من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ؛.
فقال: ما تنكرون أن يكون ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون جميع ما نفعله يشاؤه ويريده؟
لأنه لم يخصّ شيئا من شيء؛ وهذا بخلاف مذهبكم. وليس لكم أن تقولوا: إنه خطاب للرسول عليه وآله السلام خاصة؛ وهو لا يفعل إلا ما يشاؤه الله؛ لأنه قد يفعل المباح بلا خلاف؛ ويفعل الصغائر عند أكثركم؛ فلا بد من أن يكون فى أفعاله تعالى ما لا يشاؤه عندكم، ولأنه أيضا تأديب لنا، كما أنه تعليم له ﵇؛ ولذلك يحسن منا أن نقول ذلك فيما يفعله.
الجواب، قلنا: تأويل هذه الآية مبنىّ على وجهين:
أحدهما أن نجعل حرف الشرط الّذي هو «إن» متعلقا بما يليه وبما هو متعلّق به فى الظاهر من غير تقدير محذوف؛ ويكون التقدير: ولا تقولن إنك تفعل إلا ما يريد الله.
وهذا الجواب ذكره الفراء، وما رأيته إلا له. ومن العجب تغلغله إلى مثل هذا؛ مع مع أنه لم يكن متظاهرا بالقول بالعدل. وعلى هذا الجواب لا شبهة فى الآية، ولا سؤال للقوم علينا.
وفى هذا الوجه ترجيح لغيره من حيث اتبعنا فيه الظاهر، ولم نقدّر محذوفا، وكلّ جواب مطابق الظاهر ولم يبن على محذوف كان أولى.
والجواب الآخر أن نجعل «أن» متعلقة بمحذوف؛ ويكون التقدير: ولا تقولن لشيء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن تقول: «إن شاء الله»؛ لأن من عاداتهم إضمار القول فى مثل هذا الموضع، واختصار الكلام إذا طال وكان فى الموجود منه دلالة على المفقود.
وعلى هذا الجواب يحتاج إلى الجواب عما سئلنا عنه، فنقول: هذا تأديب من الله تعالى/ لعباده، وتعليم لهم أن يعلّقوا ما يخبرون به بهذه اللفظة؛ حتى يخرج من حد القطع.
ولا شبهة فى أن ذلك مختصّ بالطاعات، وأنّ الأفعال القبيحة خارجة عنه؛ لأن أحدا من المسلمين لا يستحسن أن يقول: إنى أزنى غدا إن شاء الله، أو أقتل مؤمنا، وكلهم يمنع من ذلك أشدّ المنع؛ فعلم سقوط شبهة من ظن أن الآية عامّة فى جميع الأفعال.
وأما أبو عليّ محمد بن عبد الوهاب فإنه ذكر فى تأويل هذه الآية ما نحن ذاكروه بعينه، قال" إنما عنى بذلك أنّ من كان لا يعلم أنه يبقى إلى غد حيا فلا يجوز أن يقول: إنى سأفعل غدا كذا وكذا، فيطلق الخبر بذلك وهو لا يدرى، لعله سيموت ولا يفعل ما أخبر به؛ لأن هذا الخبر إذا [لم يوجد مخبره على ما أخبر به] فهو كذب؛ وإذا كان المخبر لا يأمن أن لا يوجد مخبره لحدوث أمر من فعل الله نحو الموت أو العجز أو بعض الأمراض، أو لا يحدث ذلك بأن يبدو له هو فى ذلك، فلا يأمن أن يكون خبره كذبا فى معلوم الله ﷿؛ وإذا لم يأمن ذلك لم يجز أن يخبر به؛ ولا يسلم خبره هذا من الكذب إلا بالاستثناء الّذي ذكره الله تعالى؛ فإذا قال: إنى صائر غدا إلى المسجد إن شاء الله، فاستثنى فى مصيره مشيئة الله أمن أن يكون خبره فى هذا كذبا؛ لأن الله إن شاء أن يلجئه إلى المصير إلى المسجد غدا ألجأه إلى ذلك؛ وكان المصير منه لا محالة؛ فإذا كان ذلك على ما وصفنا لم يكن خبره هذا كذبا؛ وإن لم يوجد منه المصير إلى المسجد؛ لأنه لم يوجد ما استثناه فى ذلك من مشيئة الله تعالى".
قال: " وينبغى ألا يستثنى مشيئة دون مشيئة، لأنه إن استثنى فى ذلك مشيئة الله لمصيره إلى المسجد على وجه التعبد، فهو أيضا لا يأمن أن يكون خبره كذبا؛ لأن الإنسان قد يترك كثيرا مما يشاؤه الله تعالى منه ويتعبده به، ولو كان استثناء مشيئة الله لأن يبقيه ويقدره ويرفع عنه الموانع كان أيضا لا يأمن أن يكون خبره كذبا؛ لأنه قد يجوز ألّا يصير إلى المسجد مع تبقية الله تعالى له قادرا مختارا، فلا يأمن من الكذب فى هذا الخبر دون أن يستثنى المشيئة العامة التى ذكرناها، فإذا دخلت هذه المشيئة فى الاستثناء فقد أمن أن يكون خبره كذبا/ إذا كانت هذه المشيئة متى وجدت وجب أن يدخل المسجد لا محالة".
قال: " وبمثل هذا الاستثناء يزول الحنث عمن حلف فقال: والله لأصيرنّ غدا إلى المسجد إن شاء الله، لأنه إن استثنى على سبيل ما بيّنا لم يجز أن يحنث فى يمينه، ولو خص استثناءه بمشيئة بعينها ثم كانت ولم يدخل معها المسجد حنث فى يمينه".
وقال غير أبى عليّ: إن المشيئة المستثناة هاهنا هى مشيئة المنع والحيلولة؛ فكأنه قال:
إن شاء الله يخلينى ولا يمنعنى.
وفى الناس من قال: القصد بذلك أن يقف الكلام على جهة القطع وإن لم يلزم به ما كان يلزم لولا الاستثناء، ولا ينوى فى ذلك إلجاء ولا غيره؛ وهذا الوجه يحكى عن الحسن البصرىّ.
واعلم إن فى الاستثناء الداخل على الكلام وجوها مختلفة؛ فقد يدخل على الأيمان والطلاق والعتاق وسائر العقود وما يجرى مجراها من الأخبار؛ فإذا دخل ذلك اقتضى التوقيف عن إمضاء الكلام والمنع من لزوم ما يلزم به إزالته عن الوجه الّذي وضع له؛ ولذلك يصير ما تكلّم به كأنه لا حكم له؛ ولذلك يصح على هذا الوجه أن يستثنى فى الماضى فيقول: قد
دخلت الدار إن شاء الله، ليخرج بهذا الاستثناء من أن يكون كلامه خبرا قاطعا أو يلزمه حكم.
وإنما لم يصحّ دخوله فى المعاصى على هذا الوجه؛ لأن فيه إظهار الانقطاع إلى الله تعالى؛ والمعاصى لا يصح ذلك فيها؛ وهذا الوجه أحد ما يحتمله تأويل الآية.
وقد يدخل الاستثناء فى الكلام فيراد به اللطف والتسهيل. وهذا الوجه يخصّ الطاعات، ولهذا الوجه جرى قول القائل: لأقضينّ غدا ما عليّ من الدين، ولأصلّينّ غدا إن شاء الله مجرى أن يقول: إنى أفعل ذلك إن لطف الله تعالى فيه وسهّله؛ فعلم أن المقصد واحد، وأنه متى قصد الحالف فيه هذا الوجه لم يجب إذا لم يقع منه هذا الفعل أن يكون حانثا وكاذبا، لأنه إن لم يقع علمنا أنه لم يلطف له، لأنه لا لطف له.
وليس لأحد أن يعترض هذا بأن يقول: الطاعات لا بدّ فيها من لطف؛ وذلك لأنّ فيها ما لا لطف فيه جملة، فارتفاع ما هذه سبيله يكشف عن أنه لا لطف فيه، وهذا الوجه لا يصح أن يقال فى الآية أنه يخص الطاعات؛ والآية/ تتناول كلّ ما لم يكن قبيحا؛ بدلالة إجماع المسلمين على حسن الاستثناء ما تضمنته فى فعل ما لم يكن قبيحا.
وقد يدخل الاستثناء فى الكلام ويراد به التسهيل والإقدار والتخلية والبقاء على ما هي عليه من الأحوال؛ وهذا هو المراد به إذا دخل فى المباحات.
وهذا الوجه يمكن فى الآية إلا أنه يعترضه ما ذكره أبو على مما حكيناه من كلامه.
وقد يذكر استثناء المشيئة أيضا فى الكلام وإن لم يرد به فى شيء مما تقدم؛ بل يكون الغرض إظهار الانقطاع إلى
الله تعالى من غير أن يقصد إلى شيء من الوجوه المتقدمة.
وقد يكون هذا الاستثناء غير معتدّ به فى كونه كاذبا أو صادقا؛ لأنه فى الحكم كأنه
قال: لأفعلنّ كذا إذا وصلت إلى مرادى مع انقطاعى إلى الله تعالى وإظهارى الحاجة إليه؛ وهذا الوجه أيضا مما يمكن فى تأويل الآية.
ومن تأمل جملة ما ذكرناه من الكلام عرف منه الجواب عن المسألة التى لا يزال يسأل عنها المخالفون من قولهم: لو كان الله تعالى إنما يريد العبادات من الأفعال دون المعاصى لوجب إذا قال من لغيره عليه دين طالبه به: والله لأعطينّك حقّك غدا إن شاء الله أن يكون كاذبا أو حانثا إذا لم يفعل؛ لأن الله تعالى قد شاء ذلك منه عندكم، وإن كان لم يقع؛ فكان يجب أن تلزمه الكفارة؛ وألا يؤثر هذا الاستثناء فى يمينه، ولا يخرجه عن كونه حانثا؛ كما أنه لو قال: والله لأعطينّك حقك غدا إن قدم زيد فقدم ولم يعطه يكون حانثا؛ وفى إلزام هذا الحنث خروج عن إجماع المسلمين، فصار ما أوردناه جامعا لبيان تأويل الآية، وللجواب عن هذه المسألة ونظائرها من المسائل، والحمد لله وحده.
قال سيدنا أدام الله تمكينه: تأمّلت ما اشتملت عليه تشبيهات الشعراء فوجدت أكثر ما شبهوا فيه الشيء بالشيء الواحد، أو الشيئين بالشيئين؛ وقد تجاوزوا ذلك إلى تشبيه ثلاثة بثلاثة، وأربعة بأربعة، وهو قليل؛ ولم أجد من تجاوز هذا القدر إلا قطعة مرّت بى لابن المعتز، فإنها تضمنت تشبيه ستة أشياء بستة أشياء.
فأما تشبيه الواحد بالواحد فمثل قول عنترة فى وصف الذباب:
هزجا يحكّ ذراعه بذراعهقدح المكبّ على الزّناد الأجذم
/ ومثله قول عدى بن الرّقاع:
تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقهقلم أصاب من الدّواة مدادها
ومثله قول امرئ القيس:
كأنّ عيون الوحش حول قبابناوأرحلنا الجزع الّذي لم يثقّب
وقوله:
إذا ما الثّريّا فى السّماء تعرّضتتعرّض أثناء الوشاح المفصّل
ولذى الرّمة:
وردت اعتسافا والثّريّا كأنّهاعلى قمّة الرّأس ابن ماء محلّق
وهذا الباب أكثر من أن يحصى.
فأما تشبيه شيئين بشيئين فمثل قول امرئ القيس يصف عقابا:
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسالدى وكرها العنّاب والحشف البالى
وقوله:
وكشح لطيف كالجديل مخصّروساق كأنبوب السّقيّ المذلّل
ولبشار:
كأنّ مثار النّقع فوق رءوسهموأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
ولآخر:
كأنّ سموّ النّقع والبيض حولهسماوة ليل أسفرت عن كواكب
وقول أبى نواس:
كأنّ صغرى وكبرى من فقاقعهاحصباء درّ على أرض من الذّهب
ولآخر:
إنّ الشّمول هى التىجمعت لأهل الودّ شملا
شبّهتها وحبابهابشقائق يحملن طلّا
ولآخر:
أبصرته والكأس بين فممنه وبين أنامل خمس
فكأنّها وكأنّ شاربهاقمر يقبّل عارض الشّمس
/ ولآخر:
حتى إذا جليت فى الكأس خلت بهاعقيقة جليت فى قشر بلّور
تعلى إذا مزجت فى كأسها حبباكأنّه عرق فى خدّ مخمور
وقال البحترىّ:
شقائق يحملن النّدى فكأنّهدموع التّصابى فى خدود الخرائد
وقال آخر:
فكأنّ الرّبيع يجلو عروساوكأنّا من قطره فى نثار
ولأبى العباس الناشئ:
كأنّ الدّموع على خدّهابقيّة طلّ على جلنار
وقال ابن الرومى وأحسن:
لو كنت يوم الفراق حاضرناوهنّ يطفئن غلّة الوجد
لم تر إلا الدّموع سافحةتسفح من مقلة على خدّ
كأنّ تلك الدّموع قطر ندىيقطر من نرجس على ورد
وقال جران العود:
أبيت كأنّ اللّيل أفنان سدرةعليها سقيط من ندى الطّلّ ينطف
أراقب لمحا من سهيل كأنّهإذا ما بدا فى آخر اللّيل يطرف
ولابن المعتز:
سقتنى فى ليل شبيه بشعرهاشبيهة خدّيها بغير رقيب
فأمسيت فى ليلين بالشّعر والدّجىوشمسين من خمر ووجه حبيب
وقال المتنبى:
نشرت ثلاث ذوائب من شعرهافى ليلة فأرت ليالى أربعا
واستقبلت قمر السماء بوجههافأرتنى القمرين فى وقت معا
/ فأما تشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء فمثل قول مانى الموسوس:
نشرت غدائر شعرها لتظلّنىخوف العيون من الوشاة الرّمق
فكأنّه وكأنّها وكأنّنىصبحان باتا تحت ليل مطبق
ولبعضهم:
روض ورد خلاله نرجس غضّ يحفّان أقحوانا نضيرا
ذا يباهى لنا خدودا، وذا يحكى عيونا، وذا يضاهى ثغورا
ولآخر فى النرجس:
مداهن تبر بين أوراق فضّةلها عمد مخروطة من زبرجد
وللبحترىّ فى وصف ضمر المطايا ونحولها:
كالقسىّ المعطّفات بل الأسهم مبريّة بل الأوتار
ولبعض الطالبيين:
وأنا ابن معتلج البطاح إذا غداغيرى وراح على متون ضوامر
يفترّ عنّى ركنها وحطيمهاكالجفن يفتح عن سواد النّاظر
كجبالها شرفى، ومثل سهولهاخلقى، ومثل ظبائهنّ مجاورى
وأما تشبيه أربعة بأربعة فمثل قول امرئ القيس:
له أيطلا ظبى، وساقا نعامةوإرخاء سرحان، وتقريب تتفل
ولآخر:
كفّ تناول راحها بزجاجةخضراء تقذف بالحباب وتزبد
فالكفّ عاج، والحباب لآلئ،والرّاح تبر، والإناء زبرجد
ولبعضهم وقد أهدى إليه نرجس وأقحوان وشقائق وآس، فكتب إلى المهدىّ:
لله ما أظرف أخلاقك يا بدر الكرم
أهديت ما ناسبنهاحسنا وظرفا ومشمّ
/ فما رأينا مهدياقبلك فى كلّ الأمم
أهدى العيون والخدود والثّغور واللّمم
ولآخر:
أفدى حبيبا له بدائع أوصاف تعالت عن كلّ ما أصف
كالبدر يعلو، والشّمس تشرق، والغزال يعطو، والغصن ينعطف وللمتنبى:
بدت قمرا، وماست خوط بان،وفاحت عنبرا، ورنت غزالا
ولآخر:
سفرن بدورا، وانتقبن أهلّة،ومسن غصونا، والتفتن جآذرا
وأما تشبيه خمسة بخمسة فقول الوأواء الدمشقىّ، وهو أبو الفرج:
وأسبلت لؤلؤا من نرجس، وسقتوردا، وعضّت على العنّاب بالبرد
وأما تشبيه ستة بستة فلم أجده إلا لابن المعتز فى قوله:
بدر وليل وغصنوجه وشعر وقد
خمر وورد ودرّريق وثغر وخدّ
مجلس آخر
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع