تجاوز إلى المحتوى

من «الموشى» للوشاء (ت ٣٢٥هـ)

ما جاء فيمن تعفف في محبته ورعى عقود عهود مودّته

وما وجدنا أحداً من العرب يفعل ذلك، ولا صمد نحوه، وقد كان الواحد منهم يعشق من أول دهره إلى آخره لا يُحاول فِسقاً، ولا يقرب رفثاً، ولم يكن لهم مراد إلا في النظر، ولا حظّ في غير الاجتماع والمؤانسة، والحديث والشعر، كما قال الفرزدق:

وجدتُ الحب لا يشفيه إلاّلقاءٌ يقتل الغُللَ النِّهالا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أحب من النساء وهن شتى»
أُحبّ من النساء، وهنّ شتّى،حديث النزْر، والحدقَ الكِلالا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أحب من النساء وهن شتى»
موانعُ للحرام بغير فُحشٍ،وتبذل ما يكون لها حلالا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أحب من النساء وهن شتى»

وكان الواحد منهم إذا تعلّق خلّةً لم يفارقها حتى الممات، ولم يشغل قلبه بغيرها، ولم يهمّ بالسلوّ عنها، وقَصَر طرفه عمّن سِواها، وكذلك هي أيضاً كانت له بتلك المنزلة، فأيّهما هلك قبل صاحبه قتلّ الآخرُ نفسه في أثره، أو عاش حافظاً لودّه قائماً بعهده، لا ينسى ذكره، ولا يصل غيره، فاستحسن الناس الملّل والاستبدال، والغدر والانتقال، وصار أشدّهم ظَرْفاً، وأحسنهم يتعشّق السنين الكثيرة، والدهور الطويلة، ويتوهّم بفعله أنه عاشقٌ، فإذا فقد حبيبه يوماً واحداً، استبدل به سواه، ويُنشدن في ذلك:

افخر بآخر من بُليتَ بحبّه،لا خر في حب الحبيب الأول
أتشُكّ في أن النبي محمداَساد البريّة، وهو آخر مُرسَلِ

وأنا أبرأ إلى الله أن يكون هذا من شعرِ ظريفٍ أو من فعل حَصيفٍ، ولكن قد أحسن أبو تمام الطائي حيث يقول:

البين جرّعني نقيعَ الحَنظَل،والبينُ أثكلني، وإن لم أثكل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «البين جرعني نقيع الحنظل»
ما حسرتي أن كِدتُ أقضي، إنماحسرات نفسي أنني لم أفعلِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «البين جرعني نقيع الحنظل»
نقّلْ فؤادك حيث شئت من الهوى،ما الحب إلا للحبيب الأوّلِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «البين جرعني نقيع الحنظل»
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى،وحنينه أبداً لأوّل منزل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «البين جرعني نقيع الحنظل»

على أنه ليس التنقّل من حبيب أول إلى حبيب ثانٍ بحسن، وإنما الحب ما أقام عليه القلب، فلم يجد التخلّص منه إلى غيره كما قال جرير:

أخالدَ! قد هويتُكِ بعد هندٍ،فشيّبني الخوالدُ والهنودُ
هوىً بتهامةٍ، وهوىً بنجدٍ،فتُبْليني التهائم والنُّجودُ
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا زارت وأهل منى هجود»

ولا كقوله أيضاً:

أحبّ ثرى نجدٍ، وبالغَور حاجةٌ،فغار الهوى، يا عبد قيسٍ، وأنجدا
للشاعر جرير، من قصيدة «غدا باجتماع الحي نقضي لبانة»

ولا كقول الآخر:

إني سأُبدي الحب فيما أُبديلي شَجَنانِ: شَجَنٌ بنجدِ

وشجنٌ لي ببلاد الهِندِ ...

ولا كقول الآخر:

هوىً بالغَور لي، وهوىً بنجدٍ،فما أدري أأنجِدُ أم أغورُ
بكُلّ حاجةٌ، وهوىً مقيمٌبقلبك قد تَضَمّنه الضمير
بشرقيّ العراق، بباب عمروٍ،وبالغَورين زينبَ والقدور

هذا والله من ألفاظ الشعر أسمجُ جداّ، وقد كذب هؤلاء، وادّعوا وجداً، وهل يجتمع وَجدان في موضع؟ ولكن قد أحسن جميلٌ حيث يقول:

وقلتُ لنسوانٍ تعرّضْن دونها:إليكنّ إني غيركُنّ أُريد
للشاعر المزرد الغطفاني، اقرأ القصيدة

وحيث قال أيضاً:

وكم من بديلٍ قد وجدنا وطُرفةٍ،فتأبى عليّ النفسُ تلك الطرائفا
للشاعر جميل بن معمر، من قصيدة «فما سرت من ميل ولا سرت ليلة»

فهذا هو الصادق الهوى الخالص الوفاء، لا جرير وصاحبه، ولا الذي يقول:

أرى ذا، فأهواه، وأُبصرُ غيره،فأترك ذا ثم استبدُّ بذا عِشقا
ثمانون لي في كل يومٍ أحبّهم،وما في فؤادي واحدٌ منهم يبقى

فقبّح الله هذا اللفظ لفضاً، ولا أعطيَ قائله حظّاً، فليس من شعر وامقٍ، بل هو من فعل مُماذق، ولا والله ما التنقّل من شأن الأدباء، ولا الاستبدال من فِعلِ الظرفاء، وإنما الهوى ما حسُن سريرته، وهيهات ذوو الوداد الخالص، والصفاء الدائم، والحب اللازم، ودود الحفاظ، ورعاة العهود، والمتمسكون بالوفاء، والراغبون في صحيح الإخاء إليك. فقد تنقّضت وثائق

الحب، وانفصمت عُرى الهوى، وتقطّعت أسباب العشق، وتكدّر صافي المودّة، والناس كما قال الشاعر:

قلّ الثقاتُ، فما أدري ثمن أثق،لم يبقَ في الناس إلا الزور والملَقُ

النص من طبعة مكتبة الخانجي بمصر (١٣٧١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموشى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.