من «الموشى» للوشاء (ت ٣٢٥هـ)
والترغيب في حفظ ما حنّت عليه ضلوع الصدّر
روي عن النبي، ﷺ، أنه قال: استعينوا على حوائجكم بكتمان السرّ.
وكان يقال: سرّك من دمك، فانظر أين تجعله.
وكان يقال: ما كتمته من عدوك، فلا تطلع عليه صديقك.
وقال المهلب بن أبي صفرة: من ضاق قلبه اتسع لسانه. وأنشدني أحمد ابن يحيى لقيس بن الحُدادية الخزاعي:
بكت من حديث نمّه، وأشاعه،ولفقه واش من القوم واضع
بكت عين من أبكاك لا يشجك البكاولا تتخالجك الأمور النوازع
ولا تسمعي سرّي وسرّك ثالثاً،ألا كل سر جاوز اثنين ضائع
وأنشدني لبعض الطالبيين:
أكافي خليلي ما استقام بوده،وأمنحه ودي، إذا يتعتب
ولست ببادي صاحبي بقطيعة،ولا أنا مفش سره، حين أغضب
عليك بإخوان الثقات، فإنهمقليل، فصلهم دون من كنت تصحب
وما الخدن إلا من صفا لك وده،ومن هو ذو نصح، وأنت مغيب
إذا ما وضعت السر عند مُضيِّع،فذو السر ممن ضيّع السّرّ أذنب
وقال معاوية بن أبي سفيان: الحازم من كتم سره من صديقه مخافة أن تبدَّل صداقته عداوة، فيذيع سره. وقال بعض الشعراء:
تواقف معشوقين من غير موعدوغيب عن نجواهما كل كاشح
وكلّت جفون الماء عن حمل مائها،فما ملكت فيض الدموع السوافح
وإني لأطوي السرّ عن كل صاحب،وإن كان للأسرار عدل الجوانح
وكتب عبد الملك بن مروان ببعض سره إلى الحجاج بن يوسف، ففشا، حتى بلغه ذلك، فكتب إليه عبد الملك يعاتبه، فكتب إليه: والله، يا أمير المؤمنين، ما أخبرت به إلا إنساناً واحداً. فكتب إليه عبد الملك: إن لكل إنسان نصيحاً يفشي إليه سره.
وقال بعض الشعراء في ذلك:
ألم ترَ أن وشاة الرجال لا يتركون أديماً صحيحاً
فلا تفش سرك إلا إليك،فإن لكل نصيح نصيحا
وقال آخر:
إذ أنت لم تحفظ لنفسك سرها،فسرك عند الناس أفشى وأضيع
وقال آخر:
أمت السر بكتمان، ولايبدون منك إذا استودعت سرّ
فإذا ضقت به ذرعاً فلاتجعلن سرك إلا عند حرّ
وقيل لأعرابي استودع سراً فكتمه: أفهمت؟ قال: لا، بل نسيت. وأخبرني أحمد بن عبيد قال: أخبرني ابن الأعرابي قال: قيل لأعرابي: كيف كتمانك السر؟ فقال: أجحد المخبر، وأحلف للمستخبر.
وقيل لأعرابي: كيف حفظك للسر؟ فقال: أنا لحده.
ومما استحسنته في كتمان السر قول كثُير:
أتى دون ما تخشون من بث سركمأخو ثقة، سهل الخلائق، أروع
ضنين ببذل السر، سمح بغيره،أخو ثقة، عفُّ الوصال، سميدع
أبى أن يبث، الدهر، ما عاش، سركمسليماً، وما دامت له الشمس تطلع
وله أيضاً:
كريم يميت السر، حتى كأنه،إذا استنطقوه عن حديثك، جاهله
رعى سركم في مضمر القلب والحشا،شفيق عليكم، لا تخاف غوائله
وأكتم نفسي بعض سري تكرماً،إذا ما أضاع السر في الناس حامله
وقول صاحبه أيضاً:
لعمري ما استودعت سري وسرهاسوانا، حذاراً أن تشيع السرائر
ولا خاطبتها مقلتاي بنظرة،فتعلم نجوانا العيون النواظر
ولكن جعلت اللحظ بيني وبينهارسولاً، فأدى ما تجن الضمائر
ومنه قول الآخر:
ليهنك مني أنني غير مظهرهواك، ولو أشرفت منه على نحبي
ولو أن خلقاً كاتم الحب قلبهلمتُّ، ولم يعلم بحبكم قلبي
وقال آخر:
لو أن امرأً أخفى الهوى عن ضميره،لمتُّ، ولم يعلم بذاك ضمير
ولكن سألقى الله، والقلب لم يبحبسرّك، والواشون عنك كثير
وقال العباس بن الأحنف:
أيا من سروري به شقوة،ومن صفو عيشي به أكدر
تجنيت تطلب ما أستحقبه الهجر، هيهات لا يقدر
وماذا يضرك من شهرتي،إذا كان سرّك لا يشهر
أمني يُخاف انتشار الحديث،وحظي في صونه أكثر
ولو لم يكن فيه بقيا عليك،نظرت لنفسي، كما تنظر
وأنشدني لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
ومؤتمن بالحزم في كل أمره،وأسراره منه بحيث المقاتل
فلا سره عن ساحة الصدر نازح،ولا هو عن سرٍّ تعداه سائل
ولغيره في مثله:
فلنقل الجبال أهون من بثحديث حنت عليه الضلوع
فلك الله أنني لك راعٍ،ما بدا كوكب، وبرق لموع
وأنشدني أحمد بن عبد الله قال: أنشدني ابن الكلبي لابن أمينة:
وإني على السر الذي هو داخل،إذا باح أصحاب الهوى، لضموم
وإني ما استودعت، يا أم مالك،على قدم من عهدنا، لكتوم
وقال أبو الطيب: الضموم: الممسك، وكذلك الزميت أيضاً. وقال آخر:
وحاجة دون أخرى قد شجيت بها،خلفتها للذي أخفيت عنوانا
إني كأني أرى من لا حياء له،ولا أمانة، وسط الناس، عريانا
وأنشدني أحمد بن يحيى بن الخطيم:
وإن ضيع الأحرار سراً، فإننيكتوم لأسرار العشير، أمين
يكون له عندي إذا ما ضمنتهمكان بسوداء الفؤاد مكين
وقال بشار بن برد المرعث:
أبكي الذين أذاقوني مودتهم،حتى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا
لأخرجن من الدنيا وسرهمبين الجوانح، لم يعلم به أحد
وأحسن، والله، الذي يقول:
يأبى لي الذم أخلاق ومكرمةمني، وأذن عن الفحشاء صماء
والنجم أقرب من سري إذا اشتملتمني على السر أضلاع وأحشاء
والذي قيل في ذلك كثير جداً يطول به الخطب ويتسع فيه القول. وليس قصدنا في كتابنا هذا المعنى، وإنما تقدمنا بذكر ما شرحناه ونعت ما وصفناه، لأنه لا بد للظريف من استعمال كل ما ذكرناه من حدود الأدب وشرائع المروة، واعلم أن مذهبنا في هذا المتاب إلى معنى صفة الظرف، وما يجب على
الظريف استعماله، وذكر ما يجب عليه تركه، وما اخترعنا في كتابنا هذا علماً من عند أنفسنا، يجب لنا به الامتحان، ولا يلحقنا فيه عيب من عاب، إن عاب، ولا على أنه لا يطلب لفظه، ولا يمتنع عند معايبهم إلا معيب. وأنشدنا أحمد بن يحيى قال: أنشدني ابن السكيت:
رب غريب ناصح الجيب،وابن أب متهم الغيب
ورب عيّاب له منظرمشتمل منه على العيب
ولكنا ألفناه وجمعناه من أقاويل جماعة من الظرفاء والمتظرفات، وأهل الأدب والمروات، سمعناهم، ورأيناهم يتكلمون به، ويستعملونه، فأحببنا أن نجمع ذلك، ونجعله لهواً لمن أراد سماعه، وعلماً لمن أراد اتباعه، وهدياً لمن أراد رشده، ومناراً لمن أراد قصده، وطيباً لمن أراد شمّه، وأدباً لمن أراد فهمه. وكتابنا هذا روضة تتنزه فيها العقول، وعقود جوهر زينتها الفصول، إذ لم نخله من أخبار طريفة، وأشعار ظريفة، وأشياء نمت إلينا من زي ظرفاء الناس في الطعام، والشراب، والعطر، واللباس، ومذهبهم فيما اجتنبوه من ذميم الأفعال، واستحسنوه من جميل الشيم والأخلاق، وسأشرح ذلك وأبينه باباً باباً لتقف عليه، إن شاء الله.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بمصر (١٣٧١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع