من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
عود إلى المختار من شعر مروان بن أبى حفصة: (٤)
ونعود إلى ما كنا ابتدأناه من/ الكلام على شعر مروان.
فمن قصيدته التى تقدم بعضها ووقع الكلام عليه مما يختار قوله:
أحيا أمير المؤمنين محمّدسنن النبىّ حرامها وحلالها
ملك تفرّع نبعة من هاشممدّ الإله على الأنام ظلالها
جبل لأمّته تلوذ بركنهرادى جبال عدوّها فأزالها
لم تغشها ممّا تخاف عظيمةإلّا أجال لها الأمور مجالها
حتى يفرّجها أغرّ مباركألفى أباه مفرّجا أمثالها
ثبت على زلل الحوادث راكبمن صرفهنّ لكلّ حال حالها
كلتا يديك جعلت فضل نوالهاللمسلمين، وفى العدوّ وبالها
وقعت مواقعها بعفوك أنفسأذهبت بعد مخافة أوجالها
أمّنت غير معاقب طرّادهاوفككت من أسرائها أغلالها
ونصبت نفسك خير نفس دونهاوجعلت مالك واقيا أموالها
أما قوله:
أحيا أمير المؤمنين محمدسنن النبىّ حرامها وحلالها
فقد عابه عليه بعض من لا معرفة له بنقد الشعر فقال: كيف يكون فى سنن النبىّ عليه
السلام حرام! وما ذلك بمعيب؛ لأنه أراد بقوله: «حلالها وحرامها» التحليل والتحريم؛ ومن سنته تحريم الحرام، وتحليل الحلال؛ وإنما المعيب من هذا قول ابن الرّقاع العاملىّ:
ولقد أراد الله إذ ولّاكهامن أمّة إصلاحها وفسادها
ومثل قول مروان قول سلم الخاسر:
ولما وليت ذكرت النبىّبتحليله وبتحريمه
فأما قوله:
حتى يفرّجها أغرّ مباركالبيت
فكثير جدا للمتقدمين والمحدثين؛ والأصل فيه قول زهير:
وما كان من خير أتوه فإنماتوارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطّىّ إلّا وشيجهوتغرس إلّا فى منابتها النّخل!
ومثله قول الآخر:
/ وحمزة والعبّاس منهم ومنهمعقيل، وماء العود من حيث يعصر
ومثله للرّبيع بن أبى الحقيق اليهودىّ:
إذ مات منّا سيّد قام بعدهله خلف يكفى السّيادة بارع
من أبنائه والعرق ينصر فرعهعلى أصله، والعرق للعرق نازع
ومثله له:
ترجو الغلام وقد أعياك والدهوفى أرومته ما ينبت العود
وأخذ هذا المعنى وبعض اللفظ الكميت فقال:
تجرى أصاغرهم مجرى أكابرهموفى أرومته ما ينبت الشّجر
ومن هذا المعنى قول عبيد الله بن قيس الرّقيات:
يخلفك البيض من بنيك كمايخلف عود النّضار فى شعبه
ومنه قول نهشل بن حرّىّ:
أرى كلّ عود نابتا فى أرومةأبى نسب العيدان أن يتغيّرا
بنو الصّالحين الصالحون ومن يكنلوالد سوء يلقه حيث سيّرا
ومثله لمسلم بن الوليد الأنصارىّ:
ألحّ على الأيّام يفرى خطوبهاعلى منهج ألفى أباه به قبل
ولبشار:
على أعراقها تجرى الجياد
ومثله:
وما فىّ من خير وشرّ فإنهاسجيّة آبائى وفعل جدودى
هم القوم فرعى منهم متفرّعوعودهم عند الحوادث عودى
وللبحترىّ:
وإذا أبو الفضل استعار سجيّةللمكرمات فمن أبى يعقوب
شرف تتابع كابرا عن كابركالرّمح أنبوبا على أنبوب
وأرى النّجابة لا يكون تمامهالنجيب قوم ليس بابن نجيب
/ وله أيضا:
ما سعوا يخلفون غير أبيهمكلّ ساع منّا يريد نصابه
وله أيضا:
وما تابع فى المجد نهج عدوّهكمتّبع فى المجد نهج أبيه
وفى هذه القصيدة يقول مروان:
هل تعلمون خليفة من قبلهأجرى لغايته التى أجرى لها
طلع الدّروب مشمّرا عن ساقهبالخيل منصلتا يجدّ نعالها
قودا تريع إلى أغرّ لوجههنور يضيء أمامها وخلالها
قصرت حمائله عليه فقلّصتولقد تحفّظ قينها فأطالها
حتّى إذا وردت أوائل خيلهجيحان بثّ على العدوّ رعالها
أحمى بلاد المسلمين عليهموأباح سهل بلادهم وجبالها
أدمت دوابر خيله وشكيمهاغاراتهنّ وألحقت آطالها
لم تبق بعد مقادها وطرادهاإلّا نحائزها وإلّا آلها
رفع الخليفة ناظريّ وراشنىبيد مباركة شكرت نوالها
وحسدت حتى قيل أصبح باغيافى المشى مترف شيمة مختالها
ولقد حذوت لمن أطاع ومن عصىنعلا ورثت عن النبىّ مثالها
أما قوله: «قصرت حمائله» فالأصل فيه قول عنترة:
بطل كأنّ ثيابه فى سرحةيحذى نعال السّبت ليس بتوأم
أو قول الأعشى:
إلى ماجد كهلال السّماء أزكى وفاء ومجدا وخيرا
طويل النّجاد، رفيع العمىد، يحمى المضاف، ويغنى الفقيرا
/ ومثله:
طويل نجاد السّيف عار جبينهكنصل اليمانى أخلصته صياقله
إذا همّ بالمعروف لم تجر طيرهنحوسا، ولم تسبق نداه عواذله
ومثله قول طريح بن إسماعيل الثّقفىّ:
وأشعث طلّاع الثنايا مباركيغول نجاد السّيف وهو طويل
ولأبى جويرية العبدىّ:
يمدّ نجاد السّيف حتّى كأنّهبأعلى سنامى فالج يتطوّح
إذا اهتزّ فى البرد اليمانىّ خلتههلالا بدا فى جانب الأفق يلمح
ولأبى عطاء السّندىّ:
وأزهر من بنى عمرو بن عمروحمائله وإن طالت قصار
ولبعضهم فى آل المهلب:
رأيتكم أعزّ الناس جاراوأمنعهم إذا عدّوا ذمارا
حمائلكم وإن كانت طوالانراها عن شمائلكم قصارا
ولبعض بنى العنبر فى معنى الطول:
فجاءت به عبل العظام كأنّماعمامته بين الرّجال لواء
ولآخر:
أشمّ طويل السّاعدين كأنّماتناط إلى جذع طويل حمائله
ولابن هرمة:
تناط حمائل الهندىّ منهبعاتق، لا ألفّ ولا ضئيل
ولكن تستقلّ به قواهعلى ماض بقائمه نبيل
ولسلم الخاسر:
يقوم مع الرّمح الرّدينىّ قائماويقصر عنه طول كلّ نجاد
وللخثعمىّ:
يوازى الرّدينىّ فى طولهويقصر عنه نجاد الحسام
وللوالبىّ:
طول وطول فترى كفّهينهلّ بالطّول انهلال الغمام
وطوله يغتال يوم الوغىوغيره فضل نجاد الحسام
فأما قوله:
ولقد حذوت لمن أطاع ومن عصىنعلا ورثت عن النبىّ مثالها
فقد ردّد مروان معناه فى مواضع من شعره فقال:
شبيه أبيه منظرا وخليقةكما حذيت يوما على أختها النّعل
وقال فى موضع آخر:
أحيا لنا سنن النبىّ سميّهقد الشّراك به قرنت شراكا
وقال أيضا:
صحيح الضّمير، سرّه مثل جهرهقياس الشّراك بالشّراك تقابله
وقال أيضا:
تشابهتما حلما وعدلا ونائلاوحزما إذا أمر أقام وأقعدا
تنازعتما نفسين؛ هذى كهذهعلى أصل عرق كان أفخر متلدا
كما قاس نعلا حضرمىّ فقدّهاعلى أختها لم يأل أن يتجوّدا
وأخذ هذا المعنى أبو نواس فقال:
تنازع الأحمدان الشّبه فاتّفقاخلقا وخلقا كما قد الشّراكان
والأصل فى هذا قول ابن أبى ربيعة:
فلما تواقفنا عرفت الّذي بهاكمثل الّذي بى، حذوك النّعل بالنّعل
ومثله للسّيد بن محمد الحميرىّ رحمه الله تعالى:
يتلون أخلاق النبىّ وفعلهفالنّعل تشبه فى المثال طراقها
وقد تقدّم إلى هذا المعنى يزيد بن المكسّر بن ثعلبة بن سيّار العجلىّ بقوله فى يوم ذى قار، يحرض قومه على القتال:
من فرّ منكم فرّ عن حريمهوجاره، وفرّ عن نديمه
/ أنا ابن سيّار على شكيمهمثل الشّراك قد من أديمه
وكلّهم يجرى على قديمه
فأما قوله:
وحسدت حتى قيل أصبح باغياالبيت
ففى معناه قول البحترىّ:
ألنت لى الأيام من بعد قسوةوعاتبت لى دهرى المسيء فأعتبا
وألبستنى النّعمى التى غيّرت أخىعليّ فأمسى نازح الودّ أجنبا
ومما يختار لمروان قوله:
موفّق لسبيل الرّشد متّبعيزينه كلّ ما يأتى ويجتنب
تسمو العيون إليه كلّما انفرجتللناس عن وجهه الأبواب والحجب
له خلائق بيض لا يغيّرهاصرف الزّمان كما لا يصدأ الذّهب
ووجدت بعض من ينتقد الشعر يقول: ليس فى شعر مروان بيت يتمثل به غير هذا البيت الأخير من الثلاثة الأبيات. وكأن ابن مناذر إياه أراد بقوله، وقد سأل وهو مجاور بمكة:
عمن ببغداذ من الشعراء؟ فقيل له: العباس بن الأحنف؛ فقال: أنشدونى له، فأنشدوه:
لو كنت عاتبة لسكّن عبرتىأملى رضاك، وزرت غير مراقب
لكن مللت فلم تكن لى حيلة،صدّ الملول خلاف صدّ العاتب
فقال ابن مناذر: أخلق بمن أدام بحث التراب أن يصيب خرزة.
قال سيدنا أدام الله تمكينه: ولا شك فى قلة الأمثال فى شعر مروان؛ ولكن ليس إلى هذا الحد؛ وهذا المعنى الّذي قد تضمنه البيت قد سبق إليه أيضا، قال طريح بن إسماعيل:
جواد إذا جئته راجياكفاك السؤال وإن عدت عادا
خلائقه كسبيك النّضار لا يعمل الدّهر فيها فسادا
ومثله قول الخريمىّ:
/ رأيتك يا زيد زيد النّدىوزيد الفخار وزيد الكرم
تزيد على نائبات الخطوب بذلا وفى سابغات النّعم
كذا الخمر والذّهب المعدنىّيجوّد هذا وذاك القدم
وفى قوله: «الذّهب المعدنىّ» فائدة؛ لأنه إذا خلص الذهب وصفا لم يفسد؛ وإذا امتزج
بغيره لم يكن هذا حكمه؛ ومثله للأموىّ:
يأوى إلى خلق لم يصده طبعكأنّ جوهره من جوهر الذّهب
ولبعضهم:
ملك له خلق خليق بالعلاكسبيكة الذّهب التى لا تكلف
وقد أخذ الخبز أرزىّ هذا المعنى فى قوله:
فلا تعنّ لتحذيف تكلّفهلصورة حسنها الأصليّ تكفيها
إنّ الدّنانير لا تجلى وإن عتقتولا تزاد على النّقش الّذي فيها
ولجحظة مثله:
صديق لى له أدبصداقة مثله حسب
رعى لى فوق ما يرعىوأوجب فوق ما يجب
ولو نقدت خلائقهلبهرج عندها الذّهب
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع