من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
القليوبي الكاتب
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
علي بن محمد بن أحمد بن حبيب القليوبي الكاتب؛ قال ابن سعيد المغربي: وصفه ابن الزبير في كتاب " الجنان " بالإجادة في التشبيهات، وغلا في ذلك إلى أن قال: إن أنصف لم يفضل عليه ابن المعتز، وذكر أنه أدرك العزيز العبيدي ومدح قواده وكتابه، وتوفي في أوائل دولة الظاهر العبيدي.
ومن شعره:
وصافية بات الغلام يديرهاعلى الشرب في جنح من الليل أدعج
كأن حباب الماء في وجناتهافرائد در في عقيق مدحرج
ولا ضوء إلا هلال كأنماتفرق منه الغيم عن نصف دملج
وقد حال دون المشتري من شعاعهوميض كمثل الزئبق المترجرج
كأن الثريا في أواخر ليلهاتحية ورد فوق زهر بنفسج وقال أيضاً:
في ليلة أنف كأن هلالهاصدع تبين في إناء زجاج
كفل الزمان لأختها بزيادةفي نورها فبدا كوقف العاج
وكأنما كيوان نقرة فضةوكأنما المريخ ضوء سراج
تتطاول الجوزاء تحت جناحهوكأنها من نورها في تاج
ليل كمثل الروض فتح جنحهزهر الكوكب في ذرى الأبراج
أحييته حتى رأيت صباحهمن لونه يختال في دواج
والشمس من تحت الغمام كأنهانار تضرم خلف جام زجاج وقال:
وكأن السماء مصحف قاروكأن النجوم رسم عشور
أو كأن النجوم زهر رياضقد أحاطت من بدرها بغدير وقال:
نجمت نجوم الزهر إلا أنهافي روضة فلكية الأنوار
وكأنما الجوزاء منها شاربوكأنما المريخ كأس عقار وقال:
ألا فاسقنيها قد قضى الليل نحبهوقام لشوال هلال مبشر
بدا مثل عرق السام واسترجعت لهصروف الليالي فرصة وهو قمر
إلى أن رأيناه ابن سبع كأنماعلى الأفق منه طيلسان مقور وقال:
وصفراء من ماء الكروم كأنمادجى الليل منها في رداء معصفر
كأن حباب الماء في وجناتهامن الدر إكليل على تاج يعصر
قطعت بها ليلاً كأن نجومهإذا اعترضتها العين نيران عسكر
تراها بآفاق السماء كأنمامطالعها منها معادن جوهر
ومنطقة الجوزاء تبدو كأنهاوسائط در في قلائد عنبر
وباتت بعيني الثريا كأنماعلى الأفق منها غصن ورد منور
فبت أراعي النجم حتى تشمرتذيول الدجى عن مائه المتفجر
ابن حريق البلنسي
علي بن محمد بن أحمد بن سلمة بن حريق، أبو الحسن المخزومي البلنسي الشاعر؛ كان متبحراً في اللغة والأدب، حافظاً لأشعار العرب وأيامها، اعترف له بالسبق بلغاء وقته؛ قال ابن الأنباري: توفي سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
ومن شعره في مليح أعور:
لم يشنك الذي بعينك عنديأنت أعلى من أن تعاب وأسنى
لطف الله رد سهمين سهماً... رأفة بالعباد فازددت حسنا ولشمس الدين محمد بن العفيف التلمساني - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - في مثله:
كان بعينين فلما طغىسحرهما رد إلى عين
وذاك من لطف بعشاقهما يضرب الله بسيفين
ومن شعر ابن حريق:
وكاتب ألفاظه وكتبهبغيضة إن خط أو تكلما
ترى أناساً يتمنون العمىوآخرين يحمدون الصمما
وقال وقد زاره محبوبه فجاء مطر وسيل منه من العود:
يا ليلة جادت الأمانيفيها على رغم أنف دهري
للقطر فيها علي نعمىيقصر عنها طويل شكري
إذ بات في منزلي حبيبيوقام في أهله بعذر
يا ليلة السيل في اللياليلأنت خير من ألف شهر وقال:
يا صاحبي وما البخيل بصاحبيهذي الخيام فأين تلك الأدمع
أنمر بالعرصات لا نبكي بهاوهي المعاهد منهم وهي الأربع
يا سعد ما هذا القيام وفد نأواأتقيم من بعد القلوب الأضلع؟
هيهات لا ريح اللواعج بعدهمرهو ولا طير الصبابة وقع
وأبى الهوى إلا الحلول بلعلعويح المطايا، أين منها لعلع
لم أدر أين ثووا فلم أسأل بهمريحاً تهب ولا بريقاً يلمع
وكأنهم في كل مدرج ناسمفعليه مني رقة وتضرع
فإذا منحتهم السلام تبادرتتبليغه عني الرياح الأربع
ابن نبيه الشاعر
علي بن محمد بن الحسن بن يوسف بن يحيى، الأديب الشاعر البارع كمال الدين ابن النبيه المصري، صاحب الديوان المشهور؛ مدح بني أيوب، واتصل بالملك الأشرف موسى وكتب له الإنشاء، وسكن بنصيبين، وتوفي بها في حادي وعشرين جمادى الأولى سنة تسع عشرة وستمائة؛ وهذا ديوانه المشهور هو انتقاه من شعره، لأنه كله منقى منقح، الدرة وأختها، وإلا فما هذا شعر من لا نظم إلا هذا الديوان الصغير.
ومن شعره ما ذكره القوصي في مليح يشتغل بعلم الهندسة:
وبي هندسي الشكل يسبيك لحظهوخال وخد بالعذار مطرز
ومذ خط بيكار الجمال عذارهكقوس علمنا أنما الخال مركز وقال:
تعلمت علم الكيمياء بحبهغزال بجسمي ما بجفنيه من سقم
فصعدت أنفاسي وقطرت أدمعيفصح بذا التدبير تصفيرة الجسم
وقال في مليح يهودي رآه بدمشق فأحبه:
من آل إسرائيل علقتهأسقمني بالصد والتيه
قد انزل السلوى على قلبهوأنزل المن على فيه وقال:
بدر تم له من الشعر هالهمن رآه من المحبين هاله
قصر الليل حين زار ولا غروغزال غارت عليه الغزاله
يا نسيم الصبا عساك تحملت لنا من سكان نجد رساله
كل معسولة المراشف بيضاء حمتها سمر القنا العاسله
عانقتني كصارمي وأدارتمعصميها في عاتقي كالحماله
إن بالرقمتين ملعب لهوبسطت دوحه علينا ظلاله
معلم معلم وشى بسطه الزهر وحاكته ديمة هطاله
وكأن الحمام فيه قيانأعربت لحنها على غير آله
وكأن القضيب شمر للرقص سحيراً عن ساقه أذياله
إن خوض الظلماء أطيب عنديمن مطايا أمست تشكي كلاله
فهي مثل القسي شكلاً ولكنهي في السبق أسهم لا محاله
تركتها الحداة بالخفض والرفع حروفاً في جرها عماله ولشهاب الدين التلعرفي قصيدة في هذا الوزن
وهي:
أي دمع من الجفون أسالهإذ أتته من النسيم رساله
حملته الرياض أسرار عرفأودعتها السحائب الهطاله منها:
يا خليلي وللخليل حقوقواجبات الأحوال في كل حاله
سل عقيق الحمى وقل إذ تراهخالياً من ظبائه المختاله
أين تلك المراشف العسليات وتلك المعاطف العساله
وليال قضيتها كلآلبغزال تغار منه الغزاله
بابلي اللحاظ والريق والألفاظ، كل مدامة سلساله
وطويل الصدود والشعر والمطل، ومن لي بأن يديم مطاله
وسقيم الجفون والعهد والخصر فكل تراه يشكو اعتلاله
ونقي الجبين والخد والثغر فطوبى لمن حسا جرياله
من بني الترك كلما جذب القوس رأينا في وسطه بدر هاله
يقع الوهم حين يرمي فلا ندري يداه أم عينه النباله
قلت لما لوى ديوان وصاليوهو مثر وقادر لا محاله
بيننا الشرع قال سر بي فعنديمن صفاتي لكل دعوى دلاله
وشهودي من خال خدي ومن قدي شهود معروفة بالعداله
أنا وكلت مقلتي في دما الخلق فقالت قبلت هذي الوكاله
ومن شعر ابن نبيه:
رنا وانثنى كالسيف والصعدة السمرافما أكثر القتلى وما أرخص الأسرى
خذوا حذراً من خارجي عذارهفقد جاء زحفاً في كتيبته الخضرا
غلام أراد الله إطفاء فتنةبعارضه فاستأنفت فتنة أخرى
فزرفن بالأصداغ جنة خدهوأرخى عليها من ذؤابته سترا
أخوض عباب الموت من دون ثغرهكذاك يخوض البحر من طلب الدرا
غزال رخيم الدال في يوم سلمهوليث له في حربه البطشة الكبرى
دري يحمل الكأس في يوم لذةولكن بحمل السيف يوم الوغى أدرى
أهيم به في عقده أو نجادهفلا بد في السراء منه وفي الضرا
وصامتة الخلخال أن وشاحهافهذا قد استغنى وذاك اشتكى الفقرا
لها معصم لولا السوار عنه بحبهاإذا حسرت أكمامها لجرى نهرا
دعتني إلى السلوان عنه بحبهافما كنت أرضى بعد إيماني الكفرا
بأي اعتذار ألتقي حسن وجههإذا شغلتني عنه غانية عذرا وقال:
باكر صبوحك أهنا العيش باكرهفقد ترنم فوق الأيك طائره
والليل تجري الدراري في مجرتهكالروض تطفو على نهر أزاهره
وكوكب الصبح نجاب على يدهمخلق تملأ الدنيا بشائره
فانهض إلى ذوب ياقوت لها حببتنوب عن ثغر من تهوى جواهره
حمراء في وجنة الساقي لها شبهفهل جناها مع العنقود عاصره؟
ساق تكون من صبح ومن غسقفابيض خداه واسودت غدائره
مفلج الثغر معسول اللمى غنجمؤنث الجفن فحل اللحظ شاطره
مهفهف القد يندى جسمه ترفاًمخصر الخصر عبل الردف وافره
بيض سوالفه لعس مراشفهنعس نواظره خرس أساوره
تعلمت بانة الوادي شمائلهوزورت سحر عينيه جآذره
كأنه بسواد الصدغ مكتحلوركبت فوق خديه محاجره
نبي حسن أظلته ذوائبهوقام في فترة الأجفان ناظره
فلو رأت مقلتاً هاروت آيته الكبرى لآمن بعد الكفر ساحره
قامت أدلة صدغيه لعاشقهعلى عذول أتى فيه يناظره
خذ من زمانك ما أعطاك مغتنماًوأنت ناه لهذا الدهر آمره
فالعمر كالكاس تستحلى أوائلهلكنه ربما مجت أواخره وقال:
طاب الصبوح لنا فهاك وهاتواشرب هنيئاً يا أخا اللذات
كم ذا التواني والشباب مطاوعوالدهر سمح والحبيب مواتي
قم فاصطبح من شمس طاسك واغتبقبكواكب طلعت من الكاسات
صفراء صافية توقد بردهافعجبت للنيران في الجنات
ينسل من قار الظروف حبابهاوالدر مجتلب من الظلمات
عذراء واقعها المناج أما ترىمنديل عذرتها بكف سقاة
يسعى بها عبل الروادف أهيفخنث الشمائل شاطر الحركات
يهوي فتسبقه أساود شعرهملتفة كأساود الحيات
يدري منازل نيرات كؤوسهما بين منصرف وآخر آتي
وقال أيضاً:
أماناً أيها القمر المطلففي جفنيك أسياف تسل
يزيد جمال وجهك كل يومولي جسد يذوب ويضمحل
وما عرف السقام طريق جسميولكن دل من أهوى يدل
يميل بطرفه التركي عنيصدقتم إن ضيق العين بخل
إذا نشرت ذوائبه عليهترى ماء يرف عليه ظل
وقال أيضاً:
حديث دمعي عن غرامي شجونتنقله عني رواة الجفون
عجبت من صحة أخبارهاوقد تجرحن بدمع هتون
بمهجتي أحور قد جمعتجفونه المرضى فنون الفتون
مغنيطس الخال على خدهيجذب بالحسن حديد العيون
ساومته في فمه قبلةفقال هذا أبداً لا يكون
أدر دنانير فقد نثرتدراهم النور بنان الغصون
عوذ جناني من جنون الهوىمن لام صدغيه بقاف ونون وقال أيضاً:
صن ناظراً مترقباً لك أن يرىفلقد كفى من دمعه ما قد جرى
يا من حكى في الحسن صورة يوسفآهاً لو أنك مثل يوسف تشترى
تعشو العيون لخده فيردهاويقول ليست هذه نار القرى
يا قاتل الله الجمال فإنهما زال يصحب باخلاً متجبرا
يا غصن بان في نقا رمل لقدأبدعت غذ أثمرت بدراً نيرا
ما ضر طيفك أن أكون مكانهفقد اشتبهنا في السقام فما نرى
أترى لأيامي بوصلك عودةولو أنها في بعض أحلام الكرى
زمناً شربت زلال وصلك صافياًوجنيت روض أخضر مثمرا
ملكتك فيه يدي فحين فتحتهالم ألق إلا حسرة وتفكرا وقال:
لماك والخد النضرماء الحياة والخضر
أخذتني يا تاركيأخذ عزيز مقتدر
أحلت سلواني علىضامن قلب منكسر
ونمت عن ذي أرقإذا غفا النجم سهر
وماء عيني التقىفيك لأمر قد قدر
ما نصبت أشراك ألحاظك إلا للحذر
قلبي على الترك بهذا البدوي يفتخر
ولي عهد البدر وإنغاب فإني منتظر
خلعت إذ بايعتهعذار من لا يعتذر
في خلقه وخلقهطبع الغزال والنمر
نزهة أحداق الورىفحيثما سار تسر
إن طريق ناظريإلى محياه خطر
وقال:
قم يا غلام ودع مقالة من نصحفالديك قد صدع الدجى لما صدح
خفيت تباشير الصباح فسقنيما طل في الظلماء من قدح القدح
صهباء ما لمعت بكف مديرهالمقطب إلا تهلل وانشرح
هي صفوة الكرم " الكريم " فما سرتسراؤها في باخل إلا سمح
من كف فتان القوام بوجههعذر لمن خلع العذار أو اطرح
ولي بشعر كالظلام إذا دجاوأتى بوجهه كالصباح إذا وضح
يهتز كالغصن الرطيب على النقاذا خف في طي الوشاح قد اتضح
النرجس الغض استحى من طرفهوبخده زهر الأقاح قد اتضح
فكأنه متبسم بعقودهأو بالثنايا قد تقلد واتشح وديوان شعره كله من هذا الأسلوب،
وهو موجود في أيدي الناس سامحه الله تعالى.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع