من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما ش
إن سأل سائل عن قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
؛.
فقال: ما معنى الاستثناء هاهنا والمراد الدوام والتأييد؟ ثم ما معنى التمثيل بمدّة السموات والأرض التى تفنى وتنقطع؟
الجواب، قلنا: قد ذكر فى هذه الآية وجوه:
أولها أن تكون إِلَّا- وإن كان ظاهرها الاستثناء- فالمراد بها الزيادة؛ فكأنه تعالى قال: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من الزيادة لهم على هذا المقدار؛ كما يقول الرجل لغيره: لى عليك ألف دينار إلا الألفين الذين أقرضتكهما وقت كذا وكذا، فالألفان زيادة على الألف بغير شكّ؛ لأن الكثير لا يستثنى من القليل؛ وهذا الجواب يختاره الفرّاء وغيره من المفسرين.
والوجه الثانى أن يكون المعنى: إلّا ما شاء ربّك من كونهم قبل دخول الجنة والنار فى الدنيا؛ وفى البرزخ الّذي هو ما بين الحياة والموت وأحوال المحاسبة والعرض وغير ذلك؛ لأنه تعالى لو قال: خالدين فيها أبدا، ولم يستثن لتوهّم متوهّم أنهم يكونون فى الجنة والنار من لدن نزول الآية، أو من بعد انقطاع التكليف، فصار للاستثناء وجه، وفائدة معقولة.
والوجه الثالث أن تكون إِلَّا بمعنى الواو؛ والتأويل: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، وما شاء ربك من الزيادة. واستشهد على ذلك بقول الشاعر:
وكلّ أخ مفارقه أخوهلعمر أبيك إلّا الفرقدان
معناه: والفرقدان، ويقول الآخر:
وأرى لها دارا بأغدرة السّيّدان لم يدرس لها رسم
إلّا رمادا هامدا دفعتعنه الرّياح خوالد سحم
والمراد ب «إلا» هاهنا الواو؛ وإلا كان الكلام متناقضا.
والوجه الرابع أن يكون الاستثناء الأول متصلا بقوله: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ؛ وتقدير الكلام: لهم فى النار زفير وشهيق إلا ما شاء ربك من أجناس العذاب الخارجة عن هذين الضربين، ولا يتعلق الاستثناء بالخلود.
فإن قيل: فهبوا أنّ هذا أمكن فى الاستثناء الأول، كيف يمكن فى الثانى؟
قلنا: يحمل الثانى على استثناء المكث فى المحاسبة والموقف، أو غير ذلك مما تقدّم ذكره.
/ والوجه الخامس أن يكون الاستثناء غير مؤثر فى النقصان من الخلود؛ وإنما الغرض فيه: أنه لو شاء أن يخرجهم وألّا يخلدهم لفعل، وأن التخليد إنما يكون بمشيئته وإرادته، كما يقول القائل لغيره: والله لأضربنّك إلا أن أرى غير ذلك، وهو لا ينوى إلا ضربه، ومعنى استثنائه هاهنا: أنى لو شئت ألّا أضربك لفعلت وتمكنت؛ غير أنى مجمع على ضربك.
والوجه السادس أن يكون تعليق ذلك بالمشيئة على سبيل التأكيد للخلود، والتبعيد للخروج؛ لأن الله تعالى لا يشاء إلا تخليدهم على ما حكم به، ودلّ عليه؛ ويجرى ذلك مجرى قول العرب: والله لأهجرنّك إلا أن يشيب الغراب، ويبيضّ القار؛ ومعنى ذلك أنى أهجرك أبدا؛ من حيث علّق بشرط معلوم أنه لا يحصل؛ وكذلك معنى الآيتين؛ والمراد بهما أنهم خالدون أبدا؛ لأن الله تعالى لا يشاء أن يقطع خلودهم.
والوجه السابع أن يكون المراد بالذين شقوا من أدخل النار من أهل الإيمان، الذين ضمّوا إلى إيمانهم وطاعتهم المعاصى؛ فقال تعالى: إنهم معاقبون فى النار إلا ما شاء ربك؛ من إخراجهم إلى الجنة، وإيصال ثواب طاعاتهم إليهم.
ويجوز أيضا أن يريد بأهل الشقاء هاهنا جميع الداخلين إلى جهنم؛ ثم استثنى تعالى بقوله:
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ أهل الطاعات منهم، ومن يستحقّ ثوابا لا بدّ أنه يوصل إليه فقال:
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من إخراج بعضهم؛ وهم أهل الثواب.
وأما الذين سعدوا فإنما استثنى من خلودهم أيضا لما ذكرناه؛ لأنّ من نقل من النار إلى الجنة وخلّد فيها لا بدّ من الإخبار عنه بتأبيد خلوده من استثناء ما تقدّم؛ فكأنه تعالى قال: إنهم خالدون فى الجنة ما دامت السموات والأرض؛ إلا ما شاء ربك من الوقت الّذي أدخلهم فيه النار، قبل أن ينقلهم إلى الجنة.
والذين شقوا على هذا الجواب هم الذين سعدوا، وإنما أجرى عليهم كل لفظ فى الحال التى تليق بهم؛ فهم إذا أدخلوا النار وعوقبوا فيها من أهل الشقاء، وإذا نقلوا إلى الجنة من أهل الجنة والسعادة.
وقد ذهب إلى هذا الوجه جماعة من المفسرين كابن عباس وقتادة والضحّاك/ وغيرهم.
وروى بشر بن عمارة عن أبى روق عن الضّحاك عن ابن عباس قال: الذين شقوا ليس فيهم كافر؛ وإنما هم قوم من أهل التوحيد، يدخلون النار بذنوبهم، ثم يتفضّل الله تعالى عليهم فيخرجهم من النار إلى الجنة، فيكونون أشقياء فى حال، سعداء فى حال أخرى.
وأما تعليق الخلود بدوام السموات والأرض؛ فقد قيل فيه: إن ذلك لم يجعل شرطا فى الدوام؛ وإنما علّق به على طريق التبعيد وتأكيد الدوام؛ لأن للعرب فى مثل هذا عادة معروفة خاطبهم الله تعالى عليها؛ لأنهم يقولون: لا أفعل كذا ما لاح كوكب، وما أضاء الفجر، وما اختلف الليل والنهار، وما بلّ بحر صوفة، وما تغنّت حمامة، ونحو ذلك، ومرادهم التأبيد والدوام.
ويجرى كل ما ذكرناه مجرى قولهم: لا أفعل كذا أبدا؛ لأنهم يعتقدون فى جميع ما ذكرناه أنه لا يزول ولا يتغير؛ وعباراتهم إنما يخرجونها بحسب اعتقاداتهم، لا بحسب ما عليه الشيء فى نفسه؛ ألا ترى أن بعضهم لما اعتقد فى الأصنام أن العبادة تحقّ لها سمّاها آلهة بحسب اعتقادهم، وإن لم تكن فى الحقيقة كذلك!
ومما يشهد لمذهبهم الّذي حكيناه قول أبى الجويرية العبدىّ:
ذهب الجود والجنيد جميعافعلى الجود والجنيد السلام
أصبحا ثاويين فى قعر مرتما تغنّت على الغصون الحمام
وقال الأعشى:
ألست منتهيا عن نحت أثلتناولست ضائرها ما أطّت الإبل!
وقال الآخر:
لا أفتأ الدّهر أبكيهم بأربعةما اجترّت النّيب أو حنّت إلى بلد
وقال زهير منبئا عن اعتقاده دوام الجبال، وأنها لا تفنى ولا تتغير:
ألا لا أرى على الحوادث باقياولا خالدا إلّا الجبال الرّواسيا
/ فهذا وجه.
وقيل أيضا فى ذلك أنه أراد به الشرط، وعنى بالآية دوام السموات والأرض المبدّلتين؛ لأنه تعالى قال: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ؛، فأعلمنا تعالى أنهما تبدّلان؛ وقد يجوز أن يديمهما بعد التغيير أبدا بلا انقطاع؛ وإنما المنقطع هو دوام السموات والأرض قبل التبديل والفناء.
ويمكن أيضا أن يكون المراد أنهم خالدون بمقدار مدّة السموات والأرض التى يعلم الله تعالى انقطاعها ثم يزيدها الله تعالى على ذلك ويخلّدهم، ويؤيد مقامهم وهذا الوجه يليق بالأجوبة التى تتضمن أن الاستثناء أريد به الزيادة على المقدار المتقدم لا النقصان.
قال سيدنا أدام الله تمكينه: وجدت الآمدىّ قد ظلم البحترىّ فى تفسير بيت له مضاف إليه مع ظلمه له فى أشياء كثيرة تأوّلها على خلاف مراد البحترىّ، وحكى قوله:
كالبدر إلّا أنّها لا تجتلىوالشّمس إلّا أنها لا تغرب
ثم قال: " وهذا فيه سؤال؛ لأنه لما قال:
كالبدر إلا أنها لا تجتلى
فالمعنى أن عيون الناس كلّهم ترى البدر وتجتليه، وهى لا تراها العيون ولا تجتلى".
ثم قال:
*" والشمس إلا أنها لا تغرب
وإنما قال: «لا تجتلى» لأنها محجوبة؛ فإذا كانت فى حجاب فهى فى غروب؛ لأن الشمس إذا غربت فإنما تدخل تحت حجاب، فظاهر المعنى: كالبدر إلا أن العيون لا تراها، والشمس إلا أن العيون لا تفقدها". قال: " وهذا القول متناقض كما ترى" قال: " وأظنه أراد أنها وإن كانت فى حجاب فإنه لا يقال لها: غربت تغرب كما يقال للشمس؛ وإنما يقال لها إذا سافرت:
بعدت، واغتربت وغرّبت إذا توجهت نحو الغرب، وقد يقال للرجل اغرب عنا، أى ابعد، ولو استعار لها اسم الغروب عن الأرض التى تكون فيها إذا ظعنت عنها إلى أرض أخرى كان ذلك حسنا جدا، لا سيما وقد جعلها شمسا، كما قال ابراهيم بن العباس الصولىّ:
وزالت زوال الشّمس عن مستقرّهافمن مخبرى: فى أىّ أرض غروبها؟
قال: " وقد يجوز أن يقول قائل: إنه أراد: لا تغرب تحت الأرض كما تغرب الشمس؛ وهذه معاذير/ ضيقة، لأبى عبادة فإن لم يكن قد أخطأ فقد أساء".
قال سيدنا أدام الله علوّه: وما المخطئ غير الآمدىّ، ومراد البحترىّ بقوله أوضح من أن يذهب على متأمّل، لأنه أراد بقوله:
والشمس إلا أنها لا تغرب
أى أنها لا تصير بحيث يتعذر رؤيتها ويمتنع، كما يتعذر رؤية الشمس على من غربت
عن أفق بلده. والمرأة- وإن احتجبت باختيارها- فإن ذلك ليس بغروب كغروب الشمس؛ لأنها إذا شاءت ظهرت وبرزت للعيون، والشمس إذا غربت فرؤيتها غير ممكنة، ولهذا لا يصحّ أن يقال لمن استظل بدار أو جدار عن الشمس: إنها غربت عنه، وإن كان غير راء لها، لأن رؤيتها ممكنة بزوال ذلك المانع، وكذلك القول فى احتجاب المرأة؛ فلا تناقض فى بيت البحترى على ما ظنه الآمدىّ.
ولبعضهم فى هذا المعنى:
قد قلت للبدر واستعبرت حين بداما فيك يا بدر لى من وجهها خلف
تبدى لنا كلما شئنا محاسنهاوأنت تنقص أحيانا وتنكسف
فمعنى قوله: «فأنت تنقص وتنكسف» جار مجرى غروب الشمس، لأنه فضّلها على البدر من حيث كان بروزها لمبصرها موقوفا على اختيارها، والبدر ينكسف ويغيب على وجه لا تمكن رؤيته، كما فضلها البحترىّ بأنها لا تغرب حتى تصير رؤيتها مستحيلة، والشمس كذلك.
وقد ظلم الآمدىّ البحترىّ فى قوله:
لا العذل يردعه ولا التّعنيف عن كرم يصدّه
قال الآمدىّ" وهذا عندى من أهجى ما مدح به خليفة وأقبحه، ومن ذا يعنّف الخليفة على الكرم أو يصده! إن هذا بالهجو أولى منه بالمدح".
قال سيدنا رضى الله عنه: وللبحترى فى هذا عذر من وجهين:
أحدهما أن يكون الكلام خرج مخرج التقدير؛ فكأنه قال: لو عنّف وعذل لما صدّه ذلك عن الكرم، وإن كان من حق العذل والتعنيف أن يصدّ أو يحجز عن الشيء،
وهذا له نظائر فى القرآن، وفى كلام العرب كثير مشهور، وقد مضى فيما أمليناه شيء من ذلك.
والوجه الآخر أن العذل والتعنيف/ وإن لم يتوّجها إليه فى نفسه فهما موجودان فى الجملة على الإسراف فى البذل والجود بنفائس الأموال، ولم يقل البحترىّ: إن عذله يردعه، أو تعنيفه يصدّه، وإنما قال: «لا العذل يردعه ولا التعنيف يصده»، فكأنه أخبر أن ما يسمعه من عذل العذال على الكرم وتعنيفهم على الجود وإن كان متوجّها إلى غيره فهو غير صادّ له لقوة عزيمته، وشدّة بصيرته.
ومما خطأ الآمدىّ فيه البحترىّ وإن كان له فيه عذر صحيح لم يهتد إليه قوله:
ذنب كما سحب الرّداء يذبّ عنعرف وعرف كالقناع المسبل
قال الآمدىّ: " وهذا خطأ من الوصف لأنّ ذنب الفرس إذا مسّ الأرض كان عيبا فكيف إذا سحبه! وإنما الممدوح من الأذناب ما قرب من الأرض، ولم يمسها كما قال امرؤ القيس:
يضاف فويق الأرض ليس بأعزل "
قال" وقد عيب امرؤ القيس بقوله:
لها ذنب مثل ذيل العروستسدّ به فرجها من دبر"
قال" وما أرى العيب يلحق امرأ القيس، لأن العروس وإن كانت تسحب أذيالها، وكان ذنب الفرس إذا مس الأرض عيبا فليس بمنكر أن يشبّه به الذنب، وإن لم يبلغ إلى
أن يمسّ الأرض، لأن الشيء إنما يشبّه الشيء إذا قاربه، أو دنا من معناه، فإذا أشبهه فى أكثر أحواله فقد صحّ التشبيه ولاق به.
وامرؤ القيس لم يقصد أن يشبه طول الذنب بطول ذيل العروس فقط، وإنما أراد السّبوغ والكثرة والكثافة، ألا ترى أنه قال:
تسدّ به فرجها من دبر
وقد يكون الذنب طويلا يكاد يمس الأرض ولا يكون كثيفا، ولا يسد فرج الفرس فلما قال: «تسد به فرجها» علمنا أنه أراد الكثافة والسبوغ مع الطول، فإذا أشبه الذنب الذيل من هذه الجهة كان فى الطول قريبا منه، فالتشبيه صحيح، وليس ذلك بموجب للعيب وإنما العيب فى قول البحترى: «ذنب كما سحب الرداء»، فأفصح بأن الفرس يسحب ذنبه.
ومثل قول امرئ القيس قول خداش بن زهير:
/ لها ذنب مثل ذيل الهدىّإلى جؤجؤ أيّد الزّافر
والهدىّ: العروس التى تهدى إلى زوجها. والأيّد: الشديد. والزافر: الصّدر، لأنها تزفر منه". قال" فشبه الذنب الطويل السابغ بذيل الهدىّ، وإن لم يبلغ فى الطول إلى أن يمس الأرض"
قال سيدنا أدام الله تمكينه: وللبحترىّ وجه فى العذر يقرب من عذر امرئ القيس فى قوله: «مثل ذيل العروس» غير أن الآمدىّ لم يفطن له؛ وأول ما نقوله: إن الشاعر لا يجب أن يؤخذ عليه فى كلامه التحقيق والتحديد، فإن ذلك متى اعتبر فى الشعر بطل جميعه، وكلام القوم مبنىّ على التجوز والتوسع والإشارات الخفية والإيماء على المعانى تارة من بعد، وأخرى من قرب؛ لأنهم لم يخاطبوا بشعرهم الفلاسفة وأصحاب المنطق؛ وإنما خاطبوا من يعرف أوضاعهم ويفهم أغراضهم.
وإنما أراد البحترىّ بقوله: «ذنب كما سحب الرداء» المبالغة فى وصفه بالطول والسبوغ وأنه قد قارب أن ينسحب، وكاد يمسّ الأرض. ومن شأن العرب أن تجرى على الشيء الوصف الّذي قد كان قد يستحقه، وقرب منه القرب الشديد فيقولون: قد قتل فلانا هوى فلانة، ودلّه عقله؛ وأزال تمييزه وأخرج نفسه، وكل ذلك لم يقع وإنما أرادوا المبالغة وإفادة المقاربة والمشارفة؛ ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى.
ومن شأنهم أيضا إذا أرادوا المبالغة التامة أن يستعملوا مثل هذا؛ فيشبهون الكفل بالكثيب وبالدّعص وبالتلّ، ويشبهون الخصر بوسط الزنبور، وبمدار حلقة الخاتم، ويعدّون هذا غاية المدح وأحسن الوصف، ونحن نعلم أنا لو رأينا من خصره مقدار وسط الزنبور، وكفله كالكثيب العظيم لاستبعدناه واستهجنا صورته لنكارتها وقبحها، وإنما أتوا بألفاظ المبالغة صنعة وتأنقا، لا لتحمل على ظواهرها تحديدا وتحقيقا؛ بل ليفهم منها الغاية المحمودة، والنهاية المستحسنة، ويترك ما وراء ذلك، فإنا نفهم من قولهم: خصرها كخصر الزنبور أنه فى نهاية الدقة المستحسنة فى البشر، ومن قولهم/: كفلها كالكثيب أى أنه فى نهاية الوثارة المحمودة المطلوبة، لا أنه كالتل على التحقيق؛ فهكذا لا ننكر أن يريد البحترى بقوله:
«كما سحب الرداء» أنه فى غاية الطول الممدوح، لا أنه ينجرّ على الأرض الحقيقة، ووكلنا فى تخليص معناه وتفصيله إلى العادة الجارية لنظرائه من الشعراء فى استعمال مثل اللفظ الّذي استعمله؛ وقد قال بعضهم فى ثقل العجيزة:
تمشى فتثقلها روادفهافكأنها تمشى إلى خلف
وقال المؤمل:
من رأى مثل حبّتىتشبه البدر إذ بدا
تدخل اليوم ثمّ تدخل أردافها غدا
وقال ذو الرمة:
ورمل كأوراك العذارى قطعتهوفد جلّلته المظلمات الحنادس
وهذا كلام لو حمل على ظاهره وحقيقته لكان الموصوف به فى نهاية القبح؛ لأن من يمشى إلى خلف، ومن يدخل كفله بعده لا يكون مستحسنا.
وقال بكر بن النطاح:
فرعاء تسحب من قيام شعرهاوتغيب فيه وهو جثل أسحم
فكأنّها فيه نهار مشرقوكأنّه ليل عليها مظلم
فوصف شعرها بأنه ينسحب مع قيامها، ونحن نعلم أن طول الشعر- وإن كان مستحسنا- فليس إلى هذا الحد؛ وإنما أراد بقوله: «تسحب شعرها» ما أراده البحترىّ بقوله: «كما سحب الرداء» من المبالغة فى الوصف بالطول المحمود دون المذموم.
مجلس آخر
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع