تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)

مساوئ الجبن

قيل في المثل: هو أجبن من هجرس، وهو القرد، وذلك أنه لا ينام إلا في يده حجر مخافة أن يأكله الذئب. وحدثنا رجل بمكة قال: إذا كان الليل رأيت القرود تجتمع في موضع واحد ثم تبيت مستطيلة واحداً في إثر واحد في يد كل واحد منها حجر لئلا ترقد فيأتيها الذئب فيأكلها، فإن نام واحد وسقط الحجر من يده فزعت فتحول الآخر فصار قدّامها فلا تزال كذلك طول الليل فتصبح وقد صارت من الموضع الذي باتت فيه على ثلاثة أميال وأقل وأكثر جبناً.

وقيل أيضاً: هو أجبن من صافر، وهو طائر يتعلق برجليه وينكس رأسه ثم يصفر ليلته كلها خوفاً من أن ينام فيؤخذ. ويقال أيضاً: إن الصافر هو الذي يصفر لريبة. وذكروا أن رجلاً كان يأتي امرأة وهي جالسة مع بنيها وزوجها فيصفر لها فتقوم وتُخرج عجزها من وراء الباب وهي تحدث ولدها فتقضي حاجتها وحاجته وينصرف. فعلم بذلك بعض بنيها فغاب عنها يومها ثم جاء في ذلك الوقت وصفر ومعه مسمار محمىً، فلما جاءت لعادتها كواها به، فجاء الرجل بعد ذلك فصفر فقالت: قد قلينا صفيركم، فضربه الكميت مثلاً في قوله:

أرجو لكم أن تكونوا في مودتكمكلباً كورهاء تقلي كلّ صفار
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «أرجو لكم أن تكونوا في مودتكم»
لما أجابت صفيراً كان يألفهامن قابسٍ شيّط الوجعاء بالنار

وقيل أيضاً: هو أجبن من المنزوف ضرطاً، وكان من جبنه أن نسوة من العرب لم يكن لهن رجل فتزوجت واحدة منهن برجل كان ينام إلى الضحى فإذا أتينه بصبوحه قلن له: قم فاصطبح، فيقول: لو لعادية تنبهنني، فقلن: هذه نواصي الخيل. فجعل يقول: الخيل الخيل! ويضرط حتى مات، فضرب به المثل.

قيل: وخرج رهم بن خشرم الهلالي ومعه أهله وماله يريد النُّقلة من بلد إلى بلد، فلقيه قوم من بني تغلب فدهش ورعب رعباً شديداً فقال: يا بني تغلب شأنكم المال وخلّوا عن الظعينة. فقالوا: رضينا إن ألقيت الرمح. فرجع إليه عقله وقال: أومعي رمح! وحمل عليهم فقتل منهم رجلاً ثم صرع آخر وأنشأ يقول:

ردّا على آخرها الأتالياإن لها بالمشرفي حاذيا

ذكرتني الطّعن وكنت ناسيا

فانهزم الباقون ونجا هو بالمال والظعينة ومرّ نحو وطنه سالماً.

قيل: وكان في بني ليث رجل جبان فخرج رهطه وبلغ ذلك ناساً من بني سُليم كانوا أعداءهم فلم يشعر الرجل إلا بخيل قد أحاطت بهم فذهب يفرّ فلم يجد مفراً ووجدهم قد أخذوا عليه كل وجه، فلما رأى ذلك جلس ثم أبرز كنانته وأخذ قوسه وقال:

ما علّتي وأنا جلدٌ عابلوالقوس من نبعٍ لها بلابل
يرنّ فيها وترٌ عنابلإن لا أقاتلكم فأمّي هابل
أكُلّ يومٍ أنا عنكم ناكللا أطعن القوم ولا أقاتل

الموت حقٌّ والحياة باطل

فقاتلهم فانهزموا فصار بعد ذلك أشجع قومه.

قيل: وخرج أبو دلامة مع روح بن حاتم إلى بعض الحروب، فلما التقى الجمعان قال أبو دلامة لروح: أصلح الله الأمير! لو أن تحتي فرساً من خيلك وفي وسطي ألف دينار لأشجيت أعداءك نجدة وإقداماً. فقال روح: ادفعوا إليه ذلك. فدفع إليه فلما أخذه أنشأ يقول:

إني أعوذ بروحٍ أن يقدمنيإلى القتال فيشقى بي بنو أسدٍ
إن المهلب حبَّ الموت أورثكمولم أرث نجدةً في الموت من أحد

فأجابه روح:

هون عليك فلن أريدك في الوغىلتطاعنٍ وتنازلٍ وضراب
كن آخراً في القوم تنظر واقفاًفإن انهزمت مشيت في الهراب

فأجابه أبو دلامة:

هذي السيوف رأيتها مشهورةًفتركتها ومضيت في الهرّاب
ماذا تقول لما يجيء ولا يرىمن بادرات الموت من نشّاب

فضحك روح فأعفاه وانصرف.

وحدثني أبو مالك عبد الله بن محمد قال: لما توفي أبو العباس السفاح دخل أبو دلامة على أبي جعفر المنصور والناس عنده يعزونه فقال: يا أمير المؤمنين كان أبو العباس أمر لي بعشرة آلاف درهم وخمسين ثوباً وهو مريض فلم أقبضها. فقال المنصور للخازن: ادفعها إليه وسيره إلى هذا الطاغية، يعني عبد الله بن عليّ. فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن أخرج معهم فإني والله مشؤوم! فقال: لعله يغلب شؤمك فاخرج مع العسكر. فقال: والله ما أحب لك يا أمير المؤمنين أن تجرّب ذلك فإني لا أدري على أي الفريقين يكون.

فقال أبو جعفر: دعني من هذا ما نريد غير المسير. فقال: يا أمير المؤمنين والله لأصدقنك، إني شهدت تسعة عساكر كلها هزمت فأنا أعيذك بالله أن تكون العاشر. فاستفرغ أبو جعفر ضحكاً وأمره أن يتخلف.

قال: وقيل لجبان: انهزمت فغضب عليك الأمير. فقال: يغضب عليّ الأمير وأنا حيّ أحبّ إليّ من يرضى عني وأنا ميت.

قال: وقيل لبعض المجّان: ما لك لا تغزو؟ فقال: والله إني لأبغض الموت على فراشي فكيف أمرّ إليه ركضاً! قال: وقال الحجاج لحميد الأرقط وقد أنشده قصيدة يصف فيها الحرب: يا حميد هل قاتلت قط؟ قال: لا أيها الأمير إلا في النوم. قال: وكيف كان وقعتك؟ قال: انتبهت وأنا منهزم.

وقال عمرو بن بحر الجاحظ: سمعت بلالاً يحكي عن أصحابه أن رئيسهم كان يسمى ابريقياء وأنهم خرجوا في سفر فإذا بعشرة نفر من اللصوص قد تعرّضوا لهم، قال: وكان أشدّ أصحابنا والمنظور إليه منا فتىً يقال له دومني بطل شديد لا يهوله شيء مطاعن مسابق، فحمل على رجل منهم فعطف عليه الرجل فقطع أنف دومني ونزع خصييه وكسر أسنانه فرجع منهزماً، فغاظني ذلك فوثبت وأخذت كسائي وطويته بطاقين ولففته على يديّ وأخذت عصاي وأخذ آخر ملحفة والدته فلفها على ذراعيه وأخذ آخر طبقاً كبيراً من أطباق الفاكهة فستر به وجهه وخرجنا وتقدم رئيسنا ابريقياء وقد لفّ على يده قطيفة وهو يقول:

إن تنكروني فأنا ابن كلب

فقال له بعض اللصوص: ما ننكر ذلك عليك. فشدّ عليه ابريقياء بأسفل دنٍّ كان معه فلم يُحِك فيه، فأخذ اللص أسفل الدن فرمى به ابريقياء فهشم وجهه وكسر أسنانه، وتنحّى ابريقياء وأقبل منا آخر يسمى لقوة وأنشأ يقول:

إن عصايَ فاعلموا مقيّرهأضرب بها وجه اللصوص الكفره

ثم شد على واحد منهم فضرب مفرق رأسه فلم يحك فيه واستلب العصا منه وطلاه بها طلياً فإذا هو قد خلع منكبه وكسر أضلاعه وبقي لا يحلّي ولا يُمرّ. ثم أقبل فتى من أصحابنا وفي يده مجرفة وهو يقول:

أنا ابن الكهل في يدي مجرفهوالله لو كان بكفّي مغرفه
وهي لعمري قد كستني ملحفهوالدتي كريمةٌ منظفه

قتلتكم فكيف عندي مجرفه

فضرب بالمجرفة واحداً من اللصوص فأخطأه وعطف عليه اللص فأخذها من يده ثم ضربه بها ضربة فدار سبع مرات وسقط وقد غشي عليه. فلما رأيت ذلك عدت إلى الطعان وأنا أقول:

أنا فلان سيد الفتيانأنا ابن حمران فتى الميدان
أحلف بالله وبالفرقانلأضربنّ القوم بالمميان
ضرب غلامٍ ماجدٍ كشحانوالعجز منسوبٌ إلى الجبان

فأشدّ على واحد منهم فأضرب كفيه، فوثب قبل أن تصل إليه الضربة فضربني فهشم أنفي وكسر أسناني وخررت مغشياً عليّ ثم فتحت عيني فلم أر منهم أحداً ولا أدري كيف أخذوا، فالحمد لله على الظفر.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والمساوئ»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.