تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ]

إن سأل سائل فقال: ما تأويل قوله تعالى: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ؛ [آل

عمران:].

أوليس ظاهر الآية يقتضي أنه تعالى يجوز أن يزيغ القلوب عن الإيمان حتى تصحّ مسألته تعالى ألّا يزيغها، ويكون هذا الدعاء مفيدا؟

الجواب، قلنا فى هذه الآية وجوه:

أوّلها أن يكون المراد بالآية: ربنا لا تشدّد علينا المحنة فى التكليف، ولا تشق علينا فيه، فيفضى بنا ذلك إلى زيغ القلوب منّا بعد الهداية؛ وليس يمتنع أن يضيفوا ما يقع من زيغ قلوبهم عند تشديده تعالى عليهم المحنة إليه؛ كما قال ﷿ فى السورة: إنّها زادتهم رجسا إلى رجسهم، وكما قال مخبرا عن نوح ﵇: فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً؛.

فإن قيل: كيف يشدّد عليهم فى المحنة؟

قلنا: بأن يقوّى شهواتهم، لما قبحه فى عقولهم، ونفورهم عن الواجب عليهم، فيكون التكليف عليهم بذلك شاقا، والثواب المستحقّ عليهم عظيما متضاعفا وإنما يحسن أن يجعله شاقا تعريضا لهذه المنزلة.

وثانيها أن يكون ذلك دعاء بالتثبيت لهم على الهداية، وإمدادهم بالألطاف التى معها يستمرّون على الإيمان.

فإن قيل: وكيف يكون مزيغا لقلوبهم بألّا يفعل اللّطف؟

قلنا: من حيث كان المعلوم أنه متى قطع إمدادهم بألطافه وتوفيقاته زاغوا وانصرفوا عن الإيمان. ويجرى هذا مجرى قولهم: اللهم لا تسلّط علينا من لا يرحمنا؛ معناه لا تخلّ بيننا وبين من لا يرحمنا فيتسلّط علينا؛ ومثله قول الشاعر:

أتانى ورحلى بالمدينة وقعةلآل تميم أقعدت كلّ قائم
للشاعر الفرزدق، اقرأ القصيدة

أراد: قعد لها كل قائم؛ فكأنهم قالوا: لا تخلّ بيننا وبين نفوسنا وتمنعنا ألطافك، فنزيغ ونضلّ.

وثالثها ما أجاب به أبو عليّ الجبائى محمد بن عبد الوهاب، لأنه قال: المراد بالآية ربّنا لا تزغ قلوبنا عن ثوابك ورحمتك. ومعنى هذا السؤال أنهم سألوا الله تعالى أن يلطف لهم فى فعل الإيمان؛ حتى يقيموا عليه ولا يتركوه فى مستقبل عمرهم، فيستحقوا بترك الإيمان أن تزيغ قلوبهم عن الثواب، وأن يفعل بهم بدلا منه العقاب.

فإن قال قائل: فما هذا الثواب الّذي هو فى قلوب المؤمنين؛ حتى زعمتم أنّهم سألوا الله تعالى ألّا يزيغ قلوبهم عنه؟ وأجاب بأنّ من الثواب الّذي فى قلوب المؤمنين ما ذكره الله تعالى من الشرح والسّعة بقوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ؛؛ وقوله تعالى لرسوله/ عليه وآله السلام: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وذكر أن ضدّ هذا الشرح هو الضّيق والحرج اللّذان يفعلان بالكفار عقوبة، قال: ومن ذلك أيضا التطهير الّذي يفعله فى قلوب المؤمنين، وهو الّذي منعه الكافرين، فقال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ؛.

قال: ومن ذلك أيضا كتابته الإيمان فى قلوب المؤمنين، كما قال الله تعالى: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وضدّ هذه الكتابة هى سمات الكفر التى فى قلوب الكافرين؛ فكأنهم سألوا الله تعالى ألّا يزيغ قلوبهم عن هذا الثواب إلى ضده من العقاب.

ورابعها أن تكون الآية محمولة على الدعاء بألّا يزيغ القلوب عن اليقين والإيمان. ولا يقتضي ذلك أنّه تعالى سئل ما كان لا يجب أن يفعله، وما لولا المسألة لجاز فعله؛ لأنّه غير ممتنع أن يدعوه على سبيل الانقطاع إليه، والافتقار إلى ما عنده بأن يفعل تعالى ما نعلم أنه لا بدّ من أن يفعله، وبألّا يفعل ما نعلم أنه واجب ألّا يفعله؛ إذا تعلق بذلك ضرب من المصلحة؛ كما قال تعالى حاكيا عن إبراهيم ﵇: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ؛ وكما قال فى تعليمنا ما ندعو به: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ؛ وكقوله تعالى: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ؛، على أحد الأجوبة:

وكل ما ذكرناه واضح بين بحمد الله.

قال سيدنا أدام الله تمكينه: وإنى لأستحسن قول الراعى فى وصف الأثافىّ والرماد، فقد طبّق وصفه المفصل، مع جزالة الكلام وقوته واستوائه واطراده:

وأورق مذ عهد ابن عفّان حولهحواضن ألّاف على غير مشرب
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «عفت بعدنا أجراع بكر فتولب»
وراد الأعالى أقبلت بنحورهاعلى راشح ذى شامة متقوّب
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «عفت بعدنا أجراع بكر فتولب»
كأنّ بقايا لونه فى متونهابقايا هناء فى قلائص مجرب
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «عفت بعدنا أجراع بكر فتولب»

الأورق: الرّماد، جعل الأثافىّ له كالحواضن؛ لاحتضانها له واستدارتها حوله.

وأراد بوراد الأعالى أن ألوانها تضرب إلى الحمرة، وخصّ الأعالى؛ لأنها مواضع القدر فلا تكاد/ تسودّ. والراشح: هو الراضع؛ وإنما شبّه الرماد بينهن بفصيل بين أظآر.

والمتقوّب: الّذي قد انحسر أعلاه.

وشبّه ما سوّدت النار منهن بأثر قطران على قلائص جربى. والمجرب: الّذي قد جربت إبله.

ونظير هذا المعنى بعينه، أعنى تشبيه تسويد النار بالهناء قول ذى الرّمة:

عفا الزّرق من أطلال ميّة فالدّحلفأجماد حوضى حيث زاحمها الحبل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «عفا الزرق من أطلال مية فالدحل»
سوى أن يرى سوداء من غير خلقةتخاطأها، وارتثّ جاراتها النّقل
من الرّضمات البيض غيّر لونهابنات فراض المرخ واليابس الجزل
كجرباء دسّت بالهناء فأفصيتبأرض خلاء أن تقاربها الإبل

قوله: «سوداء من غير خلقة» يعنى أثفيّة؛ لأن السواد ليس بخلقة بها؛ وإنما سوّدتها النار.

وقوله: تخاطأها النقل، أى تجاوزها فلم تحمل من مكان إلى مكان؛ بل بقيت منفردة.

وارتثّ جاراتها: يعنى بجاراتها؛ أى نقلن عنها الأثافىّ اللواتى كنّ معها. والمرتثّ:

هو المنقول من مكان إلى مكان؛ وأصل ذلك فى الجريح والعليل؛ يقال ارتثّ الرجل ارتثاثا إذا حمل من المعركة وبه رمق. قال النضر بن شميل: معنى ارتثّ صرع. وقال أبو زيد:

هو مأخوذ من قولهم ارتثثنا رثّة القوم إذا جمعوا رديء متاعهم بعد أن يتحملوا من موضعهم؛ وكلا المعنيين يليق ببيت ذى الرّمة؛ لأنه قد يجوز أن يريد [بقوله: «وارتثّ جاراتها»، أى نقلن عنها، ويجوز أن يريد]: صرعن وبقيت ثابتة قائمة.

والرّضات: حجارة بيض بعضها على بعض. والفراض: جمع فرض، وهو الحزّ يكون فى الزند وعنى ببنات فراض المرخ شرر النار الخارجة من ذلك الفرض. والمرخ: شجر تتخذ منه الرندة. ومن أمثالهم: «فى كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار»، وهذا المثل يضرب للرجل الكريم الّذي يفضل على القوم ويزيد عليهم؛ فكأن المعنى: كلّ القوم كرام وأكرمهم فلان.

ومعنى «كجرباء دسّت بالهناء» أنه شبه الأثفيّة المفردة بناقة جرباء قد أفردت وأبعدت عن الإبل حتى لا تجربها ولا تعديها. ومعنى دسّت بالهناء، طليت به.

وفى معنى قول الراعى: «وراد الأعالى» شبه من قول الشّماخ بن ضرار:

/ أقامت على ربعيهما جارتا صفاكميتا الأعالى جونتا مصطلاهما
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «أمن دمنتين عرج الركب فيهما»

يعنى «بربعيهما» منزلى الامرأتين اللتين ذكرهما، ويعنى «بجارتا صفا» الأثفيّتين؛ لأنهما مقطوعتان من الصّفا الّذي هو الصّخر. ويمكن فى قوله: «جارتا صفا» وجه آخر هو أحسن من هذا؛ وهو أنّ الأثفيّتين توضعان قريبا من الجبل، لتكون حجارة الجبل ثالثة لهما، وممسكة للقدر معهما؛ ولهذا تقول العرب: رماه بثالثة الأثافىّ؛ أى بالصخرة أو الجبل، وشبه أعلاهما بلون الكميت؛ وهو لون الحجر نفسه؛ لأن النار لم تصل إليه فتسوده.

ومصطلاهما جون أى أسود؛ لأنّ النار قد سفعته وسوّدته.

وقال الراعى فى وصف الأثافىّ أيضا:

أذاع بأعلاه، وأبقى شريدهذرا مجنحات بينهنّ فروج
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «على الدار بالرمانتين تعوج»
كأنّ بجزع الدّار لمّا تحمّلواسلائب ورقا بينهنّ خديج

أذاع بأعلاه، يعنى الرماد؛ لأن السافى يطيّر ظاهره وما علا منه.

وأبقى شريده، أى بقى لما شرد على السافى فلم يطر.

وذرا لجنحات يعنى الأثافىّ. وذرا كل شيء: جانبه وما استذريت به منه. والمجنحات:

المسبلات منه.

والسلائب: جمع سلوب؛ وهى الناقة التى قد سلبت ولدها بموت أو نحر؛ فقد عطفت على حوار آخر.

والخديج: الّذي قد سقط لغير تمام.

والورق: اللواتى ألوانهن كلون الرماد.

وفى معنى قول الراعى: «وأبقى شريده ذرا مجنحات» قول المخبّل السعدىّ:

وأرى لها دارا بأغدرة السيّدان لم يدرس لها رسم
إلّا رمادا هامدا دفعتعنه الرّياح خوالد سحم
للشاعر المَخَبَّل السَعدي، اقرأ القصيدة

إلا هاهنا: بمعنى الواو، فكأنه قال: وأرى رمادا هامدا، ولولا أن «إلّا» هاهنا بمعنى الواو لفسد الكلام ونقض آخره أوّله، لأنه يقول فى آخر البيت: إنّ الخوالد السّحم دفعت عنه الرياح، فكيف يخبر بأنه قد درس، وإنما أراد أنّه باق ثابت، لأنّ الأثافىّ دفعت عنه الرياح فلم يستثنه، إذن هو من جملة ما لم يدرس، بل هو داخل فى جملته.

وللراعى أيضا فى الأثافىّ:

أنخن وهنّ أغفال عليهافقد ترك الصّلاء بهنّ نارا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ألم تسأل بعارمة الديارا»

/ شبه الأثافىّ بنوق أنخن أغفالا، ليست عليهنّ سمة؛ ثم أخبر أنّ الوقود أثّر فيهن أثرا كالسّمة، والنار السمة، تقول العرب: ما نار بعيرك؟ أى، ما سمته؟ وفى أمثالهم: «نجارها نارها»، أى سمتها تدلّ على كرمها، يضرب ذلك للرجل ترى له ظاهرا حسنا يدلّ على باطن خبره.

وقال عدىّ بن الرّقاع العاملىّ:

إلّا رواكد كلّهنّ قد اصطلىحمراء أشعل أهلها إيقادها
كانت رواحل للقدور فعرّيتمنهنّ، واستلب الزّمان رمادها
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «عرف الديار توهما فاعتادها»

وقال الأسعر الجعفىّ:

إلّا رواكد بينهنّ خصاصةسفع المناكب، كلّهنّ قد اصطلى
للشاعر الأسعر الجعفي، من قصيدة «هل بان قلبك من سليمى فاشتفى»

وقال حميد بن ثور:

فتغيّرت إلّا ملاعبهاومعرّسا من جونة ظهر
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
عرش الثّقاب لها بدار مقامةللحىّ بين نظائر وتر

الجونة: القدر: ويقال: قدر ظهر، وقدور ظهور، إذا كانت قديمة. وعرش، أى جعل مثل العريش، يعنى الوقود. والثّقاب: ما أثقبت به النار من الوقود. والنظائر: هى الأثافىّ: والوتر: الفرد، وأراد أنها ثلاث.

وقال الكميت بن زيد:

ولن تحيّيك أظآر معطّفةبالقاع، لا تمك فيها ولا ميل
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «ولن تحييك اظآر معطفة»
ليست بعوذ، ولم تعطف على ربعولا يهيب بها ذو النيّة الإبل
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «ولن تحييك اظآر معطفة»

يعنى الأثافىّ، فشبّه عطفها على الرماد بنوق أظآر قد عطفن على فصيل. والتّمك:

انتصاب السنام. والميل: من صفة السّنام أيضا.

والعائذ من النّوق: التى يتبعها ولدها. والرّبع: الّذي نتج فى أول الربيع. والإهابة:

الدعاء؛ أهاب بإبله إذا دعاها. وذو النية: الّذي قد نوى الرّحيل. الإبل: صاحب الإبل.

وقال ذو الرّمة:

فلم يبق إلّا أن ترى فى محلّهرمادا نحت عنه السيول جنادله
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «عفا الدَّحلُ منْ ميِّ فمحَّتْ منازلهُ»
/ كأنّ الحمام الورق فى الدّار وقّعتعلى حرق بين الظّئور جوازله

شبه الأثافىّ بالحمام الورق؛ وجعلها ظئورا لتعطّفها على الرماد؛ وشبه الرّماد بفرخ حرق قد سقط ريشه. والجوازل: الفراخ. واحدها جوزل.

وقال البعيث:

ألا حييّا الرّبع القواء وسلّماورسما كجثمان الحمامة أدهما
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة

قيل إن الحمام هاهنا القطاة؛ وإنه شبّه ألوان الرسوم من الرّماد، وموقد نار، ودمنة، ومجرّ طنب، وما أشبه هذه الأشياء بألوان ريش قطاة.

ومثله لجرير:

كأنّ رسوم الدّار ريش حمامةمحاها البلى واستعجمت أن تكلّما
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن طلل هاج الفؤاد المتيما»

ولقد أحسن كلّ الإحسان كثيّر فى قوله:

أمن القيلة بالدّخول رسوموبحومل طلل يلوح قديم
لعب الرّياح برسمه فأجدّهجون عواكف فى الرّماد جثوم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أمن آل قيلة بالدخول رسوم»
سفع الخدود كأنّهنّ وقد مضتحجج عوائد بينهنّ سقيم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أمن آل قيلة بالدخول رسوم»

وقيل فى قوله: «فأجدّه جون عواكف» يعنى الأثافىّ، لأن الريح لما كشفت عنها، وظهرت صارت هى كأنها أجدّت الرّسم. ويحتمل وجه آخر، وهو أن يكون معنى «أجدّت» أنّها حمت الرماد الّذي أحاطت به عن لعب الرّياح، فبقى بحاله يستدلّ به المترسم،

فكأن الرياح درست الربع ومحته إلّا ما أجدّته هذه الأثافىّ من الرماد، ومنعت الريح منه، ويجرى ذلك مجرى قول المخبّل:

إلّا رمادا هامدا... البيت

وقال المرار الفقعسيّ فى الأثافىّ:

أثر الوقود على جوانبهابخدودهنّ كأنّه لطم
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة

ويقال إن أبا تمام الطائىّ أخذ ذلك فى قوله:

قفوا نعط المنازل من عيونلها فى الشّوق أحساء غزار
عفت آياتهنّ، وأىّ ربعيكون له على الزّمن الخيار!
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نوار في صواحبها نوار»
/ أثاف كالخدود لطمن حزناونؤي مثل ما انفصم السّوار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نوار في صواحبها نوار»

وقد عاب عليه قوله: «لطمن حزنا» بعض من لا معرفة له، وقال: لا فائدة فى قوله «حزنا»، ولذلك فائدة؛ وذلك أنّ لطم الحزن يكون أوجع وأبلغ، فتأثيره أظهر وأبين؛ وقد يكون اللطم لغير الحزن؛ فأما قوله.

ونؤي مثل ما انفصم السوار

فمأخوذ من قول الشاعر:

نؤي كما نقص الهلال محاقهأو مثلما فصم السّوار المعصم

وقد شبّه الناس النّؤى بالسوار والخلخال كثيرا، وبغير ذلك، قال كثيّر:

عرفت لسعدى بعد عشرين حجّةبها درس نؤي فى المحلّة منحن
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أأطلال دار من سعاد بيلبن»
قديم كوقف العاج ثبّت حولهمغارز أوتاد برضم موضّن
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أأطلال دار من سعاد بيلبن»

- الوقف: السوار من الذّبل ومن العاج. والرّضم: صخور عظام. والموضّن: الّذي يعضه فوق بعض.

وقال بشار:

ونؤي كخلخال الفتاة، وصائمأشجّ على ريب الزمان رقوب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «طربت إلى حوضى وأنت طروب»

الصائم الأشج: يعنى الوتد؛ وإنما وصفه بأنه صائم لقيامه وثباته، وجعله رقوبا لانفراده، والمرأة الرّقوب والشيخ الرّقوب: الّذي لا يعيش له ولد.

ومن مستحسن ما وصف به النؤى قول أبى تمام:

والنّؤى أهمد شطره فكأنّهتحت الحوادث حاجب مقرون
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «وأبي المنازل إنها لشجون»

وقال المتنبى فى ذلك:

قف على الدّمنتين بالدّوّ من ريّاكخال فى وجنة جنب خال
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
بطول كأنّهنّ نجومفى عراص كأنّهنّ ليال
ونؤيّ كأنهنّ عليهنّ خدام خرس بسوق خدال
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الخدام: جمع خدمة؛ وهى الخلخال، وجعلها خرسا لأنها غير قلقة، وشبه ما أحدق به النؤى من الأرض وامتلائها بامتلاء الخلخال، من الساق الخدلة، وهى الممتلئة.

مجلس آخر

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.