تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)

محاسن النظر في المظالم

قال: دخل رجل في جماعة من الناس على سليمان بن عبد الملك وهو جالس للعامة فقال: يا سليمان أذكّرك يوم الأذان. قال: فارتاع لما دعاه باسمه وقال: ويحك وما يوم الأذان؟ قال: قول الله جل ذكره: " فأذّن مؤذنٌ بينهم أن لعنة الله على الظالمين ". فبكى سليمان وقال له: ما حاجتك؟ فقال: أنا جار في ضيعتك الفلانية وقد ظلمني وكيلك فأضرّ ذلك بي وبعيالي. قال: قد وهبت لك الضيعة. وكتب إلى وكيله بتسليمها إليه.

قيل: وقدم رجل من حلوان مصر على عمر بن عبد العزيز، ﵀، فقال: يا أمير المؤمنين إن والدك وليَ بلادنا فكتب إلى عبد الملك يخبره أن حلوان صافية وهي أرض خراج فأقطعها إياه فورثتها أنت وإخوتك فاتق الله ولا تظلمنا كما ظلمنا أبوك فإنه كان شيخاً ضعيف الخرج وأنت رجل مخرج.

فقال عمر: إن كان أبي كما ذكرت فهو أبي لا أبوك، نازعني منازعة جميلة ولا تشتم عرضي فإن لي فيها شركاء إخوة وأخوات لا يرضون أن أقضي فيها بغير قضاء قاضٍ، أقوم معك إلى القاضي فإن قضى لي اصطبرت وإن قضى لك سلّمت. قال: إن قمت معي إلى القاضي فقد أنصفتني. فقاما جميعاً إلى القاضي فقعدا بين يديه، فتكلم عمر بحجته وتكلم الرجل، فقضى القاضي للرجل. فقال عمر: إن عبد العزيز قد أنفق عليها ألف ألف درهم. فقال القاضي: قد أكلتم من غلتها بقدر ذلك. فقال عمر: وهل القضاء إلا هذا؟ لو قضيت لي وما وليت لي عملاً أبداً. فخرج إلى الرجل من حقه.

قال: ودخل نفر من القراء وفيهم رجل ذكر ظلامة له على عمر فقال: يا أمير المؤمنين اذكر مقامي هذا فإنه مقام لا يشغل الله جل وعز عنه كثرة من تخاصم إليه من الخلائق يوم تلقاه بلا ثقة من العمل ولا براءة من الذنوب.

فقال عمر: ويحك اردد كلامك! فرده عليه، فجعل يبكي وينتحب حتى إذا أفاق قال: ما حاجتك؟ قال: عاملك على أذربيجان ظلمني وأخذ من مالي عشرة آلاف درهم، فكتب بردّ ذلك عليه وبعزل عامله وقال: انظروا هل اخلولق له من ثوب أو تقطّع له من حذاء. فحسب ذلك فبلغ عشرين ديناراً فأمر بدفعها إليه.

قال: وبينا عمر، ﵀، يسير على بغلته إذ جاء رجل فتعلق بلجامها فقال: أتيتك بعيد الدار مظلوماً! قال له: من أين أنت؟ قال: من حضرموت أرضي وأرض آبائي أخذها الوليد وسليمان فأكلاها. فنزل عمر عن بغلته يبكي حتى جلس على الأرض ثم قال: من يعلم ذلك؟ قال: أهل البلد قاطبة.

قال: يكفيني من ذلك شاهداً عدلٍ، اكتبوا له إلى بلاده إن أقام شاهدي عدلٍ أن الأرض له ولآبائه فادفعوها إليه. فلما ولى الرجل قال: انظروا هل هلكت له راحلة أم نفد له زاد أو تخرّق له من حذاء. فحسبوا ذلك فبلغ ثلاثين ديناراً فأُتي بها فعُدّت في يده.

قال ابن عياش: وخرج عمر ذات يوم من منزله على بغلة له وعليه قميص وملاءة إذ جاء رجل على راحلة حتى أناخها وسأل عن عمر فقيل له: قد خرج وهو راجع الآن. فأقبل عمر ومعه رجل يسايره، فقيل للرجل: هذا أمير المؤمنين. فقام فشكا إليه عدي بن أرطاة في أرض له، فقال عمر: قاتله الله! أما والله ما غرنا إلا بعمامته السوداء، أما إني قد كتبت إليه فضلاً عن وصيتي إن من أتاك ببينة على حق له فسلمه إليه، ثم قد عنّاك إليّ. فكتب إلى عديّ بردّ أرضه وقال للرجل: كم أنفقت؟ قال: تسألني عن نفقتي وقد رددت عليّ أرضاً هي خير من مائة ألف درهم! قال: إنما ردها عليك حقك، أخبرني كم أنفقت؟ قال: ما أدري. قال: احرزوه، فإذا هو ستون درهماً، فأمر له بها من بيت المال، فلما ولّى صاح به فرجع فقال: وهذه خمسة دراهم من مالي فكل بها لحماً حتى تبلغ.

الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت قال: أخبرني دهقان السيلحين قال: كان لسعيد بن مالك إلى جنبي ضيعة وكان رجلاً حديداً فأتيته فقلت له: أعدني على نفسك. فأمر بي فوُجئت في عنقي، فقلت: لأرحلن إلى عمر. فدخلت على امرأتي فأعلمتها ذلك فقالت: إني أخاف أن لا تصنع شيئاً ويجتريء عليك. فقلت: إني أكره أن تحدث العجم بأني قلت شيئاً لم أفعله. قال: فخرجت حتى قدمت المدينة فسألت عن عمر، ﵀، فدُللت عليه وأُرشدت إليه.

فلما أتيت منزله دخلت فإذا عمر، ﵁، جالس على عباءة، فرفع رأسه إليّ وقال: كأنك لست من أهل الملة. فقلت: أنا رجل من أهل الذمة. قال: فما حاجتك؟ قلت: لسعيد بن مالك ضيعة إلى جانبي وإني أتيته أستعديه على نفسه فأمر بي فوُجئت في عنقي فقلت لأرحلنّ إلى عمر. فقال: يا يرفا ائتني بالدواة والمكتب. فأتاه بجراب، فأدخل يده وأخرج صحيفةً فكتب فيها، ثم أخرج سيراً يشدّها به فلم يقدر عليه فتناول خيطاً من العباءة التي تحته وقد تنشّرت جوانبها فشدّها به، فأردت أن لا آخذها ثم تناولتها متثاقلاً، فكأنه عرف ما في نفسي فقال: ائته فإن كفاك وإلا فأقم واكتب إليّ. قال: فخرجت حتى قدمت على أهلي فقالوا: ما صنعت؟ قلت: أتيت رجلاً لم يقدر على سير يشدّ به صحيفته حتى تناول خيطاً من عباءة كانت تحته قد تفزّزت وتنشّرت جوانبها فشدّها به. قالوا: وما عليك من ذلك إن نفذ أمره؟ قال: فأتيت سعيداً فناولته الكتاب، فلما قرأه أُرعدت فرائصه حتى سقط الكتاب من يده وقال: ويلك ما صنعت؟ اذهب فالأرض لك. فقلت: لا أقبلها. فقال: لا والله لا أخذتها أبداً.

قال: وكان نسخة الكتاب: بسم الله الرحمن الرحمن. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى سعيد بن مالك. سلام عليك. أما بعد فإن مهرزاد دهقان السيلحين ذكر أن له ضيعة إلى جانبك وأنه أتاك يستعديك على نفسك فأمرت به فوجئت عنقه فإذا جاءك كتابي هذا فأرضه من حقه وإلا فأقبل إلي راحلاً، والسلام.

قيل: ولما ولي المأمون الخلافة عرضت عليه سيرة أبي بكر، ﵀، وفي آخرها: وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها.

فقال: أمير المؤمنين لا يطيق ذلك. ثم عُرضت عليه سيرة عمر، ﵁، وفي آخرها: وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها فقال: أمير المؤمنين لا يطيق هذا. ثم عُرضت عليه سيرة عثمان، ﵀، وفي آخرها: وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها. فقال: أمير المؤمنين لا يطيق هذا. ثم عرضت عليه سيرة علي، ﵁. وفي آخرها: وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها. فقال: أمير المؤمنين لا يطيق هذا. ثم عرضت عليه سيرة معاوية بن أبي سفيان وفي آخرها: وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها كيف شاء. فقال: إن كان فهذا.

وأخبرنا بعض أصحابنا قال: شهدت المأمون يوماً وقد خرج من باب البستان ببغداد فصاح به رجل بصريّ: يا أمير المؤمنين إني تزوجت بامرأة من آل زياد وإن أبا الرازي فرّق بيننا وقال هي امرأة من قريش. قال: فأمر عمرو بن مسعدة فكتب إلى أبي الرازي: إنه قد بلغ أمير المؤمنين ما كان من الزيادية وخلعك إياها إذ كانت من قريش، فمتى تحاكمت إليك العرب لا أم لك في أنسابها، ومتى وكلتك قريش يا ابن اللخناء بأن تُلصق بها من ليس منها؟ فخلّ بين الرجل وامرأته، فلئن كان زياد من قريش إنه لابن سمية بغي عاهرةٍ لا يفتخر بقرابتها ولا يتطاول بولادتها، ولئن كان ابن عبيد لقد باء بأمر عظيم إذ ادعى إلى غير أبيه لحظٍّ تعجّله ومُلكٍ قهره.

وحدثنا غيره قال: شهدت المأمون يوماً وقد ركب بالشماسية وخلف ظهره أحمد بن هشام، فصاح به رجل من أهل فارس: الله الله يا أمير المؤمنين! فإن أحمد بن هشام ظلمني واعتدى عليّ! فقال: كن بالباب حتى أرجع فأنظر في أمرك.

فلما مضى التفت إلى أحمد بن هشام فقال: ما يؤمنك منا أن نوقفك وصاحبك هذا على رؤوس هذه الجماعة وتقعد مع خصمك حيث يقعد ثم يكون محقاً وتكون مبطلاً! فكيف إن كنت في صفته وكان في صفتك؟ فوجّه إليه من يحوّله عن بابنا إلى رحلك وأنصفه من نفسك وأعطه ما أنفق في طريقه إلينا، ولا تجعل لنا ذريعة إلى لائمتك، فوالله لو ظلمت العباس ابني كان أهون عليّ من ظلمك ضعيفاً لا يجدني في كل وقت ولا يخلو له وجهي، ولا سيما من كان يتجشم السفر البعيد ويكابد حر الهواجر وطول المسافة. قال: فوجه إليه أحمد بن هشام فحوّله إلى مضربه وكتب إلى عامله بردّ ما أخذ منه، ووصل الرجل بأربعة آلاف درهم.

قال: وتنازع رجلان بباب الجسر أحدهما من العظماء والآخر من السوقة فقنّعه الرجل فصاح السوقي: وا عمراه ذهب الإسلام! فأُخذ الرجل وكتب بخبره إلى المأمون، فدعاه وقال له: ما كانت حالك؟ فأخبره. وأحضر خصمه وقال له: لم قنّعت هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين هذا رجل معاملي وكان سيء المعاملة وكنت صبوراً على ذلك منه، فلما كان في هذا اليوم مررت بباب الجسر فأخذ بلجام دابتي وقال: لا أفارقك حتى تخرج إليّ حقي. فقلت له: إني أبادر إلى باب إسحاق بن إبراهيم. فقال: والله لو جاء إسحاق ومن ولّى إسحاق ما فارقتك. فما صبرت حين عرّض بالخلافة أن قنّعته فصاح: وا عمراه ذهب الإسلام منذ ذهب عمر. فقال للرجل: ما تقول؟ قال: كذب عليّ وقال الباطل. فقال الرجل: لي جماعة يشهدون على مقالته يا أمير المؤمنين، فإن أذنت لي أحضرتهم. قال المأمون للرجل: من أين أنت؟ قال: من أهل فامية. فقال: أما إن عمر بن الخطاب، ﵁، كان يقول: من كان جاره نبطياً واحتاج إلى ثمنه فليبعه. فإن كنت إنما طلبت سيرته فهذا حكمه في أهل فامية. ثم أمر له بألف درهم وأمر صاحبه أن ينصفه.

وحدثنا أبو الفضل الهاشمي عن قحطبة بن حميد بن قحطبة قال: قعد المأمون للمظالم ذات يوم فلم يزل قاعداً إلى أن قلنا قد فاتته الصلاة، فكان آخر من دعي امرأة فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فنظر المأمون إلى يحيى بن أكثم فقال: وعليكِ السلام، تكلمي يا أمة الله. فقالت:

يا خير منتصفٍ يُهدى به الرشدويا إماماً به قد أشرق البلد
للشاعر الأمين العباسي، من قصيدة «يا خير منتصف يهدى له الرشد»
أشكو إليك عقيد الملك أرملةًعدا عليها فلا تقوى به الأسد
فابتز مني ضياعي واستبد بهاففارق العيش مني الأهل والولد

فقال المأمون:

في دون ما قلت عيل الصبر والجلدوقد تقطّع مني القلب والكبد
هذا أوان صلاة الظهر فانصرفيوأحضري الخصم في اليوم الذي أعد
والمجلس السبت إن يُقض الجلوس لناننصفك فيه وإلا المجلس الأحد

قال: فانصرفت فلما كان يوم الأحد جلس فكان أول من دعا به المرأة، فسلمت فرد المأمون ﵍ وقال: أين الخصم، رحمك الله؟ قالت: هو واقف على رأسك وقد حيل بيني وبينه. وأومأت إلى العباس ابنه. فقال: يا أحمد بن أبي خالد خذ بيده فأقعده معها. قال: ففعل ذلك. فجعلت تعلو على العباس بصوتها وتقول: ظلمتني واعتديت عليّ وأخذت ضيعتي. فقال لها أحمد: ما هذا الصياح؟ إنك بين يدي أمير المؤمنين تناظرين الأمير! فقال المأمون: دعها يا أحمد فإن الحق أنطقها والباطل أخرسه. فلم يزالا يتناظران حتى حكم المأمون لها برد ضيعتها ثم قال: يا أحمد اردد عليها ما جباه العباس من ضيعتها وادفع إليها عشرة آلاف درهم ترمّ بها ما أراه من سوء حالها واكتب إلى والينا وقاضينا بإرفاقها والنظر في أمرها وأوغر لها خراج ضيعتها بالشيء الطفيف وليكن ذلك في يومنا هذا. فما برحت حتى قضيت حوائجها وخرجت.

وعن الحسن بن سهل قال: جلس المأمون ذات يوم للمظالم وإذا هو برجل قد مثل بين يديه وفي يده رقعة فيها سطران: بسم الله الرحمن الرحيم. مظلمة من أمير المؤمنين أطال الله بقاءه. فقال: أمظلمة مني! قال: أفأخاطب بالخلافة سواك؟ قال له: وما ظلامتك هذه؟ قال: ثلاثون ألف دينار. قال: وما وجهها؟ قال: إن سعيداً وكيلك اشترى مني جوهراً بثلاثين ألف دينار وحمله إلى منزلك ولم يوفر عليّ المال. قال: فإذا اشترى سعيد منك الجوهر تشكو الظلامة مني! قال: نعم إذا كانت الوكالة قد صحت له منك. قال: إن كلامك هذا يحتمل ثلاث جهات: أما أول ذلك فلعل سعيداً قد اشترى هذا الجوهر منك كما زعمت وحمله إلينا وأخذ المال من بيت المال ولم يوفّره عليك، أو لعله قد وفّره وادعيت باطلاً، أو اشتراه لنفسه. أما في العاجل فلا يلزمني لك حق ولا أعرف لك ظلامة.

فقال الرجلك إن الله جل وعز قد أهّلك لموضع رفيع واختصك بنسب جعلك أولى الخلق معه بالانصاف فإنك مناسب لرسول الله، ﷺ، واسترعاك على خلقه فهلا تحملني على كتاب الله جل وعز وسنّة ابن عمك رسول الله، ﷺ، وسنة عمر بن الخطاب، ﵁، في رسالته إلى أبي موسى الأشعري وهي التي اتخذتموها صدور أحكامكم ووصية لقضاتكم إذ يقول: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر.

قال المأمون: فإنك والله قد عدمت البينة فما يجب لك إلا حلفةٌ ولئن حلفتها لأنا صادق إذ كنت لا أعرف لك حقاً يلزمني.

قال: فإذاً أدعوك إلى الحاكم الذي نصبته لرعيتك. قال: نعم، يا غلام عليّ بيحيى بن أكثم. فإذا هو قد مثل بين يديه. فقال: يا يحيى! قال: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: اقض بيننا. قال: في حكم وقضية! قال: نعم. قال: لا أفعل. قال: ولم؟ قال: لأن أمير المؤمنين لم يجعل داره مجلس قضائي. قال: قد فعلت. قال: فإني أبدأ بالعامة أولاً ليصبح المجلس للقضاء. قال: افعل.

ففتح الباب وقعد في ناحية من الدار وأذن للعامة ونادى المنادي وأخذ الرقاع ودعا بالناس ثم دعا الرجل المتظلم فقال له يحيى: ما تقول؟ قال: أقول أن تدعو بخصمي أمير المؤمنين المأمون. فنادى المنادي فإذا المأمون قد خرج في رداء وقميص وسراويل قد أرسلها على عقبيها في نعل رقيق ومعه غلام يحمل مصلى حتى وقف على يحيى وهو جالس. فقال له: اجلس. فطرح المصلى ليقعد عليه. فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين لا تأخذ على خصمك شرف المجلس. فطرح له مصلى آخر فجلس عليه. وقال له يحيى: ما تقول؟ فقال: لي على هذا ثلاثون ألف دينار. قال: ومن هذا؟ قال: أمير المؤمنين المأمون بالله. قال له يحيى: يا أمير المؤمنين قد سمعت ما يقول؟ قال: سله ما وجهها. فأعاد خبر الوكيل. فقال المأمون: ما أعرف له حقاً. فأقبل على الرجل فقال: قد سمعت، ألك بينة؟ قال: لا. قال: فما تريد؟ قال: ما يوجبه الحكم لمن عدم البينة. قال المأمون: ويحك قد لججت في اليمين! قال: يا أمير المؤمنين أتحلف؟ قال: إي والله ولا أوطيء نفسي العشوة في إعطاء رجل ما لا يجب له ظلماً. فقال: قل والله. فاستحلفه غموساً.

ثم وثب يحيى عند فراغ المأمون من يمينه فقام على رجليه. فقال له المأمون: ما أقامك؟ فقال: إني كنت في حق الله جل وعز حتى أخذته منك وليس الآن من حقك أن أتصدر عليك. وقبض على الرجل لئلا يخرج. فقال المأمون: ارفقوا به. ثم قال: يا غلام أحضرني ما ادّعى من المال. فلما أحضر قال: خذه إليك والله ما كنت أحلف على فجرة ثم اسمح لك فأفسد ديني ودنياي، والله يعلم ما دفعتُ إليك هذا المال إلا خوفاً من هذه الرعية لعلها ترى أن تناولتك من وجه القدرة وأني منعتك واجبك بالاستطالة عليك وإنها لتعلم الآن ما كنت أسمح لك باليمين. فقال: يا أمير المؤمنين أفأُحاط في المال حتى أصل إلى حيث آمن عليه؟ قال: إي والله ولو بالتُّغزغز وأسبيجاب. فأخرج الرجل مع المال وبذرق به إلى أن بلغ مأمنه

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والمساوئ»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.