقد آن أن يبلى ويأكله الدود
قال: ولم يكن " بعد " ذلك إلا أيام قلائل حتى توفي، رحمه الله تعالى، وأكله الدود.
ومن شعر علاء الدين ابن غانم لما أمسك كراي المنصوري نائب الشام:
أنا راض بحالتي لا مزيدوبأن لا أزال عبد الحميد
لي في أمر كافل الملك بالشام عظات للحازم المستفيد
جاءه بالتقليد أرغون بالأمس وولى وعاد بالتقييد ومنه:
وكم سرحة لي بالربى زمن الصباأشاهد مرأى حسنها متمليا
ويسكرني عرف الشذا من نسيمهافأقضي هوى من طيبه حتف أنفيا
وأسأل فيها مبسم الروض قبلةفيبرز من أكمامه لي أيديا
فلله روض زرته متنزهاًفأبدى لعيني حسن مرأى بلا ريا
غدا الغصن فيه راقصاً ونسيمهيكر على من زاره متعديا
ترجلت الأشجار والماء خر إذنسيم الصبا أضحى به متمشيا
تغني لديه الورق والغصن راقصفيعرق وجه الأرض من كثرة الحيا وقال:
فعد نفسك من أهل القبور بهافعن قليل إليها سوف تنتقل
واذكر مصارع قوم قد قضوا ومضواكأنهم لم يكونوا بعد ما رحلوا
يا ليت شعري ما قالوا وقيل لهموما الذي قد أجابوا عندما سئلوا
ومن نثره في صفة قلعة ذات أودية ومحاجز: لا تراها العيون لبعد مرماها إلا شزرا، ولا ينظر ساكنها العدد الكثير إلا نزرا، ولا يظن ناظرها إلا أنها طالعة بين النجوم بما لها من الأبراج، ولها من الفرات خندق يحفها كالبحر إلا أن هذا فرات وهذا ملح أجاج، ولها واد لا يقي لفحة الرمضاء ولا حر الهواجر، وقد توعرت مسالكه فلا يداس فيه إلا على المحاجر، وتفوت ما بين مرآه العلي وبين قراره العميق، ويقتحم راكبه الهول في هبوطه فكأنما خر من السماء أو تخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع