من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
محاسن بر الآباء
حكي عن ميمون بن مهران أنه قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز فوجدته يكتب إلى ابنه عبد الملك: أما بعد فإن أحق من وعى عني وفهم قولي أنت، وإن الله، وله الحمد، قد أحسن إلينا في لطيف أمرنا وجليله، وعلى الله جل وعز تمام النعمة، فاذكر يا بني فضل الله عليك وعلى أبيك فإنك إن استطعت أن تصدق ذلك كله بعمل تعمله وصلاة أو صوم أو صدقة قبل ذلك منك، وإياك والعزة والعظمة والكبرياء فإنه من عمل الشيطان وهو عدوّ مضلّ مبين، وإن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، إن ربي لغفور رحيم. واعلم أن الشباب إلا ما وقى الله ودفع عونٌ على أمور كثيرة من السوء، وفيه لعمري معونة كثيرة على الخير لمن رزقه الله، فاحذر شبابك وإياك أن تعلم في قلبك زهواً أو كبراً فإنه ما لم يكن من ذلك كان خيراً، واحفظ لسانك ونفسك حفظاً ترجو فيه رحمة الله جل وعز ومغفرته، واذكر صغر أمرك وحقارة شأنك ولا تبغ في ما أعجبك من نفسك وفيما عسيت أن تفرط فيه مما ليس معه غير الفكرة في أمرك وأمره، وليس كتابي هذا لأن يكون بلغني عنك إلا خيراً، غير أنه قد بلغني عنك شيء من بعض إعجابك بنفسك، ولو بلغني أن ذلك خرج عنك إلى أمر كرهته لبلغك عني أمر يشتد عليك كراهته وعرّفت مع ذلك أن الشباب والحرص والنعمة يحمل ذلك كله على أمر شديد إلا ما وقى الله ودفع، فكن يا بنيّ على حذر، فإن الشيطان قلّ ما يصيب فرصته بمن احترس منه بدعاء الله جل اسمه والتواضع له، وأكثر تحريك لسانك في ليلك ونهارك بذكر الله فإن أحسن ما وصلت به حديثاً حسناً ذكر الله جل اسمه، وأحسن ما قطعت به حديثاً سيئاً ذكر الله ﵎، وأعن على نفسك بخير. نسأل الله لنا ولك حسن التوفيق والسلام.
قال ميمون: ثم قال لي عمر: إن ابني عبد الملك قد زين في عيني وأنا متهم لنفسي فيه وأخاف أن يكون هواي فيه قد غلب على علمي به وأدركني ما يدرك الوالد من الإشفاق على ولده فأته واسبره ثم ائتني بعلمه ثم انظر هل ترى منه ما يشاكل النخوة فإنه غلام حدث ولا آمن عليه الشيطان.
قال ميمون: فخرجت إلى عبد الملك حتى قدمت عليه فاستأذنت ودخلت، فإذا غلام ابن ست عشرة سنة جالس على حشية بيضاء أحسن الناس تواضعاً وإذا مرافق بيض وبساط شعر. فرحب بي ثم قال: قد سمعت أبي يذكر منك ما أنت أهله وإني أرجو أن ينفع الله بك وقد حسبت أن يكون قد غرّني من نفسي حسن رأي والدي فيّ وما بلغت من الفضل كل ما يذكر، وقد حذرت أن يكون الهوى قد غلبه على علمه فأكون أحد آفاته. قال ميمون: فعجبت من اتفاقهما فقلت له: أعلمني من أين معيشتك؟ قال: من عطاي ومن غلة زراعةٍ اشتريت عن ظهر يدٍ ممن ورثها عن أبيه فوهبها لي فأغناني بها عن فيء المسلمين. قال: فقلت: فما طعامك؟ فقال: ليلة لحم وليلة عدس وزيت وليلة خل وزيت وفي هذا بلاغ. قال فقلت له: أفما تعجبك نفسك؟ فقال: قد كان فيّ بعض ما كان فلما وعظني أبي في كتابه بصّرني نفسي وما صغّر من شأني وحقّر من قدري فنفعني الله جل وعز بذلك فجزاه الله من والدٍ خيراً. فقعدت ساعة أحدثه وأتسمع من منطقه فلم أر فتىً كان أجمل وجهاً ولا أكمل عقلاً ولا أحسن أدباً على صغر سنه وقلة تجربته منه.
قال ميمون: فلما كان آخر ذلك أتاه غلام فقال: أصلحك الله قد فرغنا. قال: فسكت. فقلت: ما هذا الذي فرغ منه؟ قال: الحمّام أخلاه لي. قال فقلت: لقد كنت وقعت مني كل موقع حتى سمعت هذا. قال: فاسترجع وذعر وقال: وما ذاك يا عم، يرحمك الله؟ قلت: الحمّام لك؟ قال: لا. قلت: فما دعاك إلى أن تطرد عنه غاشيته كأنك تريد بذلك الكبر فتكسر على صاحب الحمام غلته ويرجع من أتاه خائباً؟ قال: أما صاحب الحمام فإني أُرضيه وأعطيه غلة يومه. قال قلت: هذه نفقة سرف خالطها الكبر، وما يمنعك أن تدخل الحمام مع الناس وإنما أنت كأحدهم؟ قال: يمنعني من ذاك أن أرى عورة مسلم ورعاع من الناس يدخلون بغير أزر فأكره رؤية عوراتهم وأكره أن أجبرهم على أزر فيضعون ذلك مني على حد هذا السلطان الذي خلّصنا الله منه كفافاً، فعظني رحمك الله عظة أنتفع بها واجعل لي مخرجاً من هذا الأمر. فقلت له: ادخله ليلاً فإذا رجع الناس إلى رحالهم خلا لك الحمام. قال: لا جرم لا أدخله نهاراً أبداً ولولا شدة برد بلادنا هذه ما دخلته أبداً، فأقسمت عليك لتطوينّ هذا الخبر عن أبي فإني أكره أن يظل عليّ ساخطاً ولعل الأجل يحول دون الرضى منه.
قال: فأردت أن أسبر عقله فقلت: إن سألني هل رأيت منه شيئاً تأمرني أن أكذبه؟ قال: لا معاذ الله ولكن قل رأيت شيئاً ففطمته عنه وسارع إلى ما أردت من الرجوع، فإنه لا يسألك عن التفسير لأن الله جل وعز قد أعاذه من بحث ما ستر. قال ميمون: فلم أر والداً قط ولا ولداً قط، رحمة الله وبركاته عليهم، مثلهما.
وذكروا أن ضرار بن عمرو الضبّي ولد له ثلاثة عشر ابناً كلهم بلغ ورأس فاحتمل ذات يوم. فلما رأى بنيه رجالاً معهم أهاليهم وأولادهم سره ما رأى من هيأتهم ثم ذكر نفسه وعلم أنهم لم يبلغوا ذلك حتى أسنّ هو ورقّ وضعف فقال: من سره بنوه ساءته نفسه. فذهبت مثلاً.
قيل: ودخل الأمين على أبيه الرشيد وقد عرضت له وصيفة جميلة فلم يزل محمد ينظر إليها وفطن له أبوه فقال: يا محمد ما ترى في هذه الوصيفة؟ قال: ما أرى بأساً. قال: فهل لك فيها؟ قال: أمير المؤمنين أحق بها مني. قال: فقد آثرك على نفسه فخذها. فأخذها. فقال الرشيد:
ولي ولدٌ لم أعصه مذ ولدتهولا شكّ في بري به مذ ترعرعا
تخيرته للملك قبل فطامهوأقطعته الدنيا فطيماً ومُرضعا
فلا الملك يخلو باعه من محمدٍولا هو منه بل هما هكذا معا
فنهض محمد ومعه الجارية فأتبعه طرفه فلما غاب قال:
وإنما أودلانا بينناأكبادنا تمشي على الأرض
وحكي عن بعض الأعراب أنه كان يرقّص ولده ويقول:
كأنما ريح الولدريح الخزامى بالبلد
أهكذا كل ولدأم لم يلد قبلي أحد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع