من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
محاسن الحبس
لعلي بن الجهم:
قالت حبست فقلت ليس بضائريحبسي وأيّ مهند لا يغمد
أوما رأيت الليث يحمي غيلهكبراً وأوباش السباع تردد
والنار في أحجارها مخبوءةٌلا تصطلي إن لم تثرها الأزند
والبدر يدركه السرار فتنجليأيامه وكأنه متجدد
والزاعبية لا يقيم كعوبهاإلا الثقاف وجذوةٌ تتوقد
غير الليالي بادئاتٌ عوّدٌوالمال عارية يفاد وينفد
ولكل حالٍ معقبٌ ولربماأجلى لك المكروه عما تحمد
لا يؤيسنّك من تفرّج كربةٍخطبٌ أتاك به الزمان الأنكد
كم من عليلٍ قد تخطاه الردىفنجا ومات طبيبه والعُوّد
صبراً فإن اليوم يتبعه غدٌويد الخليفة لا تطاولها يد
والحبس ما لم تغشه لدنيةٍتزري فنعم المنزل المتورَّد
لو لم يكن في الحبس إلا أنهلا يستذلّك بالحجاب الأعبد
بيتٌ يجدد للكريم كرامةًويزار فيه ولا يزور ويحمد
يا أحمد بن أبي دؤادٍ إنماتدعى لكل عظيمةٍ يا أحمد
أبلغ أمير المؤمنين ودونهخوض العدى ومخاوفٌ لا تنفد
أنتم بنو عم النبي محمدٍأولى بما شرع النبي محمد
ما كان من حسنٍ فأنتم أهلهطابت مغارسكم وطاب المحتد
أمن السوية يا ابن عم محمدٍخصمٌ تقرّبه وآخر تبعد
إن الذين سعوا إليك بباطلٍأعداء نعمتك التي لا تجحد
شهدوا وغبنا عنهم فتحكموافينا وليس لغائبٍ من يشهد
لو يجمع الخصماء عندك مجلسٌيوماً لبان لك الطريق الأقصد
والشمس لولا أنها محجوبةٌعن ناظريك لما أضاء الفرقد
قال: فعارضه عاصم بن محمد الكاتب لما حبسه أحمد بن عبد العزيز بتغير حمولة له فقال:
قالت حُبست فقلت خطبٌ أنكدأنحى علي به الزمان المرصد
لو كنت حراً كان سربي مطلقاًما كنت أُؤخذ عنوةً وأُقيد
أو كنت كالسيف المهند لم أكنوقت الشديدة والكريهة أُغمد
أو كنت كالليث الهصور لما رعتفيّ الذئاب وجذوتي تتوقد
من قال إن الحبس بيت كرامةٍفمكاشرٌ في قوله متجلد
ما الحبس إلا بيت كل مهانةٍومذلةٍ ومكارهٍ ما تنفد
إن زارني فيه العدو فشامتٌيبدي التوجع تارةً ويفنّد
أو زارني فيه الصديق فموجعٌيذري الدموع بزفرةٍ تتردد
يكفيك أن الحبس بيت لا ترىأحداً عليه من الخلائق يحسد
عشنا بخيرٍ برهةً فكبا بناريب الزمان وصرفه المتردد
قصرت خطاي وما كبرت وإنماقصرت لأني في الحديد مصفّد
في مطبقٍ فيه النهار مشاكلٌللّيل والظلمات فيه سرمد
تمضي الليالي لا أذوق لرقدةٍطعماً فكيف حياة من لا يرقد
فتقول لي عيني إلى كم أسهرتويقول لي قلبي إلى كم أكمد
وغذاي بعد الصوم ماءٌ مفردٌكم عيش من يغذوه ماءٌ مفرد
وإذا نهضت إلى الصلاة تهجراًجذبت قيودي ركبتي فأسجد
فإلى متى هذا الشقاء مؤكدوإلى متى هذا البلاء مجدد
يا رب فارحم غربتي وتلافنيإني غريبٌ مفرد متلدد
ما لي مجيرٌ غير سيدي الذيما زال يكفلني فنعم السيد
غذيت حشاشة مهجتي بنوافلٍمن سيبه وصنائعٍ لا تجحد
عشرين حولاً عشت تحت جناحهعيش الملوك وحالتي تتزيد
إن حدت عن قصد المحجة قال ليمهلاً فذاك هو الطريق الأقصد
فيردني بترفقٍ نحو التيفيها السلامة والسبيل الأرشد
فبعدت عنه مجبراً متكرهاًالله يعلم ما أقول ويشهد
وخلا العدو بموضعي من قلبهفحشاه جمراً ناره ما تخمد
هبني أسأت فلم حقدت إساءتيماإن عهدتك مذ صحبتك تحقد
بل كنت تغتفر الذنوب تكرماًوتظلّ تعفو دائماً وتغمّد
فاغفر لعبدك ذنبه متطولاًفالحقد منك سجيةٌ لا تعهد
واذكر خصائص حرمتي ومقاوميأيام كنت جميع أمري تحمد
يا أحمد بن محمدٍ يا ذا الندىدم لي على ما كنت لي يا أحمد
لا تشمتن بي العدو وخلّنيببياض وجهك إن وجهي أسود
ولغيره:
إلى الله فيما نابنا الشكوىفي يده كشف الضرورة والبلوى
خرجنا من الدنيا ونحن من اهلهافلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
إذا دخل السجّان يوماً لحاجةٍعجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
ونفرح بالرؤيا فجلّ حديثناإذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا
فإن حسنت كانت بطيّا مجيئهاوإن قبحت لم تنتظر وأتت عجلى
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع