تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)

محاسن بر الأبناء بالآباء والأمهات

عن طاؤوس عن أبيه قال: كان رجل له أربعة بنين فمرض فقال أحدهم: إما أن تمرّضوه وليس لكم من ميراثه شيء وإما أن أمرضه وليس لي من ميراثه شيء. قالوا: بل تمرضه وليس لك من ميراثه شيء. فمرضه حتى مات ولم يأخذ من ميراثه شيئاً.

قال: فأُتي في النوم فقيل له: ائت مكان كذا وكذا فخذ منه مائة دينار. فقال: أفيها بركة؟ قالوا: لا. فلما أصبح ذكر لك لامرأته فقالت: خذها فإن من بركتها أن نكتسي منها ونعيش بها. فلما أمسى أُتي في النوم فقيل له: ائت مكان كذا وكذا فخذ منه عشرة دنانير. فقال: أفيها بركة؟ قالوا: لا. فلما أصبح ذكر لك لامرأته فقالت له مثل ذلك، فأبى أن يأخذها. فأُتي في الليلة الثالثة فقيل له: ائت مكان كذا وكذا وخذ منه ديناراً. فقال: أفيه بركة؟ قالوا: نعم. قال: فذهب فأخذ الدينار ثم خرج به إلى السوق فإذا هو برجل يحمل حوتين. فقال: بكم هما؟ قال: بدينار. فأخذهما منه وانطلق بهما إلى بيته، فلما شقهما وجد في بطن كل واحد منهما درة لم ير الناس مثلها، فبعث الملك يطلب درة يشتريها فلم توجد إلا عنده فباعها بثلاثين وقراً ذهباً. فلما رآها الملك قال: ما تصلح هذه إلا بأخت فاطلبوا أختها ولو أضعفتم الثمن. فجاؤوه وقالوا: أعندك أختها ونعطيك ضعف ما أعطيناك؟ قال: نعم. فأعطاهم الثانية بضعف ما باع به الأولى.

قال: وذكر المأمون بر الأبناء بالآباء فقال: لم أر أحداً أبرّ من الفضل بن يحيى، فإنه بلغ من بره بأبيه أنهما حيث حبسا كان الفضل يسخن ليحيى الماء لوضوئه لأنه كان يتوضأ بالماء السخن، فمنعهم السجان ذات ليلة من إدخال الحطب والليل بارد فقام الفضل حين أخذ يحيى مضجعه إلى قمقم كان يسخن فيه الماء فملأه من الجبّ ثم جاء به إلى القنديل فأدناه منه فلم يزل قائماً والقمقم في يده حتى أصبح وقد سخن الماء، فأدناه من أبيه.

قال: ولما وجه عمر بن الخطاب، ﵁، الجيش إلى اليرموك قام إليه أمية بن الأسكر الكناني فقال: يا أمير المؤمنين هذا اليوم من أيامي لولا كبر سني. فقام إليه ابنه كلاب، وكان عابداً زاهداً، فقال: لكني يا أمير المؤمنين أبيع الله نفسي وأبيع دنياي بآخرتي. فتعلق به أبوه وكان في ظل نخل له وقال: لا تدع أباك وأمك شيخين ضعيفين ربياك صغيراً حتى إذا احتاجا إليك تركتهما! فقال: نعم أتركهما لما هو خير لي. فخرج غازياً بعد أن أرضى أباه، فأبطأ وكان أبوه في ظل نخل له، وإذا حمامة تدعو فرخها، فرآها الشيخ فبكى، فرأته العجوز فبكت، وأنشأ يقول:

لمن شيخان قد نشدا كلاباًكتاب الله إن ذكر الكتابا
أناديه ويعرض لي حنينٌفلا وأبي كلابٌ ما أصابا
تركت أباك مرعشةً يداهوأمك ما تسيغ لها شرابا
للشاعر أمية بن الأسكر، اقرأ القصيدة
فإن أباك حين تركت شيخٌيطارد أينقاً شزباً جذابا
إذا رُتّعن إرقالاً سراعاًأثرن بكل رابيةٍ ترابا
طويلاً شوقه يبكيك فرداًعلى حزنٍ ولا يرجو الإيابا
إذا غنت حمامة بطن وجٍّعلى بيضاتها ذكرا كلابا

فبلغت هذه الأبيات عمر بن الخطاب، ﵁، فأرسل إلى كلاب فوافاه فقال: إنه بلغني أن أباك وجد لفراقك وجداً شديداً فبماذا كنت تبره؟ قال: كنت أبره بكل شيء حتى أني كنت أحلب له ناقة فإذا حلبتها عرف حلبي. فأرسل عمر، ﵀، إلى الناقة فجيء بها من حيث لا يعلم الشيخ فقال له: احلبها. فقام إليها وغسل ضرعها ثم حلبها في إناء. فأرسل عمر، ﵀، بالإناء إلى أبيه فلما أُتي به بكى ثم قال: إني أجد في هذا اللبن ريح كلاب. فقال له نسوة كن عنده: قد كبرت وخرفت وذهب عقلك، كلاب بظهر الكوفة وأنت تزعم أنك تجد ريحه! فأنشأ يقول:

أعاذل قد عذلت بغير علمٍوهل تدري العواذل ما ألاقي
سأستعدي على الفاروق رباًله حجُّ الحجيج على اتساق
إن الفاروق لم يردد كلاباًإلى شيخين ما لهما تواقي

فقال له عمر: اذهب إلى أبيك فقد وضعنا عنك الغزو وأجرينا ك العطاء. قال: وتغنت الركبان بشعر أبيه. فبلغه فأنشأ يقول:

لعمرك ما تركت أبا كلابٍكبير السن مكتئباً مصابا
وأماً لا يزال لها حنينٌتنادي بعد رقدتها كلابا
لكسب المال أو طلب المعاليولكني رجوت به الثوابا

وكان كلاب من خيار المسلمين، وقُتل مع علي بن أبي طالب، ﵁، بصفين وعاش أبوه أمية دهراً طويلاً حتى خرف، فمرّ به غلام له كان يرعى غنمه وأمية جالس يحثو على رأسه التراب فوقف ينظر إليه، فلما أفاق بصر بالغلام فقال:

أصبحت لهواً لراعي الضأن أعجبهماذا يريبك مني راعي الضان
انعق بضأنك في أرض بمخضرةٍمن الأباطح واحسبها بجلدان
انعق بضأنك إني قد فقدتهمبيض الوجوه بني عمي وإخواني

قال: وحدثني من سمع أعرابياً حاملاً أمه في الطواف وهو يقول:

إني لها مطيةٌ لا أذعرإذا الركاب نفرت لا أنفر
ما حملت وأرضعتني أكثرالله ربي ذو الجلال أكبر

ثم التفت إلى ابن عباس، ﵀، فقال له: أتراني قضيت حقها؟ فقال: لا والله ولا طلقة من طلقاتها.

قال: ونحر أعرابي جزوراً فقال لامرأته: أطعمي أمي منه. فقالت: أيها أطعمها؟ فقال: قطعي لها الورك. قالت: ظُوهرت بشحمة وبُطنت بلحمة، لا لعمر الله! قال: فاقطعي لها الكتف. قالت: الحاملة الشحم من كل مكان، لا لعمر الله! قال: فما تقطعين لها؟ قالت: اللحى ظوهرت بجلدة وبطنت بعظم. قال: فتزوديها إلى أهلك. وخلّى سبيلها.

وروي أن الحسن بن علي، رضوان الله عليه، كان يمتنع من مؤاكلة أمه، صلوات الله عليها، فسئل عن ذلك وهو ابن ست سنين. فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى لقمة تقع عينها عليها فأكون قد عققتها.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والمساوئ»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.