من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
محاسن برّ البنات
عوانة قال: بلغنا أن شيخاً من أصحاب معاوية كان يكاتب علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه، وقد كان طعن في السن، فبلغ معاوية خبره، فدعاه فقال: أيها الشيخ إنك لتكاتب علياً، ﵁، ولولا سنّك لقتلتك فلا تفعل ولا تعد. فوقع كتاب له بعد ذلك إلى علي، ﵀، في يدي معاوية فدعاه وقال: أتعرف هذا الكتاب؟ قال: نعم، كتب فأجبته، فأمر معاوية بقتله. فانتهى الخبر إلى ابنة له صغيرة، فجاءت حتى قامت بين يدي معاوية وأنشأت تقول:
معاوي لا تقتل أباً كان مشفقاًعلينا فنبقى إن فقدناه شرّدا
وتوتم أولادٌ صغارٌ بقتلهوإن تعف عنه كنت بالعفو أسعدا
معاوي هبه اليوم لله وحدهوللباكيات الصارخات تلددا
معاوي منك العلم والحلم والتقىوكنت قديماً يا ابن حربٍ مسَددا
فعجب معاوية وأصحابه منها ودمعت عيناه ووهبه لها.
قيل: وكان المأمون وجد على قائد من قواده فاستصفى ضياعه وداره وأنهب دوابه وماله، وكان شيخاً فانياً ولم يكن له من الولد إلا بنية صغيرة، فأجمع أن يضرب في الأرض ويطلب من فضل الله جل وعز ويخلّف بنيته. فبكت الابنة وقبضت على أبيها وقالت: اقنع بما آتاك الله واصبر على محن الزمان ونوائب الدهر والزم الوطن وارحم وحدتي وضعفي وقلة حيلتي أو اذبحني فلا أُبتلى بفراقك. فبكى الشيخ وقال:
تقول ابنتي لما أردت وداعهاوقد حضرتني نيةٌ ورحيل:
لعل المنايا في رحالك تنبريلنفسك ختلاً أو تغولك غول
فتتركني أدعى اليتيمة بعدماتبين وعزّي بعد ذاك ذليل
أفي طلب الدنيا وربك بالذيتسير له راعٍ عليك كفيل
أليس ضعيف القوم يأتيه رزقهيُساق إليه والبلاد محول
ويحرم جمع المال من قد يرومهيكدّ عليه رحله وحلول
فلو كنت في طودٍ على رأس هضبةٍلها نجفٌ فيه الوعول تقيل
مضعّدة لا يستطاع ارتقاؤهاولا لنزولٍ يستطاع سبيل
إذاً لأتاك الرزق يحدوه سائقٌحثيثٌ ويهديه إليك دليل
قال: فنمى الخبر إلى المأمون، فدعا بالشيخ فاستنشده شعره فأنشده، فرقّ له وأمر بردّ جميع ما أخذ منه وأعاده إلى مرتبته وزاده من عنايته.
قال: وعاش يزيد بن زبيبة الشيباني دهراً طويلاً حتى لحق زمن الحجاج وسعى مع ابن الأشعث، فظفر به الحجاج وورد عليه كتاب عبد الملك بن مروان يأمره بقتله. فلما دعا به قال له: أيها الأمير اتق الله بسبع عشرة نسوة أو تسع عشرة نسوة ليس لهن قيم غيري! قال: أحضرهنّ. فلما أحضرهن سألهن الحجاج عن شأنهنّ فما منهن امرأة إلا وهي تقول: اقتلني ودعه. فقامت بنية له صغيرة فبكت بكاء حاراً موجعاً محرقاً وأنشأت تقول:
أحجاج إما أن تجود بنعمةٍعلينا وإما أن تقتّلنا معا
أحجاج كم تفجع به إن قتلتهثلاثاً وعشراً واثنتين وأربعا
فمن رجل دانٍ يقوم مقامهعلينا فمهلاً لا تزدنا تضعضعا
فرحمه الحجاج وكتب إلى عبد الملك يسأله العفو عنه، فأجابه إلى ذلك، وأطلقه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع