من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
مساوئ تعدي السلطان
قال: قال جميل بن بصبهري: إياك أن تصحب السلطان بالجرأة عليه والتقصير في المعرفة بقدره والتهاون بأمره، ولتكن صحبتك له بالحذر وشدة التوقي كما تصحب الأسد الضاري والفيل المغتلم والأفعى القاتلة، ولا تصحب الصديق إلا بالتواضع ولين الجانب، واصحب العدو بالحجة فيما بينك وبينه والإعذار عليه، واصحب العامة بالبر والبشر الحسن. وقد قيل: سبع غشوم خير من والٍ ظلوم.
وحدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: أُتي الوليد بن عبد الملك برجل من الخوارج وعنده عمر بن عبد العزيز وخالد بن الريان فقال له الوليد: ما تقول في أبي بكر؟ قال: صاحب نبي الله في الغار وثاني اثنين ﵀ وغفر له. قال: فما تقول: في عمر؟ قال: هو الفاروق ﵀ وغفر له. قال: فما تقول في عثمان؟ قال: كان سنياتٍ من خلافته ملازماً للعدل. قال: فما تقول في مروان بن الحكم؟ قال: لعن الله ذاك. قال: فما تقول في عبد الملك؟ قال: ذلك ابن ذاك لعن الله ذاك. قال: فما تقول فيّ؟ قال: بنيّ ذينك وأنت شرّ الثلاثة. فقال: يا عمر ما تقول فيما تسمع؟ قال: يا أمير المؤمنين ما أحد أعلم بهذا منك وأنت أعلى به عيناً. فألحّ عليه والله لتقولنّ، فقال: أما إذا أبيت يا أمير المؤمنين إلا أن أقول فسبّ إياه كما سب إياك وأن تعفو أقرب للتقوى. قال: ليس إلا هذا. قال: لا يا أمير المؤمنين إلا أن تدخلك جبرية، فأما الحق فليس إلا هذا.
فالتفت إلى خالد بن الريان وهو قائم على رأسه ثم قام وهو غضبان. فقال خالد: والله يا عمر لقد نظر إليّ أمير المؤمنين نظرة ظننت أنه سيأمرني بضرب عنقك. قال: ولو أمرك كنت تفعل؟ قال: إي والله. قال: أما إنه كان يكون شراً لكما وخيراً لي.
ثم سكت عنه وبقي ذلك في قلبه، فلما قام الوليد من مجلسه دخل على امرأته أم البنين بنت عبد العزيز وهي أخت عمر فقال: أخوك الحروري والله لأقتلنه.
فمكث أياماً وعمر في منزله لا يحضر الباب ولا يلتمس المعذرة، فأتاه رسول الوليد وقت القائلة فدعاه، فلما دخل من باب القصر عدل به إلى بيتٍ فأدخل فيه وطيّن عليه الباب. فرجع صاحب دابته إلى أهله فأخبرهم فأخبروا أخته بذلك فبحثت عن خبره فلم تجد أحداً يخبرها بخبره وذلك يوم الثالث. فقيل لها: إن فلاناً الخصي يعلم علمه. فأرسلت إليه فأعلمها بموضعه. فدخلت على الوليد فناشدته الله والرحم وقبّلت يده. فقال: قد وهبته لك إن أدركته حياً قال. ففتحوا عنه الباب فوجدوه قد انثنى عنقه فحملوه إلى منزله وعالجوه.
فلما توفي الوليد وكان سليمان بعده فهلك وتولى عمر الخلافة جاء خالد بن الريان في اليوم الذي استخلف فيه عمر، ﵀، متقلداً سيفه، فقال له عمر: يا خالد انطلق بسيفك هذا فضعه في بيتك واقعد فيه فإنه لا حاجة لنا فيك، أنت رجل إذا أُمرت بشيء فعلته لا تنظر لدينك. فلما ولى خالد نظر عمر في قفاه فقال: اللهم يا رب إني قد وضعته لك فلا ترفعه أبداً. فما لبث إلا جمعة حتى ضربه الفالج فقتله.
قال: ولما قالت التغلبية للجحاف بن حكيم في وقعة البشر: فضّ الله عمادك، وأطال سهادك، وسلبك حياتك، فوالله لئن قتلت إلا نساءً كالدمى أو أسافلهنّ دميّ وأعاليهنّ ثديّ. فقال لمن حوله: لولا أن يلد منها حكيم لخليت سبيلها. فبلغ ذلك الحسن البصري فقال: إنما الجحاف جذوة من نار جهنم.
قيل: ولما بنى زياد البيضاء بالبصرة أمر أصحابه أن يسمعوا من أفواه الناس، فأُتي برجلٍ قيل إنه تلا: " أتبنون بكلّ ريعٍ آيةً تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ". فقال: ما دعاك إلى هذا؟ قال: آية من كتاب الله ﷿ حضرت. قال: والله لأعلمنّ فيك الآية الثانية: " وإذا بطشتم بطشتم جبارين ". فأمر فبُني عليه ركن من أركان القصر.
قيل: إن الحجاج لما أتى المدينة أرسل إلى حسن بن حسن فقال: هات سيف رسول الله، ﷺ، ودرعه. فقال: لا أفعل. قال: فجاء الحجاج بالسيف والسوط والعصا فقال: والله لأضربنك بهذه العصا حتى أكسرها! ثم قال: لأضربنك بهذا السوط حتى أقطعه، ثم لأضربنك بهذا السيف حتى تبرد أو تأتيني بهما! فقال الناس: يا أبا محمد لا تتعرّضن لهذا الجبار. قال: فجاء الحسن بسيف رسول الله، ﷺ، ودرعه فوضعهما بين يدي الحجاج. فأرسل الحجاج إلى رجل من آل أبي رافع فقال له: هل تعرف سيف رسول الله، ﷺ؟ فخلطه بين أسيافه ثم قال: أخرجه، فأخرجه. ثم جاء بالدرع فنظر إليها فقال: هناك علامة كانت على الفضل بن العباس يوم اليرموك فطعن بحربة فخرقت الدرع. فرفعناها فوجدنا الدرع على ما قال. فقال الحجاج للحسن: أما والله لو لم تجئني به وجئت بغيره لضربت به رأسك.
وذكروا أن الحجاج قال يوماً لحاجبه: اعسس الليلة بنفسك فمن وجدته فجئني به، فلما أصبح أتاه بثلاثة نفر، فقال الحجاج لواحد منهم: ما كان سبب خروجك بالليل وقد نادى منادٍ ألا يخرج أحد ليلاً؟ فقال: أصلح الله الأمير! كنت سكران فغلبني السكر فخرجت ولا أعقل. ففكر الحجاج ساعة ثم قال: سكران غلبه سكره خلّوا عنه لا تعودنّ. وقال للآخر: فأنت ما كان سببك؟ قال: أصلح الله الأمير! كنت مع قوم في مجلس يشربون فوقعت بينهم عربدة فخفت على نفسي فخرجت. ففكر الحجاج في نفسه ثم قال: رجل أحبّ المسالمة خلّوا عنه. ثم قال للآخر: ما كان سبب خروجك؟ قال: لي والدة عجوز وأنا رجل حمّال فرجعت إلى بيتي فقالت والدتي: ما ذقت اليوم طعاماً، فخرجت ألتمس لها ذلك فأخذني عسس الأمير. ففكر ساعة ثم قال: يا غلام اضرب عنقه. فإذا رأسه بين رجليه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع