من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
محاسن العفو
قيل: أخذ مصعب بن الزبير رجلاً من أصحاب المختار بن أبي عبيد فأمر بضرب عنقه فقال: أيها الأمير ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة فأتعلق بأطرافك وأقول: يا رب سل مصعباً فيم قتلني. فقال: اطلقوه. فقال: أيها الأمير اجعل ما وهبت لي من عمري في خفض. فقال: اعطوه مائة ألف درهم. قال: بأبي أنت وأمي أشهدك أن لابن قيس الرقيات منها النصف لقوله:
إنما مصعبٌ شهابٌ من اللهـ تجلت عن وجهه الظلماء
فضحك مصعب وقال: لقد تلطفت وإن فيك لموضعاً للصنيعة! وأمر له بالمائة الألف ولابن قيس بخمسين ألف درهم.
وذكر عن أبي العباس السفاح أنه غضب على رجل فذكره في ليلة من الليالي فقال له بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين إن فلاناً لو رآه أعدى خلق الله له لرحمه وأُنغض قلبه له. قال: ولم ذلك؟ قال: بغضب أمير المؤمنين عليه. قال: ما له من الذنب ما تبلغ به العقوبة هذا المبلغ! قال: منّ عليه يا أمير المؤمنين برضاك. قال: ما هذا وقت ذاك. قال: يا أمير المؤمنين إنك لما صغّرت ذنبه طمعت له في رضاك. فقال: إنه من لم يكن بين غضبه ورضاه فرجة لم يحسن أن يغضب ولا يرضى، وعلى هذا أخلاق الملوك.
قيل: وحضر صالح المرّيّ مجلس المنصور وعنده نفر من أهل بيته وقد ولي سعيد بن دعلج أحداث البصرة فدعا بنفر من أهل الجنايات ليعاقبهم، فلما أُتي بهم تحرك صالح ليقوم فقال له رجل ممن حضر: أين تقوم؟ والله ما أحتاج إلى جلوسك عنده إلا الساعة. فقال: صدقت. وقال: يا أمير المؤمنين إن الله جل وعز يقول في كتابه: " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ". فبكى المنصور حتى اخضلّت لحيته بالدموع وأمر بتخليتهم.
قيل: وأُتي المنصور بجانٍ فأمر فيه بعقوبة غليظة. فقال له العباس بن محمد: يا أمير المؤمنين إنك غضبت لله جل ذكره فلا تغضب له بأكثر مما غضب لنفسه، وقد تبين لك ما يجب على مثله من الحد. فأمر بإطلاقه.
قال: وحدثنا المدائني قال: كان سهل بن سعد القشيري خرج مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن على المنصور، فقال المنصور: هذا كان عندنا من الفقهاء والعلماء فكيف خرج علينا؟ ثم قال له المنصور: والله لأقتلنك قتلةً ما قتلتها أحداً! فقال: يا أمير المؤمنين أن تحنث في يمينك هذه خير لك عند الله من أن تبرّها، واعلم يا أمير المؤمنين أنك إن قتلتني قتلت أربعة آلاف حديث سمعتها من الضحاك بن مزاحم عن جدك عبد الله بن العباس عن رسول الله، ﷺ، لا يرويها أحد غيري.
قال: فوضع يده على خدّه وقال: هات. قال: حدثني الضحاك بن مزاحم عن جدك عبد الله بن العباس قال: قال رسول الله، ﷺ: عمل الجنة حزنٌ بربوة وعمل النار سهل بسهوة، والسعيد من وقي شر الفتن، ومن ابتلي فصبر فيا لها ثم يا لها، وما امتلأ عبد غيظاً فكظمه إلا ملأه الله إيماناً. قال: هات. قال: حدثني الضحاك بن مزاحم عن جدك عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله: شرف المؤمن قيامه بالليل وعزلته عن الناس. فأمره بالجلوس ثم قال: هل من أحد يضمنك على أن تلزمنا فتسمر عندنا؟ وأقام معه.
وقيل: إنه سخط المهدي على بعض القحاطبة فقال: لا أراه إلا والسيف مسلول والنطع منشور. فأتي به وقد سل السيف ونشر النطع فبكى فقال: ألك مثل حركتك وتبكي؟ فقال: ما بكيت جزعاً من الموت ولكن بكيت أن ألقى الله وأنت ساخط عليّ. فقال المهدي: يا غلام ادرج النطع واغمد السيف:
إن الكريم إذا خادعته انخدعا
قيل: وعاتب المهدي شبيب بن شيبة في شيء بلغه عنه. فاعتذر إليه وقال: والله لو كان لي ذنب لأقررت ولكن عفو أمير المؤمنين أسرع إلي من براءتي.
وقال موسى بن عبد الله: أُتي موسى برجل فجعل يقرره بذنوبه ويتهدده، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين اعتذاري مما تقرعني به رد عليك وإقراري يوجب لي ذنباً ولكني أقول:
إن كنت ترجو في العقوبة رحمةًفلا تزهدن عند المعافاة في الأجر
فأمر بإطلاقه.
وقال العباس بن قيس: أُتي الهادي برجل أراد أن يضرب عنقه فقال: يا عدو الله ائتمناك فخنت واستنجدناك فلم تنجدنا، وأعطيناك فلم تشكرنا! فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن كلامي وحجتي رد عليك وفيّ أكثر مما قال أمير المؤمنين، وعفوه وإحسانه يأتيان على ذلك. فكأنما كان ناراً صب عليها الماء، فخلى سبيله.
وحكي عن الرشيد في عبد الله بن مالك الخزاعي حين غضب عليه فأمر أهله وحشمه وجميع قراباته أن يتجنبوا كلامه ومعاملته ومعاطاته حتى أثر ذلك في بدنه وتحاماه أقرب الناس إليه من ولد وأهل فلم يدن منه أحد ولم يطف به.
فجاءه محمد بن إبراهيم الهاشمي وكان أحد أودّائه، في جوف الليل، فقال له: إن لك عندي يداً ما أنساها ومعروفاً ما أكفره وقد علمت ما تقدم به أمير المؤمنين في أمرك وها أنا بين يديك ونصب عينيك فمرني بأمرك فوالله لأجعلن نفسي وقاية لك. فقال له عبد الله خيراً وأثنى عليه وأخبره بعذره فيما وجد عليه الرشيد.
فلما دخل عليه قال له: أين كنت في هذه الليلة؟ قال: عبدك يا أمير المؤمنين عبد الله بن مالك كنت عنده وهو يحلف بطلاق نسائه وعتق مماليكه وصدقة ماله مع عشرين بدنة يهديها إلى بيت الله الحرام حافياً راجلاً إن كان ما بلغ أمير المؤمنين سمعه الله جل وعز من عبد الله ولا اطّلع عليه ولا همّ به أو أظهره. قال: فأطرق الرشيد ملياً مفكراً ومحمد يلحظه ووجهه يشرق مرة ويسفر أخرى وكان قد حال لونه حين دخل عليه، ثم رفع رأسه فقال: أحسبه صادقاً يا محمد فمره بالرواح إلى الباب. قال: وأكون معه؟ قال: نعم. فانصرف محمد إلى عبد الله فبشّره وأمره بالركوب رواحاً. فدخلا جميعاً، فلما أبصر عبد الله بالرشيد انحرف نحو القبلة وخرّ ساجداً ثم رفع رأسه، فاستدناه الرشيد فدنا وعيناه تهملان فأكب عليه وقبّل بساطه ورجليه وموطيء قدميه ثم طلب أن يأذن له في الاعتذار. فقال: ما بك حاجة إلى أن تعتذر إذ قد عرفت عذرك.
قال: فكان عبد الله يرى بعد ذلك إذا دخل على الرشيد بعض الانقباض، فشكا ذلك إلى محمد، فقال محمد: يا أمير المؤمنين إن عبدك عبد الله يشكو أثراً باقياً من تلك النبوة التي كانت من أمير المؤمنين ويسأل الزيادة في بسطه. فقال الرشيد: إنا معشر الملوك إذا غضبنا على أحد من بطانتنا ثم رضينا عنه بقي لتلك الغضبة أثر لا يخرجه ليل ولا نهار.
قيل: ومدح شاعر أبا حاتم كاتب الديوان فلم يصله بشيء فأنشأ يقول:
لتُنصفنّي يا أبا حاتمأو لأصيرنّ إلى حاكم
أول ما أتلفت من مالهخمسين ألفاً في شرى هاشم
خمسين ألفاً وضحاً كلهامن مال هذا الملك النائم
فاحتفظها صاحب الخبر ورفعها إلى الرشيد فقال: صدق، لولا أني نائم ما كانت أموري تجري على هذا السبيل: وأمر بإخراج الجرائد من الدار إليه. فأول ما وجد على منصور بن زياد عشرة آلاف ألف درهم.
فحدّث صالح صاحب المصلّى قال: دعاني الرشيد وهو على كرسي فقال: اذهب الساعة فخذ منصور بن زياد بالخروج من عشرة آلاف ألف درهم فإن لم يوردها بينك وبين المغرب فاضرب عنقه وجئني برأسه وأنا نفيّ من المهدي لئن أنت دافعت عنه لأضربنّ عنقك. قلت: يا سيدي فإن أعطاني بعضها ووقّت لي في بعضها وقتاً؟ قال: لا. فخرجت فأعلمته الخبر فأُسقط في يده وقال: ما أراد إلا قتلي لأنه يعلم أن مقدار مالي لا يبلغ ما به طالبني، ولكن تأذن لي أن أدخل بيتي فأودّع أهلي؟ فأذنت له فدخل ودخلت معه وبقيت واقفاً فبعث إلى أمهات أولاده وبناته ونسائه أن اخرجن إلي كما كنتن تخرجن عند موتي فإن هذا آخر أيامي ولا ستر لكن بعدي. فخرجن إليه مشققات الجيوب مخمّشات الوجوه بصراخ شديد. فبكى إليهن وبكين إليه وبكيت معهن ثم ودعهن وخرج وهنّ في أثره واضعات التراب على رؤوسهن، ثم قال: يا أبا مقاتل لو أذنت لي في المصير إلى أبي عليّ يحيى بن خالد البرمكي فكنت أوصيه بولدي وأهلي؟ فقلت: امض.
وصرنا إليه وقد نزل في ساعته وهو على كرسي يغسل يده، فلما توسطنا الدار جعل منصور يبكي ويمشي إليه حتى دنا منه وهو يسأله عن الحال فيمنعه البكاء من إخباره، فأقصصت عليه قصته فقال: ارجع إلى أمير المؤمنين وسله أن يهبه لي. قلت: ما لي إلى ذلك سبيل ولا يراني إلا والمال معي أو رأس منصور كما أمرني. فقال لخادم له: ائت فلانة فسلها كم لنا عندها من المال. فانصرف وذكر أن عندها خمسة آلاف ألف درهم. فقال لي: احملها وابلغ أمير المؤمنين رسالتي في باقيها. فأعلمته أن لا سبيل إلى حمل بعضها دون بعض. فأطرق ثم رفع رأسه ثم قال: يا غلام ائت دنانير فقل لها تبعث إلي بالجوهر الذي وهبه لها أمير المؤمنين. فبعثت إليه بحقّ فقال: هذا جوهر ابتعناه لأمير المؤمنين بمائتي ألف دينار وهو عارف به وقد جعلته له بمائة ألف دينار وهو ألفا ألف درهم، واحمل إليه هذه السبعة الآلاف الألف والرسالة. فأبيت.
فوجّه إلى الفضل ابنه: إنك كنت أعلمتني أنك على ابتياع ضيعة نفيسة وقد أصبتها ولا يوجد مثلها في كل وقت وابتياعها فرصة فاحمل إلي مالها. فعاد الرسول ومعه ألفا ألف درهم. ووجه إلى جعفر ابنه أن يوجّه إليه بألف ألف درهم. فأنفذ إليه صكاً أو صكاكاً إلى الجهبذ بها. فقبضت المال ووافيت الرشيد قبل المغرب وهو منتصب على حالته ينتظر رجوعي إليه. فأخبرته الخبر فلما انتهيت إلى خبر الحقّة قال: صدق وقد ظننت أنه لا ينجيه غيرهم، احمل هذا المال أجمع إلى أبي عليّ واردده عليه وأعلمه أني قد قبلت ذلك عن منصور ورددته عليه. ففعلت ذلك.
ولقيني بعد ذلك يحيى منصرفاً من الدار ومنصور معه يسايره ويضاحكه والناس خلفه فقلت: والله لأنصحن هذا الشيخ الكريم. فدخلت معه ودخل منصور ودعا بغدائه، فلما نهض منصور قلت: يا أبا علي إني والله ما رجعت معك إلا لنصحك وقد رأيت مكان هذا الرجل منك وكنا حين حملت المال أنهضته معي فوالله ما قطع نصف الصحن من الدار حتى تمثل بهذا البيت:
فما بُقيا علي تركتمانيولكن خفتما صرد النبال
فعارض أكرم فعلك بألأم خصلة فيه فدعاني الامتعاض من ذلك إلى إخبارك، فإني من تعلم في مودتك وطاعتك. فأكب على الأرض ساعة ثم رفع رأسه فقال: اعذره فقد كان عقله عزب عنه في ذلك الوقت. قال: فكان عذره له أحسن من إحيائه إياه.
قيل: وأمر الرشيد يحيى بن خالد بحبس رجل جنى جنايةً. فحبسه يحيى وسأله عنه الرشيد فقيل: هو كثير الصلاة والدعاء. فقال للموكل به: اعرض عليه أن يكلمني ويسألني إطلاقه. فقال له ذلك الموكل به فقال: قل لأمير المؤمنين إن كل يوم يمضي من نعمتك ينقص من محنتي والأمر قريب والموعد الصراط والحكم الله. فخرّ الرشيد ساجداً مغشياً عليه وأمر بإطلاقه.
قيل: وأُتي الرشيد برجل قد وجب عليه الحد فأمر أن يضرب فضرب. فقال: يا أمير المؤمنين قتلتني! قال: الحق قتلك. قال: ارحمني! قال: لست بأرحم لك ممن أوجب عليك الحد. ثم أمر بإطلاقه.
قال: وقال الرشيد للجهجاه: أزنديق أنت؟ فقال: كيف أنا زنديق وقد قرأت القرآن وفرضت الفرائض وفرقت بين الحجة والشبهة؟ قال: والله لأضربنك حتى تقرّ! قال: هذا خلاف ما أمر الله جل وعز به، أمر أن يضرب الناس حتى يقرّوا بالإيمان وأنت تضربني حتى أقر بالكفر! فالتفت الجهجاه إلى أبي يوسف القاضي فقال له: افته لا يهلك فيّ دينه.
قال: وبلغ الرشيد أن عبد الملك بن صالح دعا إلى نفسه فأمر بحبسه ثم دعاه ذات يوم فقال: أكفراً للنعمة وإظهاراً للغدر؟ قال: كلا يا أمير المؤمنين ولكنه مقالة كاشح واحتيال حاسد. قال: هذا قمامة كاتبك يذكر صحة ذلك. قال: أسمعنيه يا أمير المؤمنين! قال: اخرج يا قمامة. وكان من وراء الستر. فخرج فقال له: لقد انطويت عليه وواطيت من خالفه.
قال: يا أمير المؤمنين كيف لا يكذب عليّ من خلفي مَن يبهتني في وجهي مع نعمتي عليه وإحساني إليه؟ قال: فهذا عبد الرحمن ابنك! فقال: هو بين مأمورٍ وعاقٍّ، فإن كان مأموراً فلا ذنب له، وإن كان عاقاً فأقلّ عقوبته الشهادة بالزور عليّ. قال: فما الحكم؟ قال: أولى الناس بصفحك عنه من لا شفيع له إليك إلا حلمك. فقال الرشيد:
أريد حياته ويريد قتليعذيرك من خليلك من مراد
والله لكأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع وإلى عارضها قد لمع وكأني بالوعيد قد أورى ناراً فأقلع عن براجم بلا معاصم ورؤوس بلا غلاصم، مهلاً مهلاً بني هاشم فبي سهّل الله الوعر وصفّى الكدر وألقت الأمور أزمّتها.
نذار من حلول داهية خبوط باليد لبوط بالرجل. فقال عبد الملك: أفذّاً أتكلم أم توأماً؟ قال: بل توأماً. فقال: يا أمير المؤمنين اتق الله فيما ولاك، وراقبه فيما استرعاك، ولا تجعل الشكر بموضع الكفر، ولا الثواب بمحلّ العقاب، والله الله في رحمك أن تقطعها بعد أن وصلتها بظنّ يؤثم ثم تقول باغٍ ينهس اللحم وولغ في الدم، فقد جمعت القلوب على محبتك وذلّلت الرجال لطاعتك وكنت كما قال أخو كلاب لبيد بن ربيعة:
ومقامٍ ضيق فرّجتهبلساني وبياني وجدل
لو يقوم الفيل أو فيّالهزلّ عن مثلي مقامي وزجل
فوثب الرشيد من مجلسه واعتنقه وجعل يقبل ما بين عينيه ويسترجع ويعتذر ثم خلع عليه حلل الرضى وتنفس الصعداء وقال: والله لقد دعوته وإني لأرى موضع السيف من قفاه وها أنا ذا نادم على ما كان مني، والله جل وعز يتجاوز بقدرته عن ذلك.
قال: وظفر المأمون برجل كان يطلبه، فلما دخل عليه قال: يا عدو الله أنت الذي تفسد في الأرض بغير حق، يا غلام خذه إليك واسقه كأس الموت.
فقال: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تستبقيني حتى أؤيدك بمال؟ قال: ليس إلى ذلك سبيل. قال: يا أمير المؤمنين فدعني أصلّ ركعتين أختم بهما عملي. قال: ليس إلى ذلك سبيل. قال: فدعني أنشد أبياتاً. قال: هات. فقال:
زعموا بأن الصقر صادف مرةًعصفور برٍّ ساقه المقدور
فتكلم العصفور تحت جناحهوالصقر منقضّ عليه يطير
ما كنت خاميزاً لمثلك لقمةًولئن شويت فإنني لحقير
فتهاون الصقر المدلّ بصيدهكرماً وأفلت ذلك العصفور
فقال المأمون: أحسنت! ما جرى ذلك على لسانك إلا لبقية بقيت من عمرك. فأطلقه وخلع عليه ووصله.
قال: وقال عبد الله صاحب المأمون: دخلت على المأمون فإذا نطعٌ مبسوط ورجلٌ فوقه على رأسه رجل مسلول سيفه. فلما نظر إليّ المأمون قال: يا عبد الله شأنك والرجل. فحسرت عن ذراعي وقمت فوق رأسه واخترطت سيفي، فسلّط على المأمون النعاس فجعل يخفق برأسه ويقول: أستخير الله. فلما كان عند المساء قال لي: شأنك والرجل احفظه. فطرحت حمائل سيفي في عنقه وأردفته خلفي وذهبت به إلى منزلي ثم عدت اليوم الثاني إلى المأمون ففعل كفعله أمس. فلما كان اليوم الثالث قال لي المأمون: خلّ عن الرجل واعطه عشرة آلاف درهم. فأردفته خلفي ولم أجعل حمائل السيف في عنقه. فقال لي: ما لك لم تلق حمائل السيف في عنقي؟ قلت: إنه قد عُفي عنك. قال: فخلّ عني إذاً. قلت: أمرني أن أعطيك عشرة آلاف درهم. قال: لا حاجة لي فيها، خلّ عني. قال: إذا أُمرنا بأمرٍ انتهينا إليه. ثم قلت له: كنت تهمهم في قفاي إذا أنا أردفتك بشيء فما كنت تقول؟ قال: كنت أقول: اللهم أنت كل يوم في شأن لا يشغلك شأن عن شأن فاجعلني من شأنك حتى تنقل ما في قلب هذا الرجل من الغضب إلى الرضى ومن الغلظة إلى اللين والرقة يا أرحم الراحمين.
وعن إبراهيم بن المهدي أنه بينا هو في مجلس المأمون إذ تكلم بكلام أسقط فيه وكان كلامه يحتمل أمرين. فقام وعلم أنه قد أخطأ فقال: إن رأى سيدي أن يأذن لي في الكلام. قال: قل. قال: نساؤه طوالق وماله صدقة وعبيده أحرار وكل نذر وضعه الله جل وعز بين عباده ففي عنقه دون الخلق حتى يفي به إن كان ما تكلم به إلا لجهة كذا وكذا وتأويل كذا وكذا. قال: فتبسم المأمون وقال: اجلس، إني والله ما ذهبت حيث ظننت وما كنت لأعفو عن الكل وآخذ بالجزء، ولولا أني في مجلس يرقّ عن الإغضاء على أكثر الحالات ثم بلغ مني رجل ما يبلغ من عبده ما وجد عندي إلا الصفح والعفو، وما أحسبني أؤجر عليه إذ كان لا يؤثر فيّ وإنما الأجر بقسط الألم وميزان المضض.
وعن بعضهم أن والياً أُتي برجل قد جنى جناية فأمر بضربه، فلما مُدّ قال: بحق رأس أمك إلا عفوت عني! فأبى. فقال: بحق عينيها! قال: اضرب. قال: بحق خدّيها ونحرها! قال: اضرب. قال: بحق ثدييها! قال: اضرب. قال: بحق سرّتها! قال: دعوه لا ينحدر إلى أسفل.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع