من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
أبو حفص الشطرنجي
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
عمر بن عبد العزيز، أبو حفص الشطرنجي، مولى بني العباس؛ كان أبوه أعجمياً من موالي المنصور، ونشأ عمر في دار المهدي ومع أولاد مواليه فكان كأحدهم، وتأدب، وكان مشغوفاً بالشطرنج ولعبه، ولما مات المهدي انقطع إلى علية وخرج معها لما تزوجت، وعاد معها لما عادت إلى القصر، وكان يقول لها الأشعار فيما تريده من الأمور بينها وبين إخوتها وبني أخيها من الخلفاء فتنتحل بعض ذلك وتترك بعضه.
وقال محمد بن الجهم البرمكي: رأيت أبا حفص الشطرنجي فرأيت إنساناً يلهيك حضوره عن كل غائب، وتسليك مجالسته عن كل الهموم والمصائب، قربه عرس، وحديثه أنس، وجده لعب، ولعبه جد، دين ماجن، إن لبسته على ظاهره لبست موموقاً لا تمله، وإن تتبعه لتنظر خبرته وقفت على مروءة لا تطور الفواحش بجنباتها، وكان من علمته أقل ما فيه الشعر، وهو القائل:
تحبب فإن الحب داعية الحبوكم من بعيد الدار مستوجب القرب
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضىفأين حلاوات الرسائل والكتب
ففكر فإن حدثت أن أخا الهوىنجا سالماً فراج النجاة من الحب
وأطيب أيام الهوى يومك الذيتروع بالهجران فيه وبالعتب ومن شعره:
وقد حسدوني قرب داري منكموكم من قريب الدار وهو بعيد
دخولك من باب الهوى إن أردتهيسير ولكن الخروج شديد
وقال له الرشيد: يا حبيبي، لقد أحسنت ما شئت في بيتين قلتهما، فقال: ما هما يا سيدي؟ فمن شرفهما استحسانك، فقال: قولك:
لم ألق ذا شجن يبوح بحبهإلا حسبتك ذلك المحبوبا
حذراً عليك وإنني بك واثقأن لا ينال سواي منك نصيبا
فقال: يا أمير المؤمنين ليسا لي، هما للعباس بن الأحنف، فقال: صدقك والله أعجب لي، ولك والله أحسن منهما حيث تقول:
إذا سرها أمر وفيه مساءتيقضيت لها فيما تريد على نفسي
وما مر يوم أرتجي فيه راحةفأذكره إلا بكيت على أمسي
قيل غضب الرشيد على علية بنت المهدي، فأمرت أبا حفص الشطرنجي شاعرها بأن يقول شعراً يعتذر فيه عنها، ويسأله الرضى عنها، فقال:
لو كان يمنع حسن الفعل صاحبهمن أن يكون له ذنب إلى أحد
كانت علية أبرا الناس كلهممن أن تكافا بسوء آخر الأبد
ما لي إذا غبت لم أذكر بواحدةوإن سقمت فطال السقم لم أعد
ما أعجب الشيء ترجوه فتحرمه... قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي فغنت عليه لحناً وألقته على جماعة من جواري الرشيد، فغنينه إياه في أول مجلس جلس فيه، فطرب طرباً شديداً وسأل عن القصة فأخبرته بذلك، فأحضر علية وقبلت رأسه واعتذرت إليه، وسألها إعادة الصوت فغنته فبكى وقال: لا غضبت عليك ما عشت أبدا.
وكانت وفاة أبي حفص في خلافة المعتصم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع