من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
محاسن الشدة
ذكروا أن جندب بن العنبر كان شديد البأس وأن عوانة بن زيد عيّره يوماً فقال:
هل يسود الفتى إذا قبح الوجهـ وأمسى تراه غير عتيد
وإذا ما تكلم القوم يوماًفي الندى قال قولاً غير سديد
وكان جندب فيه دمامة مع إمساك غير أنه كان ليثاً في الحرب، فأجابه:
ليس زين الفتى الجمال ولكنزينه الضرب بالحسام التليد
وكان جندب عائفاً فقال: والله لا تموت حتى تنصر عليك ظعينة. وإن عوانة خرج يوماً يتصيد على فرسه ومعه قوسه فسار غير قليل إذ عرضت له جارية قد حملت وطباً من لبن فهمّ بها فدنا فقال: تمكّنيني طائعة أو تُقهرين؟ فقالت: لا إحداهما. فنزل إليها فأخذت ساعديه بإحدى يديها فما زالت تعصرهما حتى تركتهما وما يستطيع أن يحركهما ثم كتفته بوتر قوسه وشدت حبل الفرس في جيده ثم قالت: خذ بنا نحو محلة جندب. فمرّ يقود الفرس في جيده حبل. فلما قارب الحي بصر بجندب مقبلاً فناداه: أيها المرؤ الكريم انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً! فذهب مثلاً، فأطلقه.
ومنهم كليب بن شؤبوب الأزدي كان أخبث أهل زمانه في قطع الطريق وحده، وكان كثير الغارة على طيء، فدعا حارثة بن لأم الطائي رجلاً من قومه يقال له عبرم، وكان شجاعاً، فقال له: أما تستطيع أن تكفينا هذا؟ قال: نعم. فأرسل العيون حتى علم مكانه فانطلق إليه حتى وجده نائماً في ظل أراكة وفرسه مشدودٌ عنده، فنزل عبرم ورجل معه فمشيا حتى أخذ كل واحد منهما بإحدى يديه، فانتبه ونزع يده اليمنى فقبض على حلق صاحب اليسرى وهو عبرم فما زال يخنقه حتى قتله. وقد كان أعدّ قوماً فلحقوه وهم عشرة فوجدوه قتيلاً، وأخذوا كليباً فكتفوه وساقوه، وأنشأ خوذة بن عبرم يرثي أباه ويقول:
إلى الله أشكو أن أؤوب وقد ثوىقتيلاً وأودى سيد القوم عبرم
فمات ضياعاً هكذا بيد امريءٍلئيمٍ فلو أدمي لما كنت أثلم
ولكن ثوى لم يكلم السيف جيدهولا ناله رمحٌ ولم يرق الدم
فأنت ابن شؤبوبٍ فيا لهفتا لهوما جزّ من أظفاره منك أكرم
سأسقيك قبل الموت كأساً مزاجهاذعافٌ من السم النقيع وعلقم
فأجابه كليب:
أخوذة إن تفخر وتزعم بأننيلئيمٌ ويأبى لي قتالي عبرم
فأقسم بالبيت المحرم من منىًوبرّ يميني صادقاً حين أقسم
لضبٌّ بقفرٍ من قفارٍ وضبعةٍخموعٌ ويربوع الفلا منك أكرم
ألا عجباً من فخر هذا وأمهسواديةٌ والجد علجٌ مكدّم
أتوعدني بالمنكرات وإننيصبور على ما ناب جلد مصمم
واعلم أني ميتٌ لا محالةًفلا جزعاً إن كنت ذلك تعلم
فأراد خوذة قتله فمنعه أصحابه حتى يذهبوا به إلى حارثة. فلما انتهوا إليه قال له حارثة: يا كليب أنت أسير. فقال: من ير يوماً ير به! فذهبت مثلاً. فدفعه إلى خوذة فخنقه حتى مات.
ومنهم هدبة بن خشرم قتل ابن عم له يسمى زيادة بن زيد فحبس ليقاد به، فلم يزل محبوساً حتى شبّ ابن المقتول فدخل عليه السجن وهو يلاعب صاحباً له بالشطرنج فقيل له: قم إلى القتل! فقال: حتى أفرغ من لعبتي. فلما فرغ خرج وجعل يهرول. فقيل له: ما بالك تأتي الموت هكذا؟ فقال: لا آتيه إلا شداً. فلقيه عبد الرحمن بن حسان فقال: أنشدني. فأنشده:
ألا عللاني قبل نوح النوائحوقبل اطلاع النفس بين الجوانح
وقبل غدٍ يا لهف نفسي على غدٍإذا راح أصحابي ولست برائح
إذا راح أصحابي وخُلّفت ثاوياًبداويةٍ بين المتان الضحاضح
قال: ثم أقعد ليقاد فنظر إلى أبويه فقال:
أبلياني اليوم صبراً منكماإن حزناً منكما بادٍ لشرّ
لا أرى ذا الموت يبقي أحداًإن بعد الموت دار المستقرّ
ثم نظر إلى امرأته فقال لها:
لا تنكحي إن فرق الدهر بينناأغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
وكوني حبيساً أو لأروع ماجدٍإذا ضنّ أغساس الرجال تبرُّعا
فمالت زوجته إلى جزار فأخذت مديته فقطعت بها أنفها وجاءته مجدوعة فقالت: أتخاف أن يكون بعد هذا نكاح؟ فرسف في قيوده وقال: الآن طاب الموت. فلما قُدّم ليقاد بابن عمه وأخذ ابن زيادة السيف فضوعفت له الدية حتى بلغت مائة ألف درهم، فخافت أم الغلام أن يقبل ابنها الدية ولا يقتله فقالت: أعطي الله عهداً لئن لم تقتله لأتزوجنه فيكون قد قتل أباك ونكح أمك! فقتله.
قال: ولما واقع طلحة والزبير عثمان بن حنيف عامل علي بن أبي طالب، ﵁، على البصرة خرج حكيم بن جبلة العبدي فشدّ عليه رجل من أصحاب طلحة فقطع رجله، فزحف إلى رجله حتى أخذها ورمى بها قاطعها فقتله، ويقول: يا رجل لا تراعي، فإن معي ذراعي. ثم حبا إلى المقتول فاتكأ عليه. فقيل له: يا حُكيم من ضربك؟ فقال: وسادتي.
وعن معاذ بن الجموح قال: سمعت الناس يوم بدر يقولون: أبو الحكم لا يخلصنّ إليه. يريدون أبا جهل. فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطننت قدمه بنصف ساقه، فوالله ما شبّهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضحة النوى. قال: وضربني عكرمة بن أبي جهل على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي فأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها حتى طرحتها.
قيل: ولما حمل رأس محمد بن عبد الله بن الحسن إلى المنصور من مدينة الرسول، عليه وعلى آله السلام، قال لمطير بن عبد الله: أما تشهد أن محمداً بايعني؟ قال: أشهد بالله لقد أخبرتني أن محمداً خير بني هاشم وأنك بايعت له. قال: يا ابن الزانية أنا قلت؟ قال: الزانية ولدتك. قال: يا ابن الزانية الفاعلة أتدري ما تقول؟ قال: التي تعني خير من أمك. فأمر به فوتّد في عينيه فما نطق.
قيل: وقدم أعرابي على عمر بن الخطاب، ﵁، يستحمله فقال: خذ بعيراً من إبل الصدقة. فنظر إلى بعير منها فتعلق بذنبه ونازعه البعير فاقتلع ذنبه. فقال عمر: هل رأيت أشدّ منك؟ قال: نعم، خرجت بامرأة من أهلي أريد بها زوجها فنزلت منزلاً أهله خلوف، فدنوت من الحوض فإذا رجل قد أقبل ومعه ذود له فصرف ذوده إلى الحوض وأقبل نحو المرأة ولا أدري ما يريد، فلما قرب منها ساورها فنادتني فلما انتهيت إليه كان قد خالطها فجئت أدفعه فأخذ رأسي فوضعه بين ذراعه وجنبه فما استطعت أن أتحرك حتى قضى ما أراد، ثم قام فاضطجع وقالت: نعم الفحل هذا لو كانت لنا منه سخلة. فأمهلت حتى امتلأ نوماً ثم قمت إليه فضربت ساقه بالسيف فأطننتها، فوثب فهربت وغلبه الدم فرماني بساقه فأخطأني وأصاب بعيري فقتله. فقال عمر: فما فعلت المرأة؟ فقال: هذا حديث الرجل. فكرر عليه مراراً كل هذا يقول هذا حديث الرجل.
عمر بن شبّة النميري أبو زيد قال: كان علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضوان الله عليهم أجمعين، من آل الأفطس وكان يلقب بالجزري، فتزوج رقية بنت عمرو العثمانية وكانت تحت المهدي، فبلغ ذلك الهادي فأرسل إليه فحمله وقال: أعياك النساء إلا امرأة أمير المؤمنين! فقال: ما حرم الله ﷿ على خلق إلا نساء جدي، ﷺ، فأما غيرهن فلا ولا كرامة. فشجه بمخصرة كانت في يده وأمر بضربه خمس مائة سوط وأراد على أن يطلقها فلم يفعل، فحمل من بين يديه في نطع فألقي ناحية، وكان في يده خاتم سريّ فرآه بعض الخدم وقد غشي عليه فأهوى إلى الخاتم، فقبض على يد الخادم فدقّها، فصاح: الموت دقّ يدي! فسمعه الهادي فدعاه فرأى ما به فاستشاط فقال: تفعل هذا بخادمي مع استخفافك بي وقولك لي؟ قال: قل له وسله ومره أن يضع يده مرة على رأسك ليصدقنّ. ففعل ذلك موسى فصدقه الخادم. فقال: أحسن والله! أنا أشهد أنه ابن عمي، لو لم يفعل ذلك لانتفيت منه. وأمر بإطلاقه ووصله بمائة ألف درهم.
قيل: وخطب علي بن أبي طالب، ﵁، فقال: تقول قريش جزع ابن أبي طالب من الموت، والله لعلي آنس بالموت من الطفل بثدي أمه. قيل: ولما كان في حرب صفين والناس في أشد ما يكون من الحرب قال علي: رضوان الله عليه: ألا ماء فأشتريه؟ فأتاه شاب من بني هاشم بشربة من عسل، فتناوله وقال: يا فتى عسلك هذا طائفيّ. قال: سبحان الله! في هذا الوقت تعرف الطائفي من غيره! فقال: إنه لم يملأ صدر ابن عمك شيء قط.
وحكي عنه، رضوان الله عليه، أنه قال: ما أبالي وقعت في الموت أو وقع الموت عليّ.
حدثنا الوضاحي عن معمر بن وهيب قال: قال عبد الملك بن مروان عند موته للوليد وهو يبكي عند رأسه: ما هذا البكاء وحنين النساء ثكلتك أمك! ألا تتأهب للخلافة بشدة سطوتك وقلة رحمتك لناقض بيعتك وتجريد سيفك للمبدي ذات طويته؟ فقال له قبيصة بن ذؤيب: ليس هذا أمر الله جل وعز. فقال: ما كنت لآمر بغيره. ثم قال:
بنو الحرب لا نعيا بشيءٍ نريدهولسنا على ما أحدث الدهر نجزع
جلادٌ على ريب الزمان فلن ترىعلى هالكٍ عيناً لنا الدهر تدمع
وأنشدنا غيره في مثله:
وإنا لقومٌ ما تفيض دموعناعلى هالكٍ منا وإن قصم الظهرا
ولسنا كمن يبكي أخاه بعبرةٍفيعصرها من جفن مقلته عصرا
ولكننا نشفي الفؤاد بغارةٍتلهّب من قطري جوانبه جمرا
ولآخر في مثله:
سقياً ورعياً وإيماناً ومغفرةًللباكيات علينا يوم نرتحل
يبكي علينا ولا نبكي على أحدٍلنحن أغلظ أكباداً من الإبل
ولآخر في نحوه:
إذا استلب الخوف الرجال قلوبهاصبرنا على الموت النفوس الغواليا
حذار الأحاديث التي غبّ يومهاعقدن بأعناق الرجال المخازيا
ولآخر في مثله:
مقتَّلون وقتّالون ميتتهمكما تُقتّل أسد الغاب في الأجم
والقتل عادتهم والقتل مكرمةٌولا يموتون من داءٍ ولا هرم
وبالوجوه جراحٌ ما تشينهموما بهم طعنةٌ في ظهر منهزم
ولآخر في مثله:
سدِكت أنامله بقائم سيفهوبنشر فائدةٍ وذروة منبر
ما إن يزال إذا الرماح شجرنهمتسربلاً سربال طيب العنصر
يلقى الرماح بصدره وبنحرهويقيم هامته مقام المغفر
أوما إلى الكوماء هذا طارقٌنحرتني الأعداء إن لم تُنحر
وللمأمون:
نحن الذين إذا تخمّط عصبةٌمن معشرٍ كنا لها أنكالا
وترى القروم مخافةٌ لقرومناقبل اللقاء تقطّر الأبوالا
نرد المنية لا نخاف ورودهاتحت العجاجة والعيون تلالا
نعطي الجزيل فلا نمنّ عطاءناقبل السؤال ونحمل الأثقالا
وإذا البلاد على العباد تزلزلتكنا لزلزلة البلاد جبالا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع