تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)

مساوئ من سخط عليه وحبس

في الحديث المرفوع قال: شكا يوسف، ﵇، إلى ربه جل وعز طول الحبس وأوحى الله ﵎ إليه: أنت حبست نفسك حيث قلت رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه، ولو قلت العافية أحب إلي عوفيت.

قال: وكتب يوسف على باب السجن: هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء. ودعا لأهل الحبس بدعوتين هما معروفتان فيهم إلى اليوم: اللهم اعطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار. فكل الناس يرحمونهم والأخبار من كل جهة عندهم.

قال: ولما خرج جعفر الأحمري من الحبس وأُدخل على المهدي في الحديد قال له: يا فاسق أزلّك الشيطان وأغواك، وفي غمرة الجهل أرداك، وعن الهدى بعد البصيرة أعماك، حتى تركت الطريقة ودخلت فيما لا أصل له ولا حقيقة، كيف رأيت الله كشف أمرك وأعلن فسقك وأظهر ما كنت تخفي من سقم سريرتك وخبث نيتك فأوردك حوض منيتك وذلك بما قدمت يداك وما الله بظلام للعبيد! قال جعفر: لا والذي لم يزل بعباده خبيراً، وبعث محمداً، عليه وعلى آله السلام، بالحق بشيراً، طهر أهله من دنس الريب تطهيراً، ووقفني بيد يديك أسيرا، وجعلك علينا سلطاناً أميرا، ما خنت الإسلام نقيرا، ولا أضللت الهدى منذ كنت بصيرا، فلا تقدم عليّ بالشبهة تقديرا، بسعي ساعٍ سوف يجزي بسعيه سعيرا.

فقال المهدي: ما يغني عنك وسواسك، فما تهذي من أم رأسك، قد تناهت إليّ أخبارك، وأدّاها من كان يقفو آثارك، ويعرف أسرارك، ومن بايعك من أعوانك الذين وازروك على ضلالك، فأقلل، لا أم لك، تشجعك، فقد حلّ قضاؤك، وحان حصادك.

فقال جعفر: إن تقتلني تقتل مني علماً فلا تجعل لي على ظهرك وزراً فأصير لك يوم القيامة خصما، وأنت تعلم أنك لا تجيء بقتلي عدلاً ولاتنال به فضلاً، فاتق الذي خلقك وأمر عباده ملكك وبالعدل فيهم أمرك، ولا تحكم عليّ بحكم عن الهدى مائل، فإنك للدنيا مفارق وعنها راحل، وكلّ ما أنت فيه فمضمحل زائل.

قال له المهدي: تطالبني وأنت المطلوب، وبباطلك تغلب حقي وأنت المغلوب، الآن ظهر فسادك، وبلغ غرسك، ودبّت عقاربك، اللهم إلا أن تقرّ بذنبك وتعترف بجرمك وتتوب إلى ربك وتحقن بالإنابة دمك، فإن فعلت ذلك أمهلنا أمرك وأطلنا حبسك وإلا فاحتسب نفسك ولا تلم إلا جهلك.

قال جعفر: ما لي ذنب فأستغفر ولا جرم فأعترف ولا لي بك قوة فأنتصر، وأنت على ظلمي مقتدر، فإن كنت تعلم أن ما بعد الموت مصدر ولا للعباد بعد البلى محشر ولا للظالم موعد يخاف منه ويحذر فاعمل من هذا ما شئت واستكثر.

قال المهدي: لا والذي بمكة بيته الحرام، وحوله الشعث العاكفون قيام، ما أخشى في إقامة الأحكام عليك وعلى أشباهك إثماً ولا زوراً، فاستسلم للقتل ودع الكلام، فإنه إذا عقر الأساس تداعى النظام، وإذا انكسرت القوس تعطلت السهام، وأنت فطال ما أعنت على إطفاء النور بريح الظلام.

قال جعفر: اعف فإنك كريم جواد سامح، ولا تقبل فيّ قول العدو الكاشح، فإني من الإسلام على الطريق الواضح، رفيق على أهله ولهم ناصح، أبرّ العالمين بفهم راجح، فلا تقدم عليّ بقول كلب نابح، فقتلك إيايّ عمل غير صالح.

قال المهدي: مذهبك واعتقادك تزعم أن الآخرة بعد فراق الساهرة، وأن الناس كانوا أعلاماً زاهرة، وأشجاراً ناضرة، وزروعاً غاضرة، تلبث يسيراً ثم تعود هشيماً، وإن من مات لا يعود كما أن ضوء المصباح إذا طفيء لا يرجع.

قال جعفر: لا والذي يخلق ويبيد، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، ما قلت ذلك وهو له شهيد، وإني أخلّص له التوحيد والتفريد والمشية والتحديد، وأشهد أنه الغفور الودود، يعلم منقلب العبيد.

قال المهدي: إن كنت تحب خلاص نفسك ورقبتك فأحضرني كتاب زندقتك الذي بالجهل ألّفته وبالباطل زيّنته وبالضلال زخرفته، سميته أسّ الحكمة وبستان الفلسفة، زعمته مستخرجاً من ديوان الإلهام منظماً بحسن الكلام، عنّفت فيه الإسلام وأضللت فيه الأنام.

فقال جعفر: لا والذي خلق الظلمات والنور، ودبّر الأمور وهو قادر على أن يبعث من في القبور، ما هذا إلا إفك مجترح وزور، وإن ديني لظاهر منير تقديمي ذرية من هو مع الله جل وعز في كل فرض لازم أمام النبيين في البيت المعمور، فاتق الذي خلقك وأمر عبادك قلّدك يعلم خفيات الأمور.

قال المهدي: وأصفح لك عن هذا فما حجتك في كتابك الذي أضلّ أهل الشقاق والنفاق ومن منهم في الأندية والأسواق يقرأونه ويتدارسونه في الآفاق، أما بعد أعلمكم أن الله جل وعز عدل لا يوالي الظالمين ولا يرضى فعال الجاهلين، وأنه ليس لله بوليّ من رضي بأحكام الجائرين، فسيحوا في الأرض حيث لا تنالكم أيدي المعتدين، فإن بني العباس طغاة كفرة، أولياؤهم فسقة وأعوانهم ظلمة، دولتهم شرّ الدول، عجّل الله بوارهم وهدم منارهم والعاقبة للمتقين.

قال جعفر: هذا والله بهتان عظيم جداً قذفني به قاذف عمداً وأنت تعلم أني ما خالفت لكم أمراً ولا غبت منكم أحداً، فاقبل المعذرة وأقل العثرة وتغمد الهفوة واغتفر الزلة فإنك راعٍ مسؤول.

قال المهدي: أولم أُبلَّغ أنك في الغوغاء تحثهم على شق العصا ومخالفة الأمر وتحيدهم عن طاعة الخلفاء، فأي داهية أدهى منك؟ قال جعفر: ما بُلّغت حقاً ولقد طوى النصيحة من أودع قلبك بهتاناً وإفكاً فلا تقبل فيّ قول من ظلم واعتدى وبفسادي إليك سعى، فإن الله جلّ وعز سائله يوم يودّ الظالم يا ليته لم يكن أميراً، ولا كان المضلّ له وزيراً.

قال المهدي: إنك لجاهل أن تقيم اعوجاجك بكثرة احتجاجك، هيهات لا يكدر صفوتي مزاجك، وقد قيل: من ظفر بحية لا يأمن لسعها ثم لم يشدخ رأسها كانت سبب حتفه، ولعمري إن من يكون له عدو مثلك يرقب غرّته وينتظر فورته ولا يطلق يده بقتله لعاجز.

قال جعفر: وما بلغ الله بقدر النملة ونكاية النحلة وإنما يكتفي مثلي من مثلك بلحظة، فالكرماء رحماء بررة، والقسوة في اللئام الشررة. قال المهدي: من تنته أيامه لاحت في الظلام أعلامه وأسرع به أن يذوق حمامه، يا غلام سيفاً قاطعاً وضارباً حاذقاً! قال جعفر: إن كنت تؤمن بالمعاد وتتقي من الحشر يوم التناد، يوم يجمع الله فيه العباد، تعلم أن طالب ثأري لك بالمرصاد، ومن لم يكن له في الموت خير فلا خير له في الحياة، إن قدّمتني أمامك فأنا قاعد لك على الجادة التي ليس عنها مرحل الحاكم يومئذ غيرك.

قال: فسكت المهدي طويلاً ثم التفت إلى أصحابه فقال: كيف أقدم على قتل رجل لا يخاف مكيدتي ولا يرعبه سلطاني ولا يتقي سطوتي وأعواني، يناصبني كلامي ويفسخ احتجاجي، كيف ولو كنا بين يدي من لا يخاف جوره ولا يُتقى ميله وحيفه كان لسانه أمضى وقلبه أجرى وخصمه أذلّ! خلّوا سبيله. فمضى.

وحكي عن عدي بن زيد أنه كان ترجماناً بين كسرى وبين العرب وأنه أشار على كسرى بتولية النعمان بن المنذر الملك، وكان له عبد يُعرف بعديّ بن قيس فوشى إلى النعمان بعديّ بن زيد وذكر أنه كان السبب في تمليكه، فسجنه النعمان وسخط عليه وتغير له وحبسه. فكتب عديّ بن زيد إلى النعمان يستعطفه:

أبا منذرٍ جازيتني الودّ سخطةًفماذا جزاء المجرم المتبغّض
وإن جزاء الحرّ منك كرامةٌوليس بنصحٍ فيك بالمتعرّض

فلم يحفل النعمان بقوله. فقال يذكر حبسه:

إن للدهر صولةً فاحذرنهالا تبيتنّ قد أمنت الدهورا
قد يبيت الفتى صحيحاً فيردىولقد بات آمناً مسرورا
إنما الدهر ليّنٌ ونطوحٌيترك العظم واهناً مكسورا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
فسل الناس أين آل قبيسٍطحطح الدهر قبلهم سابورا
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «إِن للدهرِ صولة فاحذرنها»
خطفته منيّةٌ فتردّىوهو في ذاك يأمل التعميرا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
ولقد عاش ذا جنودٍ وتاجٍترهب الأسد صوله والزئيرا
وبنو الأصفر الكرام ملوك الروم لم يبق منهم مذكورا
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»

ثم إن عدياً كتب إلى صاحب له مقيم بباب كسرى يقال له أبيّ:

فأبلغ أبياً على نأيهوهل ينفع المرء ما قد علم
بأن أخاك شقيق الفؤاديكاد لنأيك أن يخترم
لدى ملكٍ موثقٌ بالحديد إما بحقٍّ وإما ظلم
فلا تلفينّ كثير الرقد بل اصرم الرأي ثم اعتزم

فلما قرأ هذه الأبيات دخل على كسرى فأخبره بما كان من النعمان إلى عديّ، فغضب كسرى وبعث برجل من مرازبته إلى النعمان أن يطلق عدياً ويبعث به إليه. فأقبل الرسول حتى دخل إلى النعمان وأدّى إليه رسالة كسرى.

فقال: نعم أنا أطلقه. ودسّ إلى عديّ من قتله ثم قال للرسول: ادخل السجن حتى تخرجه. فلما دخل إليه وجده ميتاً، فرجع إلى النعمان وقال له: عجلت عليه وقتلته وأنا مخبر كسرى بذلك. فوصله بألف دينار وسأله تحسين أمره عند كسرى. فانصرف الرسول فأخبر كسرى بموته.

وكان لعديّ ابن يقال له زيد، فخاف النعمان على نفسه فهرب من الحيرة حتى أتى المدائن فدخل على كسرى وتعرّف له فقرّبه وبرّه. فقال لكسرى ذات يوم: أيها الملك إن لعبدك النعمان ابنة يقال لها حرقة وأختاً تسمى سعدى وابنة عم تسمى لباب وليس في جميع الأقاليم أحسن منهنّ. فكتب كسرى إلى النعمان أن احمل إليّ ابنتك حرقة وأختك سعدى وابنة عمك لباب على يدي خادم له. فقال زيد: أيها الملك ابعث بي مع الخصي. فقال: اخرج على اسم الله وعجّل علي بالنسوة. فخرجا حتى قدما الحيرة فدخلا على النعمان ودفعا إليه الكتاب. فلما قرأه قال: أما في عين السواد وفارس ما يغني الملك عن العربيات السود الأبدان الحمش السيقان؟ فقال الخادم لزيد: ما يقول النعمان؟ قال: يقول: ما في بقر فارس والسواد ما يغني الملك عن العربيات؟ فخرج الخادم حتى أتى كسرى فأخبره بما سمعه من النعمان وقال: أيها الملك إن الكلب الذي بعثت بي إليه قد سمن وتعدى طوره. فوقع ذلك في قلب كسرى وغضب على النعمان ودعا إياس بن قبيصة الكنانيّ وولاه مكان النعمان فأمره أن يكبل النعمان بالحديد ويبعث به إليه، فبلغ ذلك النعمان فاستودع أهله وولده وخزائنه وسلاحه وابنته حرقة وخيله عند هانيء بن مسعود المزدلف ثم خرج حتى أتى المدائن فلقي زيد بن عدي فقال له: يا ابن اللخناء لئن بقيت لك لألحقنك بأبيك! فقال له زيد: أما والله بنيت لك عند الملك بنية لا تصلح بعدها أبداً. ثم دخل على كسرى ودخل زيد بعده. فقال زيد: أيها الملك إن هذا العبد إذا جلس على سريره ووضع التاج على رأسه ودعا بشرابه لم يظن أن لك عليه سلطاناً. فأمر كسرى بالنعمان أن يلقى بين أرجل الفيلة، ففُعل به ذلك فداسته الفيله وقتلته، وهيج ذلك حرب ذي قار.

وحدث الهيثم بن الخليل الشيعي، وكان موكلاً بحبس البرامكة من قبل هرثمة بن أعين، قال: أتى مسرور الخادم الحبس يوماً ومعه خدم في يد بعضهم منديل ملفوف على شيء، فأمرني بإخراج الفضل بن يحيى، فأخرجته. فقال: إن أمير المؤمنين يقول لك اصدقني وإلا فقد أمرت مسروراً أن يضربك مائتي سوط. فنكس رأسه ساعة. فقال له مسرور: يا أبا العباس الرأي لك أن لا تؤثر مالك على مهجتك فإني لا آمن إن نفّذت ما أمرني به أن آتي عليك، ومع هذا فإن صرت إلى رضى أمير المؤمنين فإن المال يأتيك كما أتاك وإن يك غير ذلك فما حاجتك إلى المال؟ فرفع رأسه وقال: والله يا أبا هاشم ما كذبت أمير المؤمنين ولا كذبتك، لو كانت الدنيا لي ثم خيّرت بين الخروج منها وبين أن أُقرع بمقرعة بسببها لاخترت الخروج منها، وأمير المؤمنين يعلم وأنت تعلم أني كنت أصون عرضي بمالي فكيف أصون الآن نفسي بمالي! فإن كنت أُمرت بشيء فامض له.

فأمرنا بالمنديل فنفض وسقط منه سياط بثمارها، فضربه مائتي سوط، وتولى ضربه الخدم فضربوه أشدّ ضرب ولم يحسنوا أن يضربوه فضربته الحمرة وخيف عليه. فقيل له: هاهنا فتىً كان في الحبس هو بصير هذا. فأتيته فسألته فقال: لعلك تعالج الفضل بن يحيى فقد بلغنا خبره. قلت: نعم. قال: فامض بي إليه. قلت: وتجسر على ذلك؟ قال: نعم والله لو قُطّعت. فجئت به فلما رآه قال: ليس بشيء، ضرب خمسين سوطاً! قلنا: بل ضُرب مائتين! قال: هذا أثر خمسين، وأحتاج أن أنيمه على باريّة وأدوس صدره. فجزع الفضل من ذلك وأبى أن يفعل، فخوفناه تلف نفسه وناشدناه حتى فعل، فأخذ بيده بعض من حضر وأخذت بيده الأخرى ثم جررناه على البارية فإذا عليها صورته من لحم ظهره. فقال: لا بد لي من أن أعيده. فأعاده. ثم اختلف إليه، فبينا هو ينظر إليه يوماً إذ خرّ ساجداً فقلت: ما لك؟ قال: برأ أبو العباس بإذن الله. فدنوت فأراني في ظهره لحماً ناتئاً كهيئة الدعاميص الحمر ثم قال: أتحفظ قولي إنه أثر خمسين سوطاً؟ لو ضرب ألف سوط ما كان أثرها بأشد من ذلك، ولكني قلت ما قلت لتقوى نفسه فيعينني على علاجه. وخرج.

وسألني الفضل أن ألقى بعض إخوانه وأعلمه أنه يحتاج إلى عشرة آلاف درهم. فأتيت بعض إخوانه وأعلمته أنه يحتاج إلى عشرة آلاف درهم. فسألني أن أحملها إليه وأمرني بدفعها إلى الرجل الذي عالجه. فلما مضيت بها إليه وجدته غائباً عن منزله ورأيت بابه مغلقاً فملت إلى مسجد هناك منتظراً له حتى عاد فقمت إليه ودخلت منزله فإذا بيت فيه حصيران ومسورتان وطنبور وثلاث دساتيج وقنانيّ وأقداح. فقال: ما حاجتك؟ فأقبلت أعتذر إليه وأذكر حاله ثم أعلمته ما وجهّني له. فنخر نخرةً حتى أفزعني ثم قال: عشرة آلاف! فجهدت الجهد كله به أن يقبلها فأبى، فعدت إلى الفضل فأعلمته. فقال: إنه استقلّها والله! قلت: لا أظن. قال: بلى وإلا فما معنى قوله عشرة آلاف درهم! ولكن تعود إلى صاحبنا وتسأله عشرة آلاف أخرى وتحملها إليه.

فحملتها إلى الرجل فنخر نخرة أشدّ من نخرته الأولى ثم قال: أنا أعالج فتىً من الأبناء بكراء، أنا طبيب! والله والله لو كانت عشرة آلاف دينار ما قبلتها. فخرجت من عنده وسألت عن معيشته فقيل: له برج يصعد إليه في كل يوم فيبيع فراخه وصيده ويعتكف على ما تراه. فرجعت إلى الفضل وأخبرته فتعجب ثم قال: أخبرني بأعجب ما رأيته منا وأحسنه. فاندفعت أحدثه. فلما رأى إطنابي قال: بالله أينا أحسن أفعالاً نحن أم هذا الفتى؟ فإذا هو يستقبح أفعالهم مع فعله ويستصغرها.

قال: ودخل ابن الزيات على الأفشين وهو محبوس مكبل بالحديد فقال:

اصبر لها صبر أقوامٍ نفوسهملا تستريح إلى عقلٍ ولا قود
للشاعر أبو سعد المخزومي، اقرأ القصيدة

فقال الأفشين: من صحب الزمان رأى الكرامة والهوان. ثم قال:

لم ينج من خيرها أو شرها أحدٌفاذكر شآبيبها إن كنت من أحد
للشاعر أبو سعد المخزومي، اقرأ القصيدة
خاضت بك المنية الحمقاء غمرتهافتلك أمواجها ترميك بالزبد
للشاعر أبو سعد المخزومي، اقرأ القصيدة

الشعر الأول والثاني لأبي سعد المخزومي. قال حمدون بن إسماعيل: بعث الأفشين إلى المعتصم من الحبس أن يا أمير المؤمنين مثلي ومثلك مثل رجل ربّى عجلاً له حتى أسمنه وكبر وحسنت حاله وكان له أصحاب اشتهوا أن يأكلوا من لحمه فعرضوا له بذبح العجل فلم يجبهم إلى ذلك، فاتفقوا جميعاً على أن قالوا له ذات يوم: ويحك لم تر هذا الأسد وقد كبر؟ والسبع إذا كبر رجع إلى جنسه. فقال لهم: هذا عجل! فقالوا: هذا سبع سل من شئت عنه، وقد تقدموا إلى جميع من يعرفه أنه إن سألهم عنه قالوا هو سبع. فأمر بالعجل فذبح. ولكني أنا ذلك العجل كيف أقدر أن أكون أسداً؟ الله الله في أمري فقد وجب حقّي وأنت سيدي ومولاي! فلم يلتفت المعتصم إلى رسالته، وغلظ عليه الأمر حتى قيل إنه قد مات، فقال المعتصم: أروه ابنه. فأخرجوه مكبلاً بالحديد فطرحوه بين يديه، فلما رآه نتف لحيته ودعا بالويل والثبور ثم ردوه إلى منزل إيتاخ، وكان يطعم في كل يوم رغيفاً حتى مات فأخرجوه وصلبوه على باب العامة ثم أحرق ورمي به في دجلة.

قيل: وكان العجيف بن عنبسة ممن خرج مع العباس بن المأمون على المعتصم وسعى في الخلاف عليه، قال: فحدثنا أبو طالب قال: كنت مع محمد بن الفضل الجرجرائي فالتفت إلى رجل عنده فقال: حدث أبا طالب بما حدثتني به. فأقبل عليّ الرجل يحدثني. فسألت عنه فقيل: هو عمر بن عمرو القرقارة الكاتب.

قال: كنت أتقلد ضياع عجيف بناحية كسكر فرفع عليّ أني خربت ضياعه فكتب في حملي، فأُدخلت عليه في داره التي بسر من رأى وهو يطوف على الضياع وعلى رأسه برطلة خوصٍ، فلما نظر إليّ قال: أخربت ضياعي وأخذت أموالي والله لأقتلنك! ودعا بالسياط، فبلت فرقاً منه، فكأني أنظر إلى البول يأخذ في سراويلي يميناً وشمالاً، وأومأت إلى الكاتب فالتفت الكاتب إلى عجيف فقال: أيها الأمير أنت مشغول القلب بما يحتاج أن تأمر به وتشرف عليه وهذا في أيدينا فإن كان ما رفع عليه حقاً فالأمير من وراء ذلك وإن كان باطلاً لم تأثم فيه. فقال: الحبس. فلبثت في الحبس أياماً فوجه إليّ كاتب عجيف فأتيته، فقال لي: طاب لك المكان. ما معك؟ فبررته بشيء فأطلقني. فقلت لغلامي: قد نالنا من الحبس والغرم ما نالنا، وصديقي فلان بن فلان صاحب الديوان أحتاج أن ألقاه لعل الله ﷿ أن يسهل عملاً.

فشخص فيه. فأتيت صديقي ذلك فقال لي: أنت في الحياة! هاهنا عملٌ في ديار ربيعة أقلدكه.

فتقلدته وخرجت أنا وغلامي فما زلت أسير حتى أتيت باعيناثا، فغمزني البول في السحر وهي مقمرة فنزلت عن دابتي وجلست وأنا أبول فقلت لغلامي: ويحك لكأني أبول في ثيابي فاطلب لي ماء. فقال: الناس نيام. فلم أزل واقفاً حتى خرج بعض أوائل الأنباط فطلب الغلام منه ماء فجاء به فجعل هو والغلام يصبان عليّ الماء وأنا أغسل ثيابي. فقال لي النبطي: وأين بلت؟ قلت: هاهنا. قال: هذا نطع عجيف! قلت: عجيف! قال: نعم. قلت: ما يعمل عجيف هاهنا؟ قال: أوما بلغك أن أمير المؤمنين بعث إليه بشربة فأقامته ثلاثمائة مجلس فمات فلُفّ في نطع وها هوذا؟ فصبرت حتى أصبحت فنظرت إلى النطع فقلت: لا إله إلا الله! بينا أنا بالأمس بين يديه أبول من فرقه حتى جئت فبلت عليه.

قيل: وسخط المعتصم على الفضل بن مروان فأمر بحبسه وتقييده واستئدائه ألف ألف دينار وستمائة ألف دينار ورفعت فيه القصص، فأقبل أحمد بن عمار يقرأها فوقعت في يده قصة في نصف طومار فإذا فيها شعر، فتوقف عن قراءتها. فقال: ما توقفك؟ قال: إنه شعر. قال: هاته. فإذا فيها:

لا تعجبنّ فما بالدهر من عجبولا من الله من حصنٍ ولاهرب
يا فضل لا تجزعن مما ابتليت بهمن خاصم الدهر أجثاه على الركب
كم من كريمٍ نشا في بيت مكرمةٍأتاك مختنقاً بالهمّ والكرب
أوليته منك إذلالاً ومنقصةًفخاب منك ومن ذي العرش لم يخب
للشاعر البحتري، من قصيدة «لا تعجبن فما للدهر من عجب»
وكم وثبت على قومٍ ذوي سرفٍفما تلعثمت عن زور وعن كذب
خنت الإمام وهذا الخلق قاطبةًوجرت حتى أتى المقدور في الكتب
جمعت شتى وقد أديتها جملاًلأنت أخسر من حمالة الحطب

فقال المعتصم: ليدع صاحب القصة. فدعي فلم يجب. فقال: والله لو جاءني لدفعت إليه الفضل لينفذ فيه أمره.

وقال بعضهم: رأيت على حائط دار الفضل بن مروان مكتوباً:

تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبرفمثلك كان الفضل والفضل والفضل
ثلاثة أملاكٍ مضوا لسبيلهمأبادهم التنكيل والحبس والقتل
وإنك قد أصبحت في الناس لعنةًستودي كما أودى الثلاثة من قبل

قيل: وكان الواثق غضب على جعفر المتوكل أخيه لبعض أموره فأراد أن يقوّمه فوكّل به عمر بن فرج، فأتى جعفر إلى محمد بن عبد الملك الزيات مستغيثاً به ليكلم أخاه، فدخل عليه فمكث ملياً واقفاً بين يديه لا يكلمه ثم أشار إليه أن يقعد، فقعد، فلما فرغ من نظره في الكتب التفت إليه شبيهاً بالمتهدد له فقال: ما جاء بك؟ قال: جئت لتسأل أمير المؤمنين الرضى عني. فقال لمن حوله: انظروا إلى هذا يغضب أخاه ثم يسألني أن أسترضيه! اذهب فإنك إذا أصلحت رضي عنك. فقام جعفر كئيباً حزيناً لما لقيه به من قبح اللقاء، فخرج من عنده.

وكتب محمد بن عبد الملك إلى الواثق حين خرج جعفر من عنده: يا أمير المؤمنين أتاني جعفر بن المعتصم يسأل أن أسأل أمير المؤمنين الرضى عنه في زيّ المخنثين له شعر. فكتب إليه الواثق: ابعث إليه فأحضره ومر من يحزّ شعره ويضرب به وجهه.

فحدث عن المتوكل قال: لما أتاني رسوله لبست سواداً لي جديداً وأتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضى عني، فلما دخلت عليه قال: يا غلام علي بحجام. فدعي، فقال: خذ شعر هذا، فأخذه على السواد الجديد ولم يأتني بمنديل، فأخذ عليه شعري وضرب به وجهي. فما دخلني شيء من الجزع مثل ما دخلني في ذلك اليوم. قال: فلما ولي جعفر الخلافة بعث إلى محمد بن عبد الملك فدعاه. فركب حتى أتى دار إيتاخ فأخذ سيفه وقلنسوته ودرّاعته فدفع إلى غلمانه وانصرفوا وهم لا يشكّون أنه مقيم عند إيتاخ. ثم سوهر ومنع النوم وسُئل عن شيء يعذب به فدلّ على تنور من خشب فيه مسامير قيام. فحدثت عن أحمد بن أبي دؤاد أنه قال: هو أول من أمر بعمل التنور فابتلي به لصحة المثل: كما تدين تدان، وإن شئت: من يُرِ يوماً يُرَ به، وإن شئت: من حفر حفرة هوى فيها، فعذّب في التنور.

فحدّث الموكّل بعذابه فقال: كنت أخرج وأقفل عليه الباب فيمد يديه إلى السماء جميعاً حتى يدق موضع كتفيه ثم يدخل التنور ويجلس وفي التنور مسامير حديد وفي وسطه خشبة معترضة يجلس المعذَّب عليها إذا أراد أن يستريح. قال المعذِّب له: فخاتلته يوماً وأريته أني قد أقفلت عليه ثم مكث قليلاً ودفعت الباب فإذا هو قاعد، فقلت: أراك تعمل هذا! فكنت إذا خرجت شددت خناقه، فما مكث بعد ذلك إلا أياماً حتى مات. فوجد على حائط البيت الذي كان فيه من قبل التنور:

لعب البلى بمعالمي ورسوميودُفنت حياً تحت ردم غموم
وشكوت غمّي حين ضقت ومن شكاكرباً يضيق به فغير ملوم
لزم البلى جسمي وأوهن قوتيإن البلى لموكّلٌ بلزوم
أبنيّتي قلّي بكاءك واصبريفإذا سمعت بهالك مغموم
فانعي أباك إلى نسائه واقعديفي مأتمٍ يبكي العيون وقومي
قولي له يا غائباً لا ترتجىحتى القيامة مخبراً بقدومي
يا عين كنت وما أكلّفك البكاحتى ابتليت فإن صبرت فدومي

وقال في التنور الذي عذب فيه:

هِيض عظمي الغداة إذ صرت فيهإن عظمي قد كان غير مهيض
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة
ولقد كنت أنطق الشعر دهراًثم حال الجريض دون القريض
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة

وله أيضاً وهو يعذب في التنور، وقيل إنه آخر ما قاله:

تمكنت من نفسي فأزمعت قتلهاوأنت رخيُّ البال والنفس تذهب
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة
كعصفورةٍ في كف طفلٍ يسومهاورود حياض الموت والطفل يلعب
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة
فلا الطفل يدري ما يسوم بكفهوفي كفه عصفورةٌ تتضرّب
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة

قال: وكان إسماعيل بن القاسم في حبس الرشيد فكتب إليه بسوء حاله. فكتب في رقعته: ليس عليك بأس. فكتب إليه:

أرقت وطار عن عيني النعاسونام السامرون ولم يؤاسوا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أرقت وطار عن عيني النعاس»
أمين الله أمنك خير أمنٍعليك من التقى فيه لباس
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أرقت وطار عن عيني النعاس»
تساس من السماء بكل برٍّوأنت به تسوس كما تساس
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أرقت وطار عن عيني النعاس»
كأن الخلق رُكّب فيه روحٌله جسدٌ وأنت عليه راس
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أرقت وطار عن عيني النعاس»
أمين الله إن الحبس بأسٌوقد أرسلت ليس عليك باس
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أرقت وطار عن عيني النعاس»

فأمر بإطلاقه وصلته.

قيل: إنه لما غضب المتوكل على سليمان والحسن ابني وهب قال الحسن:

أقول والليل ممدودٌ سرادقهوقد مضى الثلث منه أو قد انتصفا
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة
يا رب ألهم أمير المؤمنين رضىًعن خادمين له قد شارفا التلفا
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة
لئن يكونا أساءا في الذي سلفافلن يسيئا بإذن الله مؤتنفا

فرضي عنهما وأمر بإطلاقهما.

قال الكسروي: وقّع كسرى بن هرمز إلى بعض المحتبسين: من صبر على النازلة كمن لم تنزل به، ومن طوّل له في الحبل كان فيه عطبه، ومن أكل بلا مقدر تلفت نفسه.

ووقّع بعضهم لمحبوس سأل الإطلاق: أنت إلى الاستيثاق أحوج منك إلى الإطلاق. وأنشد في هذا المعنى:

ألا أحدٌ يدعو لأهل محلةٍمقيمين في الدنيا وقد فقدوا الدنيا
للشاعر علي بن مهدي الكسروي، اقرأ القصيدة
كأنهم لم يعرفوا غير دارهمولم يعرفوا غير الشدائد والبلوى
للشاعر علي بن مهدي الكسروي، اقرأ القصيدة

وقال أعرابي:

ولما دخلت السجن كبّر أهلهوقالوا أبو ليلى الغداة حزين
وفي الباب مكتوبٌ على صفحاتهبأنك تنزو ساعةً وتلين

ولابن المعتز:

تعلمت في السجن نسج التككوكنت امرأً قبل حبسي ملك
وقيدت بعد ركوب الجيادوما ذاك إلا بدور الفلك
ألم تبصر الطير في جوّهيكاد يلامس ذات الحبك
إذا أبصرته خطوب الزمان أوقعنه في حبال الشرك
فهاذاك من حالق قد يصادومن قعر بحرٍ يصاد السمك

ووجدنا في أرض البيت الذي قتل فيه بخطه:

يا نفس صبراً لعل الخير عقباكخانتك من بعد طول الأمن دنياك
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «يا نفس صبرا لعل الخير عقباك»
مرّت بنا سحراً طيرٌ فقلت لهاطوباك يا ليتني إياك طوباك

قال: وكتب يحيى بن خالد البرمكي إلى الرشيد: من الحبس لأمير المؤمنين وخلف المهديين وخليفة رب العالمين، من عبد أسلمته عيوبه وأوبقته ذنوبه وخذله شقيقه ورفضه صديقه وزال به الزمان ونزل به الحدثان وحلّ به الضيق بعد السعة والشقاء بعد السعادة وعالج البؤس بعد الدعة ولبس البلاء بعد الرخاء وافترش السخط بعد الرضى واكتحل السهود وفقد الهجود، ساعته شهر وليلته دهر، قد عاين الموت وشارف الفوت، جزعاً يا أمير المؤمنين قدمني الله قبلك من موجدتك وأسفاً على ما حرمته من قربك لا على شيء من المواهب، لأن الأهل والمال إنما كانا لك وعارية في يديّ منك، والعارية لا بد مردودة، فأما ما اقتصصته من ولدي فبذنبه وعاقبته بجرمه وجريرته على نفسه فإنما كان عبداً من عبيدك لا أخاف عليك الخطأ في أمره ولا أن تكون تجاوزت به فوق ما كان أهله ولا كان مع ذلك بقاؤه أحبّ إلي من موافقتك، فتذكّر يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك وحجب عني فقدك، كبر سني وضعف قوتي وارحم شيبتي وهب لي رضاك عني ولتمل إليّ بغفران ذنبي، فمن مثلي يا أمير المؤمنين الزلل ومن مثلك الإقالة، ولست أعتذر إليك إلا بما تحب الإقرار به حتى ترضى، فإذا رضيت رجوت أن يظهر لك من أمري وبراءة ساحتي ما لا يتعاظمك معه ما مننت به من رأفتك بي وعفوك عني ورحمتك لي، زاد الله في عمرك يا أمير المؤمنين وقدمني للموت قبلك. وكتب في أسفله:

قل للخليفة ذي الصنائع والعطايا الفاشيه
وابن الخلائف من قريشٍ والملوك الهاديه
ملك الملوك وخير منساس الأمور الماضيه
إن البرامكة الذين رموا لديك بداهيه
عمّتهم لك سخظةٌلم تبق منهم باقيه
فكأنهم مما بهمأعجاز نخلٍ خاويه
صفر الوجوه عليهمخلع المذلة باديه
متفرقين مشتتين بكل أرضٍ قاصيه
بعد الإمارة والوزارة والأمور الساميه
ومنازلٍ كانوا بهافوق المنازل عاليه
وتحرّمٍ برضاعٍ أوفي مُرضعٍ لك فاديه
فاليوم قد رموا لديك بما يشيب الناصيه
أضحوا وجلُّ مناهممنك الرضى والعافيه
فإذا رضيت فإن أنفسهم بحكمك راضيه
فاليوم قد سلب الزمان كرامتي وبهائيه
واليوم قد ألقى الزمان جرانه بفنائيه
ورمى سواد مقلتيفأصاب حين رمانيه
يا من يود لي الردىيكفيك ويحك ما بيه
يكفيك ما أبصرت منذلّي وذلّ مكانيه
يكفيك أني مستباحٌ معشري ونسائيه
ورزئت مالي كلهوفدى الخليفه ماليه
إن كان لا يرضيك إلا أن أذوق حماميه
فلقد رأيت الموت منقبل الممات علانيه
وفجعت أعظم فجعةٍوفنيت قبل فنائيه
ولبست أثواب الذليل ولم تكن بلباسيه
وعطبت في سخط الإمام على رفيع بنائيه
فانظر بعينك هل ترىإلا قصوراً خاليه
وذخائراً مقسومةًقُسّمن قبل مماتيه
وحرائراً من بين صارخةٍ عليّ وباكيه
ونوادباً يندبننيتحت الدجى بكنائيه
يابا عليّ البرمكيّ فما أُجيب الداعيه
وبكاؤهن وقد سمعت مقلقلٌ أحشائيه
أخليفة الله الرضىلا تشتمن أعدائيه

اذكر عهودك لي وما أعطيتني بوفائيه

اذكر مقاساتي الأمور وخدمتي وعنائيه
ارحم جعلت لك الفداكبري وشدة حاليه
ارحم أخاك الفضل والباقين من أولاديه
فلقد دعوك وقد دعوتك إن سمعت دعائيه
أخليفة الرحمان إنك لو رأيت بناتيه
وبكاء فاطمة الكئيبة والمدامع جاريه
ومقالها بترجّعٍوا شقوتا وشقائيه
من لي ولا من لي وقدفصم الزمان قناتيه
وعدمت صفو معيشتيوتغيرت حالاتيه
من لي وقد غضب الزمان على جميع رجاليه
أودى الزمان بجورهبساستي وحماتيه
يا عطفة الملك الرّضىعودي علينا ثانيه

فوقّع الرشيد في رقعته: ضرب الله مثلاً قريةً كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. وقد قلت:

يا آل برمك إنماكنتم ملوكاً عاديه
فطغيتم وبغيتموكفرتم نعمائيه
هذا عقوبة من عصىمن فوقه وعصانيه
كنتم كشيء قد مضىأحلام نومٍ ساريه

وتمثل بقول مهلهل:

بات ليلي بالأنعمين طويلاأرقب النجم ساهراً أن يزولا
للشاعر عدي بن ربيعة، من قصيدة «بات ليلي بالأنعمين طويلا»
أزجر العين أن تُبكِّي الطلولاإن في الصدر من كليب غليلا
للشاعر عدي بن ربيعة، من قصيدة «بات ليلي بالأنعمين طويلا»
إن في الصدر غلةً لن تقضّىما دعا في الغضون داعٍ هديلا
لم يطيقوا أن ينزلوا فنزلناوأخو الحرب من أطاق النزولا

قال أبو أحمد بن القاسم بن واضح، ﵀: كان محمد بن الواثق وهو المهتدي بالله قبل الخلافة يكثر عند المعتز بالله الجلوس والخلافة يومئذ بسر من رأى فيرجع المعتز إلى قول محمد في أموره وما يمضيه ويبرمه، وكان كثير المعارضة لأم المعتز فيما تأمر به وتنهى، فلم تزل بالمعتز إلى أن أمر بإحداره إلى مدينة السلام على كره منه، فلما أمر بذلك كان وزيره أحمد بن إسرائيل منحرفاً عن محمد بن الواثق وأحب أن يخرجه مع حرمه نهاراً ليسوءه ويضع منه، فسأل محمد بن الواثق القاسم بن واضح لحال كانت بينهما وزلفة كانت له عنده متقدمة أن يدخل مع صاحبه المعروف بالطوسي ويسأله أن يخرجه وحرمه ليلاً، ففعل وكلم أحمد بن إسرائيل ورققه ولاطفه، فغضب أحمد واحتد، وكان غير حافظ للسانه قليل الفكر في العواقب متهوراً، فأطلق لسانه بكلام بشع قبيح وقال: من هو ومن بناته وحرمه الكذا الكذا حتى لا يخرجون نهاراً! فقال القاسم: ليت أن رجلي انكسرت ولم أحضر هذا المجلس. وقام معه الطوسيّ رسول محمد بن الواثق وما زال يسأله أن لا يردّ خبر المجلس ولا يحكي الكلام الذي بدر من أحمد بن إسرائيل، فوعده وخالفه لما فارقه ولم يصبر حتى مضى فحكاه لمحمد بن الواثق، وأحدر محمد مع حرمه نهاراً إلى مدينة السلام، فوقر ذلك في نفس محمد وحقده على أحمد بن إسرائيل. فلم يمض إلا القليل حتى قعد محمد بن الواثق في الخلافة بعد قتل المعتز.

وكان رجلاً تقياً متألهاً يؤثر العدل والإنصاف ويتحرج ويحبّ إظهار السنن الحسنة وإقامة الدين على شرائعه المستويه وأعلامه القديمة من الخلفاء الذين عدلوا، إلا أن أيامه قصرت وكان الأتراك قد غلبوا على الخلافة لكثرة معارضتهم للخلفاء وإضعافهم أيديهم وإنهائهم أمرهم.

فأمر لما ولي الخلافة بالقبض على أحمد بن إسرائيل وأبي نوح الكاتب والحسن بن مخلد. وكانت عليهم تدور دولة المعتز من قبله. ورسم أن يُضرب أحمد بن إسرائيل بباب العامة ألف سوط فإن مات وإلا زيد ضرباً حتى يتلف، وذلك لما كان منه من القول الذي كان سبب تلفه. فراسل أحمد القاسم بن واضح في أن يشفع له إلى المهتدي، ففعل وكتب إليه رقعة وصلت مع خادم له اسمه مستطرف، فوقّع المهتدي: هذا رجل لنا في جنبه حدود أنت شاهد ببعضها ولا سبيل إلى الصفح عنه. وكان ذلك تذكيراً له بأمر المجلس وقول أحمد ما قاله فيه وفي حرمه. وضُرب أحمد إلى أن تلف. ثم كلم المهتدي في أمر أبي نوح الكاتب والحسن بن مخلد فقال: لأبي نوح حرمةٌ وهي أن أمه كانت تهدي إلينا كامخاً كالناطف المعقود وزيتوناً كأمثال البيض فاطلقوا عنه، وأما الحسن بن مخلد فقد بلونا منه نصحاً وميلاً فردوه إلى منزلته. وتخلصا جميعاً وعادا في الأمر.

وكان المهتدي فصيحاً شجاعاً فطناً عارفاً بالتدبير لو أمهل ولم تعجل الأتراك إلى قتله. وكان خرج يوماً في هيجٍ لهم وبيده العقرب سيف عمر بن الخطاب، ﵁، وحمل على الأتراك ووسط منهم جماعة قدّهم وقطعهم. وكان إذا جلس للمظالم أمر بأن توضع كوانين الفحم في الأروقة والمنازل عند تحرك البرد، فإذا دخل المتظلم أمر بأن يدّفيء ويجلس ليسكن ويثوب إليه عقله ويتذكر حجته ثم يدنيه ويسمع منه، ويقول: كيف يدلي المتظلم بحجته إذا لم يُفعل به هذا وقد تداخلته رهبة الخلافة وألم البرد؟ وكان الغالب على أمر الخلافة في أيامه وصيفٌ الكبير وداره معروفة بمدينة السلام في مربّعة الخرسي إلى اليوم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والمساوئ»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.