من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
مساوئ عقوق البنين
الأصمعي قال: حدثني رجل من الأعراب قال: خرجت من الحي أطلب أعق الناس وأبر الناس فكنت أطوف بالأحياء حتى انتهيت إلى شيخ في عنقه حبل يستقي بدلو لا تطيقه الإبل في الهاجرة والحر الشديد وخلفه شاب في يده رشاء من قدّ ملوّى يضربه به قد شقّ ظهره بذلك الحبل. فقلت: أما تتقي الله في هذا الشيخ الضعيف؟ أما يكفيه ما هو فيه من مدّ هذا الحبل حتى تضربه؟ قال: إنه مع هذا أبي. قلت: فلا جزاك الله خيراً! قال: اسكت فهكذا كان يصنع هو بأبيه وكذا كان يصنع أبيه بجده. فقلت: هذا أعق الناس. ثم جلت أيضاً حتى انتهيت إلى شاب في عنقه زبيل فيه شيخ كأنه فرخ فيضعه بين يديه في كل ساعة فيزقّه كما يزقّ الفرخ. فقلت له: ما هذا؟ فقال: أبي وقد خرف فأنا أكفله. قلت: فهذا أبر العرب. فرجعت وقد رأيت أعقهم وأبرهم.
قيل: وكانت لخيزران في خلافة موسى الهادي كثيراً ما تكلمه في الحوائج فكان يجيبها إلى كل ما تسأل، حتى مضت لذلك أربعة أشهر من خلافته فاجتمع الناس إليها وطمعوا فيما قبلها فكانت المواكب تغدو إلى بابها وتروح، قال: فكلمته يوماً في أمر فاعتل بعلة، فقالت: لا بد من إجابتي. قال: لا أفعل. قالت: فإني قد تضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك. قال: فغضب وقال: ويلي عليه ابن الفاعلة قد علمت أنه صاحبها والله لا قضيتها له! قالت: إذاً والله لا أسألك حاجة أبداً. فقال: إذاً والله لا أبالي. وحمي وغضب ثم قال: مكانك حتى تستوعبي كلامي والله وإلا فأنا نفيّ من قرابتي من رسول الله، ﷺ، لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادي وخاصتي وخدمي لأضربن عنقه ولأقبضنّ ماله فمن شاء فليلزم ذلك، ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك في كل يوم؟ أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك؟ إياك ثم إياك أن تفتحي بابك لملّيّ ولا ذميّ! فانصرفت ما تعقل ما تطأ فلم تنطق عنده بحلوة ولا بمرة بعد ذلك.
قال يحيى بن الحسن: وحدثني أبي قال: سمعت خالصة تقول للعباس ابن الفضل بن الربيع: بعث موسى الهادي إلى أمه الخيزران بأرزة فقال: اشتهيتها فأكلتها فكلي منها. قالت خالصة: فقلت: امسكي حتى ننظر فإني أخاف أن يكون فيها شيء. فأرسل إليها بعد ذلك: كيف رأيت الأرزة؟ قالت: وجدتها طيبة. فقال: لم لم تأكلي منها؟ والله لو أكلت لقد كنت استرحت منك، فما أفلح خليفة له أم! قيل: وضرب إبراهيم بن بهنك العكي ابنه فذهب الابن فوشى بأبيه إلى الرشيد وذكر أنه يريد اغتياله، فدفعه الرشيد إلى ابنه، فقيده وحبسه في بيت ودعا بأمهات أولاده فجعل يشرب معهنّ ليغيظ أباه، فاستبطأ الرشيد فدعا به وقال له: إن كذبت على أبيك استرضيناه لك وإن كنت صدقت فلست أرى أفعالك تشاكل أفعال الصادقين. فلما انصرف من عنده دخل على أبيه بالسيف فضربه حتى قتله. ولذلك قيل: شرّ المرزئة سوؤ الخلف.
قال: ولما خلع شيرويه بن كسرى أباه وهمّ بقتله قال لعظيم من عظماء مرازبته: ادخل على أبينا فاقتله. فانطلق المرزبان حتى دخل على كسرى فأخبره بما أمر به ابنه. فقال له كسرى: انصرف فلست بصاحبي. فانصرف المرزبان إلى شيرويه فأخبره بمقالة كسرى. فوجّه رجلاً آخر فلما دخل قال له مثل مقالته للأول، فانصرف ولم يصنع شيئاً واعتل على شيرويه بأنه لم يطب نفساً بقتله.
فالتفت شيرويه إلى فتىً يسمى هرمز بن مردانشاه وكان أبوه يقال له فاذوسبان بابل وخطرنية، وقد كان كسرى سأل المنجمين قبل ذلك بعامين عن ميتته فأخبروه أنها على يدي رجل يكون عظيم بابل. فلما سمع ذلك وقعت تهمته على مردانشاه فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه. فلما قدم تجنى عليه ثم أمر بقطع يمينه، فقطعت، فتناولها بيده الأخرى ووضعها في حجره وجعل يبكي وينتحب. فسمع كسرى ذلك فرحمه ورقّ له فأرسل إليه أنه قد ندم على ما كان منه وأمره أن يسأله حاجة تكون له عوضاً من ذهاب يده. فأرسل إليه مردانشاه إن وثق لي بالأيمان المحرجة، ففعل كسرى ذلك وعاهده أن يجيبه إلى جميع ما سأل. فأرسل إليه أن حاجتي أن تأمر بقتلي فلا خير في الحياة بعد يميني. فأمر كسرى به فضربت عنقه. فلما دخل دخل ابنه هرمز على كسرى قال له: من أنت؟ قال: أنا ابن مردانشاه فاذوسبان بابل. فقال: أنت لعمري صاحبي كنت قتلت أباك ظلماً فدونك وما أمرت به. وكان معه طبرزين، فضرب به كسرى على عضده فلم يحك فيه لأن كسرى كان في عضده خرزة لا يعمل الحديد فيه من أجلها، فضرب الشاب بيده إلى عضده وقطع تلك الخرزة ثم ضربه بالطبرزين حتى مات، وانصرف إلى شيرويه فأخبره، فأمر بقتله، ثم هلك شيرويه بعد قتل أبيه بثمانية أشهر.
وقد قالت الحكماء: ومن جرّب من الأوائل أن الرجل إذا قتل أباه وأخاه لم يمتّع بعدهما إلا أربعة أشهر أو ما هو فوق ذلك بيسير وربما سلّط عليه السهر فلا يزال كذلك إلى أن يتلف.
قال: وقيل للمأمون: إن بني علي بن صالح مجّان سفهاء. فقال المأمون: يا علي أحضر ولدك الأكابر والأصاغر فإني أريد أن أرتبهم وأرشحهم للأمر الذي يصلحون له. فانصرف علي فأخبر ولده بذلك وأمرهم بالركوب. فاستعدّوا وتزينوا بأحسن هيأة واستأذن لهم فدخلوا وسلموا. فقال لهم المأمون: تركتم الأدب واطّرحتموه وآثرتم المجون والسفه، هذا وأبوكم أحد الفقهاء والعلماء يستضاء برأيه ويحمد مذهبه. فأقبل على علي فقال: أما على ذلك فما الذنب إلا لك إذ تركتهم يتتابعون في المجون وتركوا ما كان أولى بك وبهم أن تأخذهم به. فقال علي: ولا سيما يا سيدي هذا الكبير فإنه باقعةٌ لا والله ما لي بهم قوة ولا يدٌ وهذا الكبير أفسدهم وهتكهم وزين لهم سوؤ أعمالهم فصدّهم عن السبيل فهم لا يهتدون. فأطرق الأكبر ما يترمرم بحرف. فقال المأمون: تكلم. قال: يا سيدي بلساني كله أو كما يتكلم الذليل بين يدي مولاه حتى يترك حجته ويسكت عن إيضاح جوابه مهابة لسيده؟ قال: تكلم بما عندك. فقال: يا أمير المؤمنين هل حمدت رأي أبينا وحمدت مذهبه وعلمه؟ قال: نعم.
قال: فأعتق ما يملك وطلق ما يطأ طلاق الحرج والسنة وصدّق بما حوى وعليه ثلاثون حجة مع ثلاثين نذراً يبلغ به الكعبة إن لم يكن أبوه على طلب سكّر طبرزد فلم يوجد في خزانته ولم يكن وقتاً يوجد فيه سكّر ولا يُقدر على ابتياع شيء منه. فقال: فيم يصلح للخزانة التي ليس فيها سكر؟ ثم قال: الحمد لله رب العالمين ولا أقول إنا لله وإنا إليه راجعون وإن كانت المصيبة لأن ذلك إنما يقال عند المصائب في الأنفس ولكني أحمده على السراء والضراء والشدة والرخاء كما حمده الشاكرون وأنا أرجو أن أكون منهم. ثم أقبل على الخازن فقال: ادع الوكيل. فدعاه. فقال: ما منعك إذ فني السكّر أن يُشترى لنا سكر؟ قال: لم يعلمني الخازن. فقال للخازن: لم لم تعلمه؟ قال: كنت على أن أعلمه. قال: ما ههنا شيء هو أبلغ في عقوبتكما من أن أقوم على إحدى رجلي وأن لا أضع الأخرى ولا أراوح بينهما حتى تحضروني ألف منّ سكّر طبرزد ليس بمضرس ولا وسخ ولا لين المكسر ولا بمحدث الصنعة ولا معوّج القالب. ثم وثب فقال: يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً، والله والله لا أزال قائماً حتى أوفي بنذري. قال: فتبادر غلمانه ومواليه وبعض أولاده وعجائزه نحو السوق فواحد ينبه حارساً وآخر يرمي كلباً وآخر يفتج درباً وآخر يوقظ نائماً وآخر يدعو بائعاً والغلمان والجواري والجيران والسوقة والحرّاس في مثل صيحة يوم القيامة، ثم قال: يا قوم أما لي من أهلي مساعد؟ أين البنات العواتق والأبكار؟ أين اللواتي كنت أغذوهن بطيّب الطعام وليّن اللباس يسرحن فيما ادّعين من خفض العيش وغضارة الزهر؟ أين أمهات الأولاد اللواتي اعتقدن العقد النفيسة وملكن الرغائب بعد الحال الخسيسة؟ أين الأولاد الذكور الذين لهم نسعى ونحفد ونقوم ونقعد ولهم نروح ونغدو؟ فبادرت إليه بناته وأمهاتهن، فقامت واحدة منهن على ساق فقال: أحسنتنّ أحسن الله جزاءكن، لمثل هذا أردتكن. ولاحظ الكبرى من بناته وآخر من بنيه وهما يراوحان بين أقدامهما، فقال: يا فلانة تراوحين ولا أراوح، صدق الله جل وعز وبلّغ رسوله، عليه وعلى آله السلام، حيث يقول: " إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم "، حذرني ربي جل وتعالى منكم.
ثم قال: علي بن صالح ليس في خزانته سكر طبرزد وجائزته من أمير المؤمنين ألف ألف درهم وضيعته بالنهروان تغلّ ثلاثمائة ألف درهم وضيعته بالكوفة المعروفة بالمغيرة من أنبل ضيعة ما ملك مثلها أحد بسطوح الدسكرة ولولا أن سعيداً السعدي، أراح الله منه، قطع شربها وعوّر مجاري مياهها حتى اندفنت أنهارها وقلت عمارتها إضراراً بنا وتعدياً علينا ما كان لأحد مثلها وعلى أن أكرتها ومزارعيها من أخابث خلق الله، والله والله لو أمكنهم أن يقطعوا الحاصل وحاصل الحاصل ما أعطونا من ذلك شيئاً، ومن أخبرك أن الضيعة لرب الضيعة فقل له كذبت لا أم لك، الضيعة ثلاث أثلاث: فثلث للسلطان وثلث للوكيل وثلث للأكّار، وإنما يأتي رب الضيعة صبابة كصبابة الإناء ومخّة كمخة عرقوب، يجني الأكار وقت الدياس فيمرّ بهم الأبرمذ هذا يذبح له وهذا يخبز له وهذا يسقيه النبيذ، وما نبيذهم إلا العكر الأسود ووضر الدنس وماء الأكشوت، قبح الله ذلك شرباً ما أنغله للجوف وأضره بالأعلاق النفيسة، ثم يأتي وقت الكيل فمن بين رقّام، رقم الله جلبابه وأعد له الهوان، ومن بين كيال، جعل الله له الويل لقوله جل وعز: ويلٌ للمطففين ما يبالي أحد منهم على ما يقدم، لقد سمعت أمير المؤمنين يسأل قضاته وكلهم بالحضرة: هل عدلتم كيّالاً قط؟ فكلهم يقول: لا، فإن أطعموا الجداء الرضّع ونقي الخبز من دستميسان ووهبت لهم الدراهم ظفر الأكّار بحاجته، فويل يومئذ لقبَّة السلطان ماذا يُحمل إليها من القشب والقصل والمدر والزوان ويحشى فيها التبن.
ثم قال: يا قوم لم أطنبت في ذكر هؤلاء وما الذي هاج هذا في هذه الساعة حتى خضت فيه؟ أما كفاني أني قائم على رجلي على أحد جناحيّ؟ قالوا: هذا للسكّر الذي ليس في خزانتك منه شيء. قال: أجل والله إذا كان وكيلي مشتغلاً بزوجته وبناته ومصالح حالهنّ متى يفرغ للنظر في مصالح خزانتي؟ والله والله لقد حُدثت أنه حلّى بناته بألوف دنانير وقال لزوجته اخرجي إلى الأعياد وادخلي الأعراس وسلي عن الرجال المذكورين واطلبي المراضع المعروفة والأنساب المرضية لبناتك وأخرجيهنّ في الجمعات يتصفحن محاسن الغرّات ويخترن أولي الأنساب، أولم يُرو عن الثقات أنهم كرهوا خروج الأبكار في الجمعات التي فرض الله جل وعز فيهنّ السعي إلى ذكره؟ فنبع قوم من هؤلاء المبتدعة خارجة خرجت ومارقة مرقت ورافضة رفضت الدين وأهل الدين فتركوا ما فرض الله جل وعز عليهم، فقاتلهم الله أنّى يؤفكون، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وقد روينا عن النبي، ﷺ، من غير وجهٍ ولا اثنين انه خطب الناس فقال في خطبته: إن الله جل وعز قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا من عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها استخفافاً بها وجحوداً بها فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أهله ولا حج له ولا جهاد حتى يتوب إلى الله جل وعز، فمن تاب تاب الله عليه.
ثم قال: يا قوم ما الذي حركنا على هذه الفضيلة في جوف هذه الليلة؟ قيل: السكر الطبرزد. قال: أجل والله فما أحضرتموني ألف من سكر إلى هذه الغاية! أيا نصح أيا فتح أيا صبح أيا نجح تبادروا مولاكم فإنه قد نصب وتعب من طول القيام! والله لأحسب الثريا مقابلة سمت رأسي، ذهب والله الليل وجاء الويل، ويلكم أدركوني فإني أريغ نومة ولا بد لي من البكور نحو الدار. فبادرت حرمه الخاصة فحثوا الباعة وانبهوا السوقة وأخذوا ما عندهم على غير سوم وجاؤوا به. فقال: ما هذا؟ قالوا: ما أمرت به. قال: فهل أخذتموه على الصفة التي وصفت لكم؟ قالوا: نعم. قال: فهل ورثتموه واستوجبتموه؟ قالوا: لا. قال: يا أعداء الله أردتم أن تفسدوا ديني! لا والله لا يطمع مني في هضيمة، لا والله لا تزال هذه حالي حتى تأخذوه بيعاً صحيحاً، لا شرط فيه ولا خيار ولا مثنوية ولا على حدّ تلجئة، هيهات يأبى الله جل وعز ذاك عليّ. قال: فرجعوا وساوموا الباعة وقطعوا ثمنه وأخبروه. فقال: يوزن بحضرتي. فأتوه بالقبان. فقال: من يزن منكم؟ قال: من أمرته. قال: زن يا نصح فقد دنا الصبح وأرجح فإن النبي، ﷺ، اشترى فقال للوزان: زن وأرجح، والله لو لم يكن في الرجحان إلا تحلّة القسم لكان في ذلك ما يدعو العلماء والفقهاء في دين الله جل وعز إلى العمل به. فجعل الغلام يزن ويرجح وهو يقول: ويلك عجّل فداك أهلك قد دنا الصبح أوه خرجت نفسي أو كادت! فلما استوى الوزن خرّ مغشياً عليه ما يدري أرضاً توسد أو وساداً، وكذلك كانت حال من كان في مثل حاله. فهذه يا أمير المؤمنين حال من أحمدت علمه وفهمه ورأيه.
فقال المأمون: قاتلك الله ما أعجب أمرك! على كل حال والله لئن كنت ولّدت هذا عن أبيك في مقامك ما في الأرض نظير ولا في السماء شبيه، وإن كنت حكيت عنه عياناً ووعيت فلقد أجدت الحكاية وأحسنت العبارة وما لأبيك في الدنيا شبيه، وإنك لتغمر مساويك بمحاسنك فلا تذكرنّ شيئاً من هذا بعد هذا المجلس فإن عيبه فينا أقدح منه في أبيك. قال: فذهب عليّ ليتكلم، فقال المأمون: لا تبضّنّ لسانك بحرف واحد. ثم أمر بنيه بالانصراف.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع