من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
محاسن الحلم
حُكي عن أنوشروان أن وفوداً وردوا عليه من قبل الملوك فأتوه واستأذنوا، فأمر رجلاً من بطانته أن يأتيه بتاجه. فأقبل الرجل بالتاج فارتعشت يده وسقط التاج من يده فانكسر وذلك بعين كسرى. فغض طرفه لئلا يرعبه. فتناول الرجل التاج وقال له كسرى: لا بأس عليك! انطلق إلى الحاجب ومره أن يصرف الوفود في هذا اليوم.
وحكي عنه أيضاً أنه دعا كاتبه وعرض عليه كتاباً ورد عليه من قبل أصبهبذ خراسان فيه أخبار من أخبار الترك فجعل يؤامره فيها وإن رهطاً من خاصته قاموا خلف سريره فتسمعوا عليه فعطس واحد منهم فالتفت كسرى ونظر إليهم وقال: لا ينبغي أن تسمعوا سر الملك، وقد صفحت عنكم فلا تعودوا لمثل ذلك.
قال: وقال رجل من قريش: ما أظن معاوية أغضبه شيء قط. فقال بعضهم: إن ذكرت أمه غضب. فقال مالك بن أسماء المنى القرشي: أنا أُغضبه إن جعلتم لي جعلاً. ففعلوا. فأتاه في الموسم فقال له: يا أمير المؤمنين إن عينيك لتشبهان عيني أمك. قال: نعم كانتا عينين طال ما أعجبتا أبا سفيان. ثم دعا مولاه شقران فقال له: اعدد لأسماء المنى دية ابنها فإني قد قتلته وهو لا يدري. فرجع وأخذ الجعل. فقيل له: إن أتيت عمرو بن الزبير فقل له مثل ما قلت لمعاوية أعطيناك كذا وكذا. فأتاه فقال له ذلك فأمر بضربه حتى مات. فبلغ معاوية فقال: أنا والله قتلته. وبعث إلى أمه بديته وأنشأ يقول:
ألا قل لأسماء المنى أم مالكٍفإني لعمر الله أهلكت مالكا
قيل: وجاء رجل إلى الأحنف بن قيس فلطم وجهه فقال: بسم الله يا ابن أخي ما دعاك إلى هذا؟ قال: آليت أن ألطم سيد العرب من بني تميم. قال: فبرّ يمينك فما أنا بسيدها، سيدها حارثة بن قدامة! فذهب الرجل فلطم حارثة فقام إليه حارثة بالسيف فقطع يمينه. فبلغ ذلك الأحنف فقال: أنا والله قطعتها.
وعن إسحاق بن إسماعيل قال: حدثني أبي أنه كان يتغدى مع يحيى بن خالد البرمكي يوماً إذ طلب أرزةً اشتهاها فأمر الطباخ باتخاذها بدهن النارجيل فغلط الطباخ وجعل مكان الدهن نفطاً وأتاه بها. فلما وضع يده فيها قال: ارفع. ولم يقل شيئاً سوى ذلك.
وحكى جعفر ابن أخت أبي العباس قال: دخلت على المأمون ويداه معلقتان من شيء رطب أكله قد مسته النار وهو يصيح: يا غلام. وكلهم يسمع صوته فما منهم أحد يجيبه. فخرجت إليهم وأنا أفور غضباً فإذا بعضهم يلعب بالشطرنج وبعضهم بالكعاب وبعضهم يهارش الديوك. فقلت: يا بني الفواعل أما تسمعون أمير المؤمنين يدعوكم؟ فقال واحد: حتى أقيس هذا الكعب. وقال الآخر: قد بقيت على ضربه. وقال آخر: امض فإني أتبعك. فما علمت ما أخاطبهم به من الحنق عليهم، فإذا المأمون قد صوّت بي وأنا أقذف أمهاتهم. فأتيته وهو يضحك. فقال: ارفق بهم فإنهم بشر مثلك. فقلت: تقول هذا وأنت معلّق اليد؟ فقال: وهذا معاشرتك خدمك؟ فقلت: والله لو فعل بي هذا ولدي من دون خدمي لقتلته! قال: هذه أخلاق السوقة وأخلاقنا أخلاق الملوك. فقلت: لا والله ما هذه أخلاق الملوك ولا أخلاق الأنبياء ﵈.
وقال ثمامة بن أشرس: والله إني لفي مجلس المأمون وعنده عمرو بن مسعدة وأبو عباد والعباسي ومحمد بن أبي محمد اليزيدي إذ دخل عليّ بن صالح فقال: محمد بن الفضل بن سليمان الطوسي بالباب. قال: يدخل. فدخل وسلم وفي يده كتاب فأشار به إلى المأمون. فقال المأمون: اذكر ما فيه. فقال: يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك سر من أسرار الخليفة لا يحتمل إذاعته! قال: وإن كان ذلك فاذكره. قال: يا أمير المؤمنين لست فاعلاً! قال: يا هذا ما بحضرتنا من نكتمه أسرارنا فأبد ما عندك. فأعاد محمد بن الفضل مثل قوله الأول والثاني. فقال المأمون إني لأعلم ما في كتابك! قال: هذه كهانة! قال: فنزل المأمون عن فرشه ورفع ستراً كان في ظهر مجلسه ودخل وأشار إلينا وقال: لا تبرحوا. فجاء علي بن صالح فأخذ بيد الطوسي وقال: قم فأنت أشأم من البسوس. فأقعده خلف حائط بقرب المجلس لكي إن خرج لا يراه وإن دعاه أحضره. قال: فجعل كل واحد منا يرجف بجنسٍ من المكروه وكلنا خائفون عليه، فواحد يقول: يأخذ الساعة أمواله وينفيه. وآخر يقول: يضرب عنقه. قال: فأبطأ علينا المأمون ثم خرج ووجهه مسفر ضاحكة سنّه، فقال: سمعتم ما كلمني به هذا الخائن، إنه والله لما بلغ مني كلامه لم أجد بدّاً ولا دواء إلا ملاعبة الجواري والنساء ليزول عني ما قد تداخلني، وقد أسمعني ما أكره بضع عشرة مرة واحتملته.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع